مع الشروق : المهاجرون الأفارقة وضبابية الحقيقة!
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/04/25
لم يهدأ الجدل حول ملف المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء، خاصة بعد حادثة اقتحام منزل محامية في ضاحية العوينة بالعاصمة وإيداع المعتدي السجن ، ومهاجمة منزل عائلة بجبنيانة خلال هذه الأيام من طرف مجموعة مسلّحة من الأفارقة.
وبين أخذ ورد، ماتزال الحقيقة في مثل هذا الملف غائمة، يحكمها المزاج والحسابات وتحرّكها الانفعالات، ما قسم الرأي العام التونسي إلى شقّين متضاربين، بين من يُشيطن هذه التهديدات ويعتبرها ملفّقة وكيدية تتعارض مع حقوق الإنسان وتصبّ في خانة العنصرية، وبين من يرى في وجود المهاجرين غير النظاميين خطرا محدقا بالبلاد والعباد، يرتبط بمخطط لتوطينهم في تونس عبر تكاثرهم وارتفاع الولادات في صفوفهم، وانتشارهم في مختلف الأحياء والولايات واندماجهم في عديد القطاعات المهنية، ولو بصفة هشّة.
هذا الجدل على أرض الواقع انتقل إلى الفضاء الافتراضي، حيث أصبح أكثر حدّة وشراسة، مما وسّع الشّرخ بين الشِقّين وتحوّل مع الوقت إلى معارك كلامية مدعومة بالتصريحات والفيديوهات والتسريبات والمعلومات والوثائق، تحت عنوان كشف الحقيقة ودحض السّردية المقابلة.
ومن داخل هذا الجدل و»الاقتتال الفايسبوكي» شبه اليومي، تنهال البيانات والتدوينات المندّدة بالعنصرية و"لا إنسانية الشّعب التونسي" في رفض وجود الأفارقة، محذّرة من حرمانهم من حق « الإنقاذ البحري» وضرورة احترام حقوق المهاجرين.
وفي المقابل، تُوثَّق جرائم سطو وعنف وكرّ وفرّ بين الأفارقة أنفسهم ، وبينهم وبين التونسيين، وتبرز تصريحات تحذّر من مخطط للتوطين والتمهيد للاستيلاء على تونس مستقبلا، استنادا إلى أطروحات تاريخية مثيرة للجدل حول أصول السكان.
وتأتي تصريحات الشقّين في شكل تناطح وتنافس حول من هو الأقرب إلى فهم الحقيقة، ومن الأقدر على تحليل ما يحدث وقراءة عقل الإفريقي المهاجر من الدّاخل.
يحدث هذا التجاذب بين ضرر واضح للعيان توثّقه شهادات ووقائع على أرض الواقع، وتكاثر أفريقي فوضوي لا يمكن إنكاره أو إخفاؤه، وبين تصريحات تصبّ الزيت على النار وتوجّه أصابع الاتهام إلى الدولة التونسية نفسها، باعتبارها سهّلت دخول المهاجرين عبر اتفاقيات هجرة جعلت تونس أشبه بمصيدة لهم، في سياق تحكمه توازنات جيوسياسية إقليمية ودولية تديرها الدول المانحة وفق مصالحها.
ورغم حدّة هذا الجدل، تغيب الأجهزة الرسمية ويخفت صوتها في مواجهة تصريحات خطيرة حول مخططات تستهدف البلاد، مقابل أصوات حقوقية تذهب بعيدا في خطاب المظلومية. وفي ظل هذا الغياب، لا تتوفر معطيات دقيقة حول عدد المهاجرين غير النظاميين، ولا عدد مواليدهم، ولا جنسياتهم، ولا تاريخهم الصحي أو هوياتهم، وهي عناصر أساسية لضمان الأمن الاجتماعي والاستقرار المجتمعي.
أمام هذا اللغط الكبير، تغيب الحقيقة، ونجد أنفسنا أمام مسألة ضبابية رغم خطورتها وتداعياتها الحاضرة والمستقبلية.
صحيح أن رئيس الجمهورية أعلن أكثر من مرة أن تونس ليست حارسا للحدود وأن أراضيها ليست للتوطين، غير أنّ هذا الموقف الرسمي الحاسم لم يوقف تدفّق المهاجرين غير النظاميين، كما أن برامج العودة الطوعية لم تحقّق النتائج المرجوّة، ليبقى الملف مفتوحا على الجدل والتأويل والتوظيف.
ولأن هذا الملف الثّقيل ما يزال محاطا بالغموض، فإن حسمه يظل رهين وضوح الرؤية الرّسمية، خاصة من قبل وزارة الشؤون الخارجية، عبر تقديم معطيات دقيقة للرأي العام، بما يحدّ من التخمينات والتأويلات ، أيا كانت طبيعة الحقيقة.
وإن كانت تونس بعد الثورة قد انخرطت في اتفاقيات هجرة مع شركاء أوروبيين، فإن هذه الاتفاقيات تظل قابلة للمراجعة بما يخدم المصلحة الوطنية، وينهي الاتهامات الموجّهة إليها بالعنصرية أو بازدواجية الخطاب.
إن الأمر يتعلّق بالأمن الاجتماعي، ولا يمكن معالجته بالصّمت أو الجدل العقيم أو تبادل الاتهامات. فتركه في دائرة الغموض أشبه بقنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة وبأي شكل. والحلّ يمرّ حتما عبر مصارحة الرأي العام، داخليا وخارجيا، بالحقيقة كاملة دون مواربة.
