مع الشروق : إيران... ولعبة الدومينو

مع الشروق : إيران... ولعبة الدومينو

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/02/26

لم يعد الحديث عن تحشيد عسكري أمريكي في الشرق الأوسط مجرد تحليل عابر، بل أصبح واقعا ميدانيا يترافق مع خطاب سياسي متصاعد ضد إيران، فحاملات الطائرات، والتوصيات إلى الرعايا بالمغادرة ورسائل الردع المتبادلة، تجعل المشهد يبدو وكأنه تمهيد لضربة محتملة، لكن اختزال المسألة في مواجهة أمريكية–إيرانية فقط يُغفل ما هو أعمق وأخطر.
فالقضية، في جوهرها، ليست مجرد صراع نفوذ بين واشنطن وطهران، ولا مجرد خلاف حول برنامج نووي، فهي حلقة ضمن مسار طويل من إعادة تشكيل المنطقة، مسار لم يتوقف منذ غزو العراق عام 2003، مرورا بما عرف بـ"الفوضى الخلاقة"، وصولا إلى موجات التفكك والصراعات الداخلية التي ضربت أكثر من دولة عربية، فالتقارير الصادرة عن مراكز أبحاث أمريكية وغربية، ناقشت منذ سنوات سيناريوهات إعادة هندسة الشرق الأوسط على أسس جديدة، بما يخدم توازنات القوة والمصالح الاستراتيجية للقوى الاستعمارية.
وفي قلب هذه التوازنات يقف الكيان الغاصب، الذي لم يُخفِ يوما اعتباره إيران تهديدا استراتيجيا أول، فحكومة نتنياهو الفاشية تسعى إلى ممارسة ضغط متواصل على إدارة ترامب لضرب إيران والإطاحة بالنظام فيه، خاصة وأنه يعتبر المواجهة مع إيران فصلا في معركة أوسع تتعلق بترتيب الإقليم بما يضمن تفوقا إسرائيليا مطلقا سياسيا وأمنيا واقتصاديا.
وهنا يبرز الحديث عن خطورة المشروع الاستيطاني الاستعماري" مشروع إسرائيل الكبرى"، باعتباره مسارا توسعيا واضحا في فلسطين المحتلة، وتكريس أمر واقع عبر الاستيطان وتهويد القدس، ومن ثم المرور إلى ابتلاع الدول العربية جميعها مستفيدة من انقسام عربي غير مسبوق. 
فإذا كانت إيران اليوم في مرمى الحرب، فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه العرب على أنفسهم هو: ماذا بعد؟ هل ستتوقف إعادة رسم الخرائط عند حدود طهران؟ 
ولا شكّ أن التجربة الحديثة في المنطقة تشي بالعكس، فالعراق كان الهدف، ثم تفككت ساحته، وسوريا غرقت في حرب مدمرة، أما ليبيا واليمن فقد دخلتا دوامة صراع طويل، وفي كل مرة كان العنوان مختلفا، لكن النتيجة واحدة تتمثل في دول عربية أضعف، مجتمعات منهكة، وتوازنات تميل أكثر نحو الطرف الأقوى.
إن أي ضربة واسعة لإيران لن تبقى محصورة جغرافيا، فمضيق هرمز، أسواق النفط، الممرات البحرية، القواعد العسكرية المنتشرة في الخليج، كلها ستتحول إلى نقاط اشتعال محتملة، والاقتصادات العربية، المرتبطة عضويا بالطاقة والتجارة الدولية، ستكون أول المتضررين، بل إن الفراغ الذي قد ينجم عن إضعاف دولة إقليمية بحجم إيران قد يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات وإعادة توزيع النفوذ على حساب العواصم العربية.
فالمسألة إذن ليست دفاعا عن إيران بقدر ما هي دفاع عن فكرة الدولة الوطنية العربية نفسها، إذ حين تُستهدف دولة في الإقليم تحت عنوان كبح نفوذها، دون وجود موقف عربي موحد يحدد خطوطا حمراء، فإن الرسالة تصبح واضحة ومفادها أن من يملك القوة يفرض الشروط، ومن يتفرق يُستضعف تباعا.
ويعلمنا التاريخ الحديث أن الانقسام هو الثغرة الأكبر، فبعد عام 1967 أدرك العرب، ولو متأخرين، أن غياب التنسيق كلفهم الكثير، واليوم، في ظل اصطفافات متباينة وتطبيع متسارع وانشغال كل دولة بأزماتها الداخلية، تبدو الجبهة العربية أكثر هشاشة من أي وقت مضى، حيث يمنح هذا الواقع اعداء الأمة هامشا أوسع لفرض مشاريعهم.
إن توحيد الصف العربي يتطلّب بناء موقف سياسي ودبلوماسي مشترك يرفض تحويل المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات، بما يعني إعادة الاعتبار لمفهوم الأمن القومي العربي، وتفعيل مؤسسات العمل المشترك، وفتح قنوات حوار إقليمي تقلّص احتمالات الانفجار الكبير.
فقد تبدو التحركات العسكرية اليوم موجهة نحو إيران، لكن من يقرأ خرائط المصالح يدرك أن المنطقة بأسرها على المحك، وإذا لم يدرك العرب أن المعركة تتجاوز عنوانها الآني، وأن تفكيك حلقة سيجر وراءه حلقات أخرى، فإن الدور قد يأتي تباعا على الجميع، ففي زمن المشاريع الكبرى، لا يحمي الدول إلا وعيها بوحدتها، وإدراكها أن مصيرها مترابط أكثر مما تظن.
هاشم بوعزيز
 

تعليقات الفيسبوك