عرض "انا زي الفل.. مالي؟».. طه دسوقي يراهن على الضحك ويترك المسرح بلا أسئلة

عرض "انا زي الفل.. مالي؟».. طه دسوقي يراهن على الضحك ويترك المسرح بلا أسئلة

تاريخ النشر : 09:43 - 2026/11/06

لئن اختار الممثل المصري طه دسوقي استغلال الحكايات الشخصية في عرضه "انا زي الفل ..مالي؟" طريقا إلى الجمهور، الا انه ظل أسير الإضحاك المباشر، دون أن ينجح في تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى تجربة فنية أعمق.

حيث لم يكن الجمهور الذي واكب عرض «أنا زي الفل.. مالي؟» على ركح المسرح البلدي بالعاصمة، مساء الخميس 5 نوفمبر، في حاجة إلى كثير من المقدمات حتى يدخل عالم الكوميديا الذي اختاره الممثل لنفسه. فمنذ اللحظات الأولى، بدا واضحا أن العرض يقوم على رهان أساسي هو الإضحاك، من خلال استعادة مجموعة من المواقف الشخصية التي عاشها دسوقي منذ طفولته، وصولا إلى تفاصيل حياته الزوجية، في سرد يتخذ من جلسة مع طبيب نفسي إطارا تتوالى من خلاله الحكايات والمواقف الساخرة.

ويبدو هذا الاختيار، في ظاهره، مناسبا لفن الستاند أب كوميدي الذي يقوم أساسا على العلاقة المباشرة بين الممثل والجمهور، وعلى تحويل التجارب الشخصية إلى مادة للضحك. كما أن دسوقي لا يخفي أن عودته إلى هذا الفن جاءت بعد سنوات من التأجيل والخوف والتردد، إذ تحدث في حوار إعلامي عن تأخره 13 سنة في تقديم عرضه المنفرد، معتبرا أن الستاند أب تمثل بالنسبة إليه مساحة من الحرية والتعبير بعيدا عن القيود التي تفرضها الأدوار الدرامية.

غير أن الرهان على الحكاية الشخصية لا يكفي وحده لصناعة عرض متماسك، وهو ما بدا أحد أبرز حدود تجربة «أنا زي الفل.. مالي؟». فالمواقف التي يستعيدها دسوقي، على اختلاف مراحلها، تظل في معظمها قصصا غايتها الأساسية انتزاع الضحك، دون أن تتطور إلى قراءة ساخرة لتفاصيل الحياة أو إلى مساءلة بعض السلوكيات والظواهر الاجتماعية. ولا يتعلق الأمر بضرورة أن يحمل كل عرض كوميدي خطابا نقديا أو موقفا اجتماعيا، بقدر ما يتعلق بمدى قدرة الفنان على منح الحكايات التي يرويها قيمة تتجاوز لحظة الضحك العابرة.