وحيدة المي
لم يهدأ الجدل حول ملف المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء، خاصة بعد حادثة اقتحام منزل محامية في ضاحية العوينة بالعاصمة وإيداع المعتدي السجن ، ومهاجمة منزل عائلة بجبنيانة خلال هذه الأيام من طرف مجموعة مسلّحة من الأفارقة.
وبين أخذ ورد، ماتزال الحقيقة في مثل هذا الملف غائمة، يحكمها المزاج والحسابات وتحرّكها الانفعالات، ما قسم الرأي العام التونسي إلى شقّين متضاربين، بين من يُشيطن هذه التهديدات ويعتبرها ملفّقة وكيدية تتعارض مع حقوق الإنسان وتصبّ في خانة العنصرية، وبين من يرى في وجود المهاجرين غير النظاميين خطرا محدقا بالبلاد والعباد، يرتبط بمخطط لتوطينهم في تونس عبر تكاثرهم وارتفاع الولادات في صفوفهم، وانتشارهم في مختلف الأحياء والولايات واندماجهم في عديد القطاعات المهنية، ولو بصفة هشّة.
هذا الجدل على أرض الواقع انتقل إلى الفضاء الافتراضي، حيث أصبح أكثر حدّة وشراسة، مما وسّع الشّرخ بين الشِقّين وتحوّل مع الوقت إلى معارك كلامية مدعومة بالتصريحات والفيديوهات والتسريبات والمعلومات والوثائق، تحت عنوان كشف الحقيقة ودحض السّردية المقابلة.
ومن داخل هذا الجدل و»الاقتتال الفايسبوكي» شبه اليومي، تنهال البيانات والتدوينات المندّدة بالعنصرية و"لا إنسانية الشّعب التونسي" في رفض وجود الأفارقة، محذّرة من حرمانهم من حق « الإنقاذ البحري» وضرورة احترام حقوق المهاجرين.
وفي المقابل، تُوثَّق جرائم سطو وعنف وكرّ وفرّ بين الأفارقة أنفسهم ، وبينهم وبين التونسيين، وتبرز تصريحات تحذّر من مخطط للتوطين والتمهيد للاستيلاء على تونس مستقبلا، استنادا إلى أطروحات تاريخية مثيرة للجدل حول أصول السكان.
وتأتي تصريحات الشقّين في شكل تناطح وتنافس حول من هو الأقرب إلى فهم الحقيقة، ومن الأقدر على تحليل ما يحدث وقراءة عقل الإفريقي المهاجر من الدّاخل.
يحدث هذا التجاذب بين ضرر واضح للعيان توثّقه شهادات ووقائع على أرض الواقع، وتكاثر أفريقي فوضوي لا يمكن إنكاره أو إخفاؤه، وبين تصريحات تصبّ الزيت على النار وتوجّه أصابع الاتهام إلى الدولة التونسية نفسها، باعتبارها سهّلت دخول المهاجرين عبر اتفاقيات هجرة جعلت تونس أشبه بمصيدة لهم، في سياق تحكمه توازنات جيوسياسية إقليمية ودولية تديرها الدول المانحة وفق مصالحها.
ورغم حدّة هذا الجدل، تغيب الأجهزة الرسمية ويخفت صوتها في مواجهة تصريحات خطيرة حول مخططات تستهدف البلاد، مقابل أصوات حقوقية تذهب بعيدا في خطاب المظلومية. وفي ظل هذا الغياب، لا تتوفر معطيات دقيقة حول عدد المهاجرين غير النظاميين، ولا عدد مواليدهم، ولا جنسياتهم، ولا تاريخهم الصحي أو هوياتهم، وهي عناصر أساسية لضمان الأمن الاجتماعي والاستقرار المجتمعي.
أمام هذا اللغط الكبير، تغيب الحقيقة، ونجد أنفسنا أمام مسألة ضبابية رغم خطورتها وتداعياتها الحاضرة والمستقبلية.
صحيح أن رئيس الجمهورية أعلن أكثر من مرة أن تونس ليست حارسا للحدود وأن أراضيها ليست للتوطين، غير أنّ هذا الموقف الرسمي الحاسم لم يوقف تدفّق المهاجرين غير النظاميين، كما أن برامج العودة الطوعية لم تحقّق النتائج المرجوّة، ليبقى الملف مفتوحا على الجدل والتأويل والتوظيف.
ولأن هذا الملف الثّقيل ما يزال محاطا بالغموض، فإن حسمه يظل رهين وضوح الرؤية الرّسمية، خاصة من قبل وزارة الشؤون الخارجية، عبر تقديم معطيات دقيقة للرأي العام، بما يحدّ من التخمينات والتأويلات ، أيا كانت طبيعة الحقيقة.
وإن كانت تونس بعد الثورة قد انخرطت في اتفاقيات هجرة مع شركاء أوروبيين، فإن هذه الاتفاقيات تظل قابلة للمراجعة بما يخدم المصلحة الوطنية، وينهي الاتهامات الموجّهة إليها بالعنصرية أو بازدواجية الخطاب.
إن الأمر يتعلّق بالأمن الاجتماعي، ولا يمكن معالجته بالصّمت أو الجدل العقيم أو تبادل الاتهامات. فتركه في دائرة الغموض أشبه بقنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة وبأي شكل. والحلّ يمرّ حتما عبر مصارحة الرأي العام، داخليا وخارجيا، بالحقيقة كاملة دون مواربة.
وحيدة المي