مع الشروق : اليد الخارجية وراء تحريك المظاهرات الإيرانية

مع الشروق : اليد الخارجية وراء تحريك المظاهرات الإيرانية

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/01/13

للأسبوع الثالث على التوالي تتواصل المظاهرات في عدد من المدن الإيرانية تنديدا بارتفاع تكاليف المعيشة، وهي موجات غضب سرعان ما تحوّلت من مظاهرات سلمية ومشروعة إلى اعمال شغب وفوضى أدّت إلى سقوط عدد من القتلى، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل حول طبيعة ما يجري وهل نحن فعلا أمام حراك داخلي اجتماعي صرف أم أمام مشهد تدار خيوطه من الخارج وخاصة من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية؟
ومن خلال القراءة المتأنّية لتصريحات المسؤولين الأمريكيين، وعلى رأسهم الرئيس دونالد ترامب، إلى جانب ما كشفته وسائل إعلام عبرية وتصريحات بعض المسؤولين الصهاينة، يتبين لنا أن ما يحدث يتجاوز حدود الاحتجاج العفوي على الأوضاع الاقتصادية، ويدخل في إطار صراع سياسي–أمني أوسع هدفه إسقاط النظام الإيراني بكل الطرق والوسائل.
فترامب الذي تجاوز كل الأعراف والقوانين الدولية منذ وصوله إلى سدّة الحكم وارتكابه لأبشع الجرائم، لعل آخرها خطف الرئيس الفنزويلي والتحضير للسيطرة على غرينلاند، لم يخفِ يوما رغبته في إسقاط النظام الإيراني، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين لوح بإمكانية توجيه ضربة عسكرية بذريعة “حماية المحتجين”. وفي السياق نفسه، أفادت وسائل إعلام عبرية، بينها صحيفة “معاريف”، بأن الولايات المتحدة تعمل ضمن ما سمّته “هوامش الإنكار”، عبر شنّ هجمات وعي وسايبر ضد إيران ... والهدف، وفق هذه التقارير، هو دفع المواطنين إلى النزول إلى الشارع، وتوجيه نشطاء الاحتجاج لضرب مؤسسات الدولة المركزية وإرباك المشهد العام تمهيدا للتدخل العسكري في مرحلة لاحقة . ولا يمكن فصل ذلك عن تأكيد إسرائيل أنها على الأرض مع المحتجّين ورفعها حالة التأهب القصوى تحسبا لأي تدخل أمريكي مباشر، ما يؤكد أن المشهد الإيراني جزء من حسابات إقليمية ودولية معقّدة وليس مجرد مطالب مشروعة للمحتجّين للقيام بإصلاحات اقتصادية واجتماعية.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن إيران اليوم تواجه أزمة اقتصادية حقيقية بسبب سنوات الحصار، إذ أدت الأزمة المفتعلة ضد إيران إلى انهيار العملة وارتفاع الأسعار ونقص السلع وغيرها من المشاكل الداخلية التي شكّلت أرضية غضب حقيقية، والسلطات نفسها تعترف بوجود اختلالات وتسعى إلى إجراءات تخفيفية. غير أن التجربة التاريخية، خاصة خلال المظاهرات التي خرجت خلال السنوات الماضية، تظهر أن الخارج غالبا ما يستثمر في هذه الأزمات، ويحول الاحتجاجات السلمية إلى أعمال شغب وتخريب، سقط خلالها عناصر من الشرطة وقوّات الأمن.
والأنكى من ذلك أن بعض الأطراف العربية تسعى أيضا إلى جانب الصهاينة والأمريكيين للركوب على الأحداث ودعم المظاهرات لإسقاط النظام الإيراني، غير عابئين بالتداعيات الكارثية التي قد تحصل لو سقط النظام الإيراني فعلا. فسقوط النظام يعني عمليا دخول المنطقة في نفق مظلم من الفوضى والاقتتال، وسيشعل كامل الشرق الأوسط بسبب تعدّد القوميات في إيران البالغ عدد سكانها اكثر من 90 مليون نسمة. وأبرز التداعيات أيضا ستكون تراجع القضية الفلسطينية مع عزل قوى المقاومة في ظل تسارع الاتفاقيات الابراهمية وانهيار وانكفاء العمق العربي الرسمي. ومن المخاطر الأخرى في حال سقوط النظام الإيراني هو إطلاق يد “إسرائيل” بلا رادع، ليس في فلسطين فقط، بل في مجمل العواصم العربية، ضمن مشروع تغوّل أمني واقتصادي يقوم على التطبيع بالقوة. أما الأخطر من كل ذلك فهو عودة المنطقة إلى حقبة القطب الواحد، حيث تنفرد واشنطن بالقرار العربي، وتحكم السيطرة على الثروات والسياسات بلا أي هامش للمناورة.
ناجح بن جدو

تعليقات الفيسبوك