مع الشروق : إيران...من العدوان إلى إحباط مخطّطات الهيمنة
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/18
عندما تمّ الإعلان، مساء الاثنين الماضي، عن التوصل إلى مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء الحرب الدائرة منذ مطلع العام بمختلف ردهاتها وهدنها الهشة، لم يكن المشهد مجرد توقيع على هدنة عابرة، بل كان إعلانا عن تغيّر جوهري في موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط، فبعد أشهر من القصف المتبادل، وحصار بحري خانق فُرض على الموانئ الإيرانية، خرجت طهران من رمادها وهي تتحدث بلغة المنتصر، لا لغة الطرف الذي يبحث عن مخرج آمن.
الوقائع وحدها تكفي لرسم الصورة، فالحرب التي بدأت بمفاوضات نووية متعثرة في مسقط أوائل العام، تحوّلت بعد أسابيع قليلة إلى مواجهة مباشرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، غير أن الرد الإيراني، الذي وصفه محللون أميركيون بأنه غير مسبوق منذ عقود في قدرته وجرأته، حوّل المعادلة برمّتها، حيث لم تعد إيران تكتفي بالرد المتناسب الذي اعتادت عليه، بل ذهبت إلى اختبار تماسك التحالف الأميركي الإسرائيلي نفسه، مستغلة شقوقا بدأت تظهر بين واشنطن وتل أبيب حول كيفية إنهاء الحرب.
النتيجة التي تكشّفت تباعا في بنود مذكرة التفاهم تحمل دلالات لا تخفى على متابع، فإيران لم توقّع على استسلام، بل فاوضت على رفع الحصار البحري، وإعادة فتح مضيق هرمز تدريجيا بشروط تحفظ سيادتها على الممر، والحصول على تعويضات عن أضرار الحرب، وإطلاق مسار تفاوضي مدته ستون يوما لمناقشة العقوبات وملفها النووي، وكأنها صاحبة الكلمة الفصل في مصير ترسانتها لا الطرف الخاضع لإنذار، بل حتى الإفراج التدريجي عن أصولها المجمدة جاء بضمانات تحفظ لها زمام المبادرة في المرحلة المقبلة.
ولا شكّ أن الأهم من التفاصيل التقنية للاتفاق هو الرسالة الإقليمية التي بثّتها طهران، كدولة في الشرق الأوسط امتلكت، للمرة الأولى منذ عقود، الوسائل والإرادة لمواجهة المنظومة العسكرية الصهيونية مباشرة دون أن تتفكك، وأن تخرج من حرب فُرضت عليها وهي تفاوض من موقع الند لا التابع.
هذه السردية، أكثر من أي بند في الاتفاق، هي ما يعيد تشكيل خريطة التحالفات من بيروت إلى بغداد ومن صنعاء إلى غزّة، حيث ينظر حلفاء طهران الإقليميون إلى الاتفاق بصفته دليلا عمليا على أن محور المقاومة لم ينهَر تحت الضربات، بل أعاد ترتيب أوراقه.
وهنا يكمن المأزق الحقيقي بالنسبة للكيان الغاصب، فالمشروع الصهيوني الذي راهن على هذه الحرب لإعادة رسم حدود الهيمنة الإقليمية، من إخراج إيران نهائيا من المعادلتين اللبنانية والسورية إلى تفكيك قدراتها الصاروخية والنووية، اصطدم بإيران لم تخرج من الحرب منكسرة، بل خرجت وهي تفرض إدراج الجبهة اللبنانية ضمن أي تسوية شاملة، رغم اعتراض مجرم الحرب نتنياهو العلني على ذلك في وقف إطلاق النار الأول، فحين تنجح إيران في فرض هذا البند على طاولة التفاوض، فإنها تقول للجميع في المنطقة إن الحدود التي كانت تل أبيب تخطط لرسمها بقوة السلاح، عادت اليوم إلى طاولة السياسة، حيث لطهران كلمة لا يمكن تجاوزها.
من الثابت، أن الطريق إلى التوقيع النهائي في جنيف، ومن بعده ستون يوما من مفاوضات حول الملف النووي والعقوبات، يحملان ما يكفي لترسيخ هذا المكسب وتثبيته، فالمؤكد أن إيران، التي دخلت هذه الحرب محاصرة دبلوماسيا واقتصاديا، تخرج منها وقد أعادت تموضعها كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مقبلة للشرق الأوسط، وهذا وحده يكفي لتأجيل، إن لم يكن لإحباط، كل مشروع يراهن على غياب طهران عن طاولة القرار.
