مع الشروق : المهرجانات الصيفية: صناعة للذوق أم مجاراة للسوق؟
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/13
مع بداية كل صيف تعود المهرجانات الثقافية لتهيمن على المساحة الأكبر من حياة التونسيين.. من مدارج قرطاج إلى فضاءات الحمامات ، ومن حركية صفاقس إلى المهرجانات الجهوية والمحلية في الداخل، تتحوّل المدن التونسية إلى لقاءات تنبض بالسمر والسهر ، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بعدد المهرجانات التي تنظمها تونس ، بل بالوظيفة الحقيقية التي تؤديها هذه الفعاليات في مجتمع تتغير أذواقه وقيمه الاستهلاكية بسرعة قياسية؟
تستند تونس إلى رصيد تاريخي وثقافي ثري، إذ يناهز عدد المهرجانات والفعاليات السنوية 300 تظاهرة، وهو رقم يعكس ظاهريا انتشار الفعل الثقافي وديمقراطيته في مختلف الجهات ، غير أن غزارة العداد لا تعني بالضرورة عمق الأثر، فالمعيار الحقيقي ليس بعدد السهرات المبرمجة ولا بحجم الأضواء، بل بالقيمة المضافة التي تضخها هذه التظاهرات في شرايين المشهد الثقافي، وقدرتها على صياغة وعي مجتمعي جديد يربط المواطن بالفكر والفن الراقين.
الجهات الثقافية المسؤولة انطلقت في السنوات الأخيرة في مراجعة منظومة المهرجانات، والعمل على تصنيفها وضبط معايير أكثر شفافة للدعم العمومي والهدف المعلن إنقاذ هذه الفعاليات للتحول من مجرد "مواعيد موسمية" روتينية تتكرر بلا روح ، إلى مشروع ثقافي واضح. فالمهرجانات ليس مجرد سهرات ليلية عابرة ،بل واجهة ثقافية للمدينة، وللجهة، وللبلاد بأسرها.
هذا التشخيص يقودنا إلى سؤال أعمق يمس هوية الثقافة ذاتها: هل يكتفي المهرجان بإعادة إنتاج السائد وإرضاء الذوق العام، أم إن رسالته تكمن في الارتقاء به؟ ..فالثقافة في مفهومها العام ليست مرآة عاكسة لما "يطلبه الجمهور" فحسب، بل هي فرصة لاكتشاف الجديد وتوسيع الآفاق. والمهرجان الناجح هو الذي يوفق في معادلة صعبة تجمع بين الجماهيرية والجودة، وبين الترفيه والقيمة الفنية الحقيقية.
لكن المأزق يتجلى بوضوح عندما تسقط بعض الإدارات في فخ "التسليع الفني"، حيث يتحول التنظيم إلى سباق محموم نحو الأسماء الأكثر رواجا على منصات التواصل الاجتماعي لضمان "شباك التذاكر"، وذلك على حساب التنوع، التجديد، ودعم الطاقات الشابة والمشاريع البديلة. ويزداد هذا الجدل مشروعية عندما تصبح أسعار التذاكر خيالية، مما يؤدي إلى عزل فئات واسعة من المواطنين عن المهرجانات.
المهرجانات ليست فقط ترف فني، بل هي شريان اقتصادي حيوي ومحرك للسياحة الثقافية والداخلية في الجهات، لذا وجب تغيير النظرة التقليدية إليها من "ثقافة مستهلكة للميزانيات" إلى "صناعة ثقافية مستدامة" قادرة على تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، دون السقوط في الابتذال ، وهذا لا يكون الا بدعم المهرجانات من وزارة الاشراف.
ففي عصر المنصات الرقمية، حيث تُصنع الأذواق الجاهزة والمعلبة تحت تأثير "التريند" السريع، تتضاعف مسؤولية المهرجانات الصيفية لتصبح مطالبة بأن تكون قلاعا للمقاومة الثقافية وفضاءات للتثقيف والمتعة الذكية معا فتقدم للجمهور ما يحب، ولكنها تفتح أمامه أيضا نوافذ يطل منها على الجمال الحقيقي.
المهرجانات ليست مجرد ليالٍ صيفية تنقضي مع مطلع الفجر، ولا تُقاس بنجاحها التجاري أو بعدد التذاكر المقطوعة بل قيمتها الحقيقية تُقاس بما تتركه في الوجدان من أثر مستدام، وبقدرتها على جعل الثقافة أسلوب حياة. فالمهرجان الذي يساير "السوق" ينتهي بانتهاء السهرة، أما المهرجان الذي يصنع "الذوق" فيخلد في الذاكرة الوطنية.
