مع الشروق : الرايات تُنكَّس في الملاعب أيضًا
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/16
دون أدنى شك، فإنّ الهزيمة جزء من منطق الرياضة، ولا يوجد فريق في العالم محصّن ضد السقوط. لكن بعض الهزائم تتجاوز حدود النتيجة لتتحوّل إلى حدث نفسي وجماعي يترك أثره في الشارع، ويُحدث صدمة موجعة تتجاوز جماهير الكرة إلى عموم الناس، فتغدو حديث المقاهي والمنابر الإعلامية، بل تطال المواطن في عمق انتمائه إلى وطنه وفي صورة هذا الوطن في نظر الآخرين.
فالهزيمة الثقيلة التي مُني بها المنتخب التونسي في لقائه مع السويد لم تُوجع الجماهير بسبب عدد الأهداف فقط، وقد انتهت المباراة بخمسة أهداف مقابل هدف واحد، بل لأنّها اصطدمت بحجم الآمال التي سبقتها، فجاءت الخيبة كبيرة وغير متوقعة لفريق صنع قبل نحو نصف قرن أحد أبرز إنجازاته في كأس العالم.
فسقف الأحلام والانتظارات يرتفع كلما كانت المشاركة على المستوى العالمي، لأنّها تحمل معها آمال تونس وشعبها. ويعلّق الجميع آمالهم على المنتخب لتجاوز مجرد الانتصار الرياضي إلى إثبات الوجود، ورفع العلم الوطني عاليًا بين كبار الدّول، وصناعة فرحة مشتركة وسط ما يثقل الحياة اليومية من هموم وأزمات وضغوط كثيرة.
من هنا كان وقع الخيبة كبيرًا، وكانت الهزيمة مزلزلة، لأنّ التونسي يرى في منتخبه صورة مصغّرة عن الوطن. وعندما يفشل في تمثيل تونس على الوجه المأمول أمام المنافسين، يشعر كثيرون بأنّ صورتها قد اهتزّت، وأنّ تاريخها الرياضي وإنجازاتها السابقة قد انهارت بل لا جدوى منها ، وهو ما يمسّ الكبرياء الجماعي للتونسيين ويزرع، بدل الشعور بالفخر، إحساسًا بالخذلان والإهانة.
ثم إنّ المنتخب الوطني في البطولات العالمية الكبرى ليس مجرد فريق كرة قدم، بل هو ممثل شعب ودولة، يحمل ألوان البلاد وعلمها ونشيدها، ويخوض المنافسة باسم ملايين التونسيين الذين يرون فيه سفيرًا لهم بين الأمم. لذلك فإنّ الهزيمة تتجاوز الأهداف والنتائج إلى ما هو أعمق، أي إلى الشعور بالانتماء والاعتزاز الجماعي.
وهذا ما يجعل الانتصار، لو تحقق، مناسبة لمزيد ترسيخ الراية الوطنية في وجدان التونسي، فيشعر، ولو للحظات، بأنّ بلده حاضر ومسموع ومرئي على الساحة العالمية، وأنّ النجاح الذي يحققه المنتخب هو نجاح جماعي يتقاسمه الجميع، بغض النظر عن اختلافاتهم الاجتماعية والسياسية والفكرية والإيديولوجية. فالانتصار الذي حُرمنا منه كان من المنتظر أن يصنع فرصة نادرة توحّد الجميع خلف اسم واحد وصوت واحد وحلم واحد، وأن يخلق لحظات فرح استثنائية.
وكان حجم الخيبة أكبر لأنّ الكرة التي تفرّق جماهير الداخل كثيرًا ما توحّدهم خارج الحدود. كما أنّها تخلق متنفسًا جماعيًا وسط ضغوط الحياة اليومية، وتمنح الجميع فسحة أمل في عالم مثقل بالأخبار القاتمة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والحروب والصراعات. لذلك يصبح الانتصار الرياضي نقطة ضوء قادرة على إشاعة البهجة، واستعادة الثقة، وصناعة لحظة من التفاؤل المشترك.
ومن هنا يمكن فهم حجم الخيبة التي خلّفتها الهزيمة الثقيلة للمنتخب التونسي، كما يمكن فهم غضب التونسيين الذين علّقوا على هذه المباراة آمال الفوز أو حتى التعادل، بحثًا عن لحظة اعتزاز وطني وانتصار رمزي يجعل تونس حاضرة بقوة في أكبر محفل كروي عالمي ويكون تشريفا لها ولشعبها.
إنّها مرَارة ونتيجة قاسية ومُهينة. فالمنتخب الوطني يُعدّ أحد الوجوه التي تقدّم بها الدولة نفسها إلى العالم، واللاعبون لا يمثّلون أنفسهم فقط، وكان من المفروض أن يتحركوا حاملين اسم تونس ورمزيتها وسيادتها وتكون مراهنتهم على الفوز عالية.
لكن ، وقد حدث الآن ما حدث، ونحن ننتظر الأسوأ في المقابلات القادمة، يفترض الحفر في أسباب هذه النتيجة الهزيلة ، وعلى المسؤولين والقائمين والمسيّرين وجميع الأطراف المعنية البحث في العوامل العميقة التي جعلت ثقافة النجاح والانتصار لدى اللاعبين قائمة على الشعارات والتمنيات والاستهتار واللامبالاة، بدل التحدي والمراهنة على التميّز مهما كان الخصم قويًا وعتيًّا، لأنّ الرايات تُنكَّس في الملاعب أيضًا.