هاشم بوعزيز
عندما تمّ الإعلان، مساء الاثنين الماضي، عن التوصل إلى مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء الحرب الدائرة منذ مطلع العام بمختلف ردهاتها وهدنها الهشة، لم يكن المشهد مجرد توقيع على هدنة عابرة، بل كان إعلانا عن تغيّر جوهري في موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط، فبعد أشهر من القصف المتبادل، وحصار بحري خانق فُرض على الموانئ الإيرانية، خرجت طهران من رمادها وهي تتحدث بلغة المنتصر، لا لغة الطرف الذي يبحث عن مخرج آمن.
الوقائع وحدها تكفي لرسم الصورة، فالحرب التي بدأت بمفاوضات نووية متعثرة في مسقط أوائل العام، تحوّلت بعد أسابيع قليلة إلى مواجهة مباشرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، غير أن الرد الإيراني، الذي وصفه محللون أميركيون بأنه غير مسبوق منذ عقود في قدرته وجرأته، حوّل المعادلة برمّتها، حيث لم تعد إيران تكتفي بالرد المتناسب الذي اعتادت عليه، بل ذهبت إلى اختبار تماسك التحالف الأميركي الإسرائيلي نفسه، مستغلة شقوقا بدأت تظهر بين واشنطن وتل أبيب حول كيفية إنهاء الحرب.
النتيجة التي تكشّفت تباعا في بنود مذكرة التفاهم تحمل دلالات لا تخفى على متابع، فإيران لم توقّع على استسلام، بل فاوضت على رفع الحصار البحري، وإعادة فتح مضيق هرمز تدريجيا بشروط تحفظ سيادتها على الممر، والحصول على تعويضات عن أضرار الحرب، وإطلاق مسار تفاوضي مدته ستون يوما لمناقشة العقوبات وملفها النووي، وكأنها صاحبة الكلمة الفصل في مصير ترسانتها لا الطرف الخاضع لإنذار، بل حتى الإفراج التدريجي عن أصولها المجمدة جاء بضمانات تحفظ لها زمام المبادرة في المرحلة المقبلة.
ولا شكّ أن الأهم من التفاصيل التقنية للاتفاق هو الرسالة الإقليمية التي بثّتها طهران، كدولة في الشرق الأوسط امتلكت، للمرة الأولى منذ عقود، الوسائل والإرادة لمواجهة المنظومة العسكرية الصهيونية مباشرة دون أن تتفكك، وأن تخرج من حرب فُرضت عليها وهي تفاوض من موقع الند لا التابع.
هذه السردية، أكثر من أي بند في الاتفاق، هي ما يعيد تشكيل خريطة التحالفات من بيروت إلى بغداد ومن صنعاء إلى غزّة، حيث ينظر حلفاء طهران الإقليميون إلى الاتفاق بصفته دليلا عمليا على أن محور المقاومة لم ينهَر تحت الضربات، بل أعاد ترتيب أوراقه.
وهنا يكمن المأزق الحقيقي بالنسبة للكيان الغاصب، فالمشروع الصهيوني الذي راهن على هذه الحرب لإعادة رسم حدود الهيمنة الإقليمية، من إخراج إيران نهائيا من المعادلتين اللبنانية والسورية إلى تفكيك قدراتها الصاروخية والنووية، اصطدم بإيران لم تخرج من الحرب منكسرة، بل خرجت وهي تفرض إدراج الجبهة اللبنانية ضمن أي تسوية شاملة، رغم اعتراض مجرم الحرب نتنياهو العلني على ذلك في وقف إطلاق النار الأول، فحين تنجح إيران في فرض هذا البند على طاولة التفاوض، فإنها تقول للجميع في المنطقة إن الحدود التي كانت تل أبيب تخطط لرسمها بقوة السلاح، عادت اليوم إلى طاولة السياسة، حيث لطهران كلمة لا يمكن تجاوزها.
من الثابت، أن الطريق إلى التوقيع النهائي في جنيف، ومن بعده ستون يوما من مفاوضات حول الملف النووي والعقوبات، يحملان ما يكفي لترسيخ هذا المكسب وتثبيته، فالمؤكد أن إيران، التي دخلت هذه الحرب محاصرة دبلوماسيا واقتصاديا، تخرج منها وقد أعادت تموضعها كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مقبلة للشرق الأوسط، وهذا وحده يكفي لتأجيل، إن لم يكن لإحباط، كل مشروع يراهن على غياب طهران عن طاولة القرار.
هاشم بوعزيز