راشد شعور
مع بداية كل صيف تعود المهرجانات الثقافية لتهيمن على المساحة الأكبر من حياة التونسيين.. من مدارج قرطاج إلى فضاءات الحمامات ، ومن حركية صفاقس إلى المهرجانات الجهوية والمحلية في الداخل، تتحوّل المدن التونسية إلى لقاءات تنبض بالسمر والسهر ، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بعدد المهرجانات التي تنظمها تونس ، بل بالوظيفة الحقيقية التي تؤديها هذه الفعاليات في مجتمع تتغير أذواقه وقيمه الاستهلاكية بسرعة قياسية؟
تستند تونس إلى رصيد تاريخي وثقافي ثري، إذ يناهز عدد المهرجانات والفعاليات السنوية 300 تظاهرة، وهو رقم يعكس ظاهريا انتشار الفعل الثقافي وديمقراطيته في مختلف الجهات ، غير أن غزارة العداد لا تعني بالضرورة عمق الأثر، فالمعيار الحقيقي ليس بعدد السهرات المبرمجة ولا بحجم الأضواء، بل بالقيمة المضافة التي تضخها هذه التظاهرات في شرايين المشهد الثقافي، وقدرتها على صياغة وعي مجتمعي جديد يربط المواطن بالفكر والفن الراقين.
الجهات الثقافية المسؤولة انطلقت في السنوات الأخيرة في مراجعة منظومة المهرجانات، والعمل على تصنيفها وضبط معايير أكثر شفافة للدعم العمومي والهدف المعلن إنقاذ هذه الفعاليات للتحول من مجرد "مواعيد موسمية" روتينية تتكرر بلا روح ، إلى مشروع ثقافي واضح. فالمهرجانات ليس مجرد سهرات ليلية عابرة ،بل واجهة ثقافية للمدينة، وللجهة، وللبلاد بأسرها.
هذا التشخيص يقودنا إلى سؤال أعمق يمس هوية الثقافة ذاتها: هل يكتفي المهرجان بإعادة إنتاج السائد وإرضاء الذوق العام، أم إن رسالته تكمن في الارتقاء به؟ ..فالثقافة في مفهومها العام ليست مرآة عاكسة لما "يطلبه الجمهور" فحسب، بل هي فرصة لاكتشاف الجديد وتوسيع الآفاق. والمهرجان الناجح هو الذي يوفق في معادلة صعبة تجمع بين الجماهيرية والجودة، وبين الترفيه والقيمة الفنية الحقيقية.
لكن المأزق يتجلى بوضوح عندما تسقط بعض الإدارات في فخ "التسليع الفني"، حيث يتحول التنظيم إلى سباق محموم نحو الأسماء الأكثر رواجا على منصات التواصل الاجتماعي لضمان "شباك التذاكر"، وذلك على حساب التنوع، التجديد، ودعم الطاقات الشابة والمشاريع البديلة. ويزداد هذا الجدل مشروعية عندما تصبح أسعار التذاكر خيالية، مما يؤدي إلى عزل فئات واسعة من المواطنين عن المهرجانات.
المهرجانات ليست فقط ترف فني، بل هي شريان اقتصادي حيوي ومحرك للسياحة الثقافية والداخلية في الجهات، لذا وجب تغيير النظرة التقليدية إليها من "ثقافة مستهلكة للميزانيات" إلى "صناعة ثقافية مستدامة" قادرة على تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، دون السقوط في الابتذال ، وهذا لا يكون الا بدعم المهرجانات من وزارة الاشراف.
ففي عصر المنصات الرقمية، حيث تُصنع الأذواق الجاهزة والمعلبة تحت تأثير "التريند" السريع، تتضاعف مسؤولية المهرجانات الصيفية لتصبح مطالبة بأن تكون قلاعا للمقاومة الثقافية وفضاءات للتثقيف والمتعة الذكية معا فتقدم للجمهور ما يحب، ولكنها تفتح أمامه أيضا نوافذ يطل منها على الجمال الحقيقي.
المهرجانات ليست مجرد ليالٍ صيفية تنقضي مع مطلع الفجر، ولا تُقاس بنجاحها التجاري أو بعدد التذاكر المقطوعة بل قيمتها الحقيقية تُقاس بما تتركه في الوجدان من أثر مستدام، وبقدرتها على جعل الثقافة أسلوب حياة. فالمهرجان الذي يساير "السوق" ينتهي بانتهاء السهرة، أما المهرجان الذي يصنع "الذوق" فيخلد في الذاكرة الوطنية.
راشد شعور