وحيدة المي
دون أدنى شك، فإنّ الهزيمة جزء من منطق الرياضة، ولا يوجد فريق في العالم محصّن ضد السقوط. لكن بعض الهزائم تتجاوز حدود النتيجة لتتحوّل إلى حدث نفسي وجماعي يترك أثره في الشارع، ويُحدث صدمة موجعة تتجاوز جماهير الكرة إلى عموم الناس، فتغدو حديث المقاهي والمنابر الإعلامية، بل تطال المواطن في عمق انتمائه إلى وطنه وفي صورة هذا الوطن في نظر الآخرين.
فالهزيمة الثقيلة التي مُني بها المنتخب التونسي في لقائه مع السويد لم تُوجع الجماهير بسبب عدد الأهداف فقط، وقد انتهت المباراة بخمسة أهداف مقابل هدف واحد، بل لأنّها اصطدمت بحجم الآمال التي سبقتها، فجاءت الخيبة كبيرة وغير متوقعة لفريق صنع قبل نحو نصف قرن أحد أبرز إنجازاته في كأس العالم.
فسقف الأحلام والانتظارات يرتفع كلما كانت المشاركة على المستوى العالمي، لأنّها تحمل معها آمال تونس وشعبها. ويعلّق الجميع آمالهم على المنتخب لتجاوز مجرد الانتصار الرياضي إلى إثبات الوجود، ورفع العلم الوطني عاليًا بين كبار الدّول، وصناعة فرحة مشتركة وسط ما يثقل الحياة اليومية من هموم وأزمات وضغوط كثيرة.
من هنا كان وقع الخيبة كبيرًا، وكانت الهزيمة مزلزلة، لأنّ التونسي يرى في منتخبه صورة مصغّرة عن الوطن. وعندما يفشل في تمثيل تونس على الوجه المأمول أمام المنافسين، يشعر كثيرون بأنّ صورتها قد اهتزّت، وأنّ تاريخها الرياضي وإنجازاتها السابقة قد انهارت بل لا جدوى منها ، وهو ما يمسّ الكبرياء الجماعي للتونسيين ويزرع، بدل الشعور بالفخر، إحساسًا بالخذلان والإهانة.
ثم إنّ المنتخب الوطني في البطولات العالمية الكبرى ليس مجرد فريق كرة قدم، بل هو ممثل شعب ودولة، يحمل ألوان البلاد وعلمها ونشيدها، ويخوض المنافسة باسم ملايين التونسيين الذين يرون فيه سفيرًا لهم بين الأمم. لذلك فإنّ الهزيمة تتجاوز الأهداف والنتائج إلى ما هو أعمق، أي إلى الشعور بالانتماء والاعتزاز الجماعي.
وهذا ما يجعل الانتصار، لو تحقق، مناسبة لمزيد ترسيخ الراية الوطنية في وجدان التونسي، فيشعر، ولو للحظات، بأنّ بلده حاضر ومسموع ومرئي على الساحة العالمية، وأنّ النجاح الذي يحققه المنتخب هو نجاح جماعي يتقاسمه الجميع، بغض النظر عن اختلافاتهم الاجتماعية والسياسية والفكرية والإيديولوجية. فالانتصار الذي حُرمنا منه كان من المنتظر أن يصنع فرصة نادرة توحّد الجميع خلف اسم واحد وصوت واحد وحلم واحد، وأن يخلق لحظات فرح استثنائية.
وكان حجم الخيبة أكبر لأنّ الكرة التي تفرّق جماهير الداخل كثيرًا ما توحّدهم خارج الحدود. كما أنّها تخلق متنفسًا جماعيًا وسط ضغوط الحياة اليومية، وتمنح الجميع فسحة أمل في عالم مثقل بالأخبار القاتمة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والحروب والصراعات. لذلك يصبح الانتصار الرياضي نقطة ضوء قادرة على إشاعة البهجة، واستعادة الثقة، وصناعة لحظة من التفاؤل المشترك.
ومن هنا يمكن فهم حجم الخيبة التي خلّفتها الهزيمة الثقيلة للمنتخب التونسي، كما يمكن فهم غضب التونسيين الذين علّقوا على هذه المباراة آمال الفوز أو حتى التعادل، بحثًا عن لحظة اعتزاز وطني وانتصار رمزي يجعل تونس حاضرة بقوة في أكبر محفل كروي عالمي ويكون تشريفا لها ولشعبها.
إنّها مرَارة ونتيجة قاسية ومُهينة. فالمنتخب الوطني يُعدّ أحد الوجوه التي تقدّم بها الدولة نفسها إلى العالم، واللاعبون لا يمثّلون أنفسهم فقط، وكان من المفروض أن يتحركوا حاملين اسم تونس ورمزيتها وسيادتها وتكون مراهنتهم على الفوز عالية.
لكن ، وقد حدث الآن ما حدث، ونحن ننتظر الأسوأ في المقابلات القادمة، يفترض الحفر في أسباب هذه النتيجة الهزيلة ، وعلى المسؤولين والقائمين والمسيّرين وجميع الأطراف المعنية البحث في العوامل العميقة التي جعلت ثقافة النجاح والانتصار لدى اللاعبين قائمة على الشعارات والتمنيات والاستهتار واللامبالاة، بدل التحدي والمراهنة على التميّز مهما كان الخصم قويًا وعتيًّا، لأنّ الرايات تُنكَّس في الملاعب أيضًا.
وحيدة المي