كما يترك العرض أسئلة مفتوحة بشأن الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال في هذه المواقف، ومدى اشتغال الفنان على إعادة صياغة تجاربه الشخصية دراميا. فالمتفرج يستمع إلى سلسلة من الحكايات، لكنه لا يجد دائما ما يكشف عن طبيعة البناء الفني الذي يحول التجربة الخاصة إلى مادة كوميدية ذات خصوصية.
والأكثر إثارة للانتباه أن دسوقي، الذي عرفه الجمهور العربي من خلال أدواره في الدراما والسينما المصرية، حرص منذ اللحظات الأولى لصعوده على ركح المسرح البلدي على تنبيه الجمهور إلى أنه ليس أيا من الشخصيات التي جسّدها في أعماله الدرامية، في إشارة بدت بمثابة إعلان عن رغبته في التحرر من الصور التلفزيونية التي التصقت به وتقديم نفسه من زاوية فنية مختلفة. وكانت هذه البداية موفقة من حيث المبدأ، إذ توحي بأن الممثل بصدد خوض تجربة ركحية مستقلة عن أدواره السابقة، غير أن هذا التوجه لم يجد امتداده الكافي في الأداء، إذ لم يقدم دسوقي على الركح ما يكشف بالقدر المنتظر عن قدراته التمثيلية التي جعلته يلفت الانتباه في أعماله التلفزيونية. فقد بدا في أجزاء واسعة من العرض أقرب إلى مؤدٍّ يستعيد مواقف ويروي قصصا، دون توظيف كبير لامكانياته التمثيلية أو تركيبة الشخصيات داخل الحكايات. وهو ما يطرح مفارقة بين الممثل الذي أظهر قدرة على الاشتغال على الشخصيات أمام الكاميرا، والكوميدي الذي اختار هنا الاكتفاء إلى حد بعيد بقوة السرد والحضور المباشر.
أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار دسوقي الحد الأدنى من العناصر الركحية، مكتفيا بكرسي خشبي وكوفية فلسطينية وخلفية سوداء تحتوي صورة، دون موسيقى أو مؤثرات بصرية، في عرض بدا جافا من الناحية البصرية والسمعية. ولا يمثل غياب هذه العناصر في حد ذاته نقصا في فن الستاند أب، بل يمكن أن يكون اختيارا جماليا واعيا يمنح الكلمة والحضور الجسدي مركز الصدارة، غير أن هذا التجريد يحتاج بدوره إلى تنويع في الإيقاع والأداء والحركة حتى لا يتحول إلى رتابة بصرية.

وتحضر الكوفية الفلسطينية بدورها كعنصر لافت فوق الركح، غير أن استعمالها لم يجد توضيحا فنيا أو رمزيا ضمن سياق العرض، إذ اكتفى دسوقي، في حديثه مع «الشروق»، بالتعبير عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني والدعاء له بالنصر والخلاص. وهو موقف إنساني مفهوم، لكن حضور الرمز على الركح يظل محتاجا إلى سياق يمنحه دلالة تتجاوز مجرد وجوده ضمن الفضاء المسرحي.

ولعل المفارقة أن طه دسوقي تحدث في حوار سابق مع مجلة «GQ Middle East» عن نظرته إلى الكوميديا باعتبارها أكثر من مجرد وسيلة للإضحاك، وعن قدرتها على مساعدة الإنسان على فهم مشكلاته والتصالح معها، بل وصف الكوميدي بأنه أشبه بالفيلسوف الذي يعبر عن وجهة نظره في الحياة. كما تحدث عن أهمية الاشتغال على الشخصيات وتوظيف الجسد والصوت في تقديم الحكايات. وهي أفكار تفتح أمام تجربته في الستاند أب إمكانات أوسع مما أتاحه العرض في نسخته التي قدمها بتونس.
ولم يقتصر هذا الاكتفاء على حدود العرض فوق الركح، بل امتد أيضا إلى اللقاء الإعلامي الذي جمع طه دسوقي بالصحافيين، إذ لم يكن الفنان كريما في إجاباته، واختار في أغلب الأحيان الردود المقتضبة والقصيرة، دون الخوض في تفاصيل تجربته أو تقديم توضيحات كافية بشأن خلفيات اختياره لموضوع العرض، أو الدوافع التي قادته إلى استعادة مواقف من طفولته وحياته الشخصية وصولا إلى تجربته الزوجية. وهو ما حرم الصحافيين من فرصة أوسع لفهم تصوره لهذا العمل ورهاناته الفنية، خاصة أن العرض نفسه لم يقدم إجابات واضحة بشأن المسافة بين الوقائع الحقيقية والعناصر المتخيلة في الحكايات التي رواها. وبين اختصار الإجابات ومحدودية المعطيات التي قدمها، ظل جانب من تجربة دسوقي محاطا بالغموض، في وقت كان فيه الحوار الإعلامي فرصة لتقديم مفاتيح إضافية لفهم اختياراته الفنية.

في المحصلة، نجح «أنا زي الفل.. مالي؟» في تقديم أمسية كوميدية تقوم على التواصل المباشر مع الجمهور واستثمار المواقف الشخصية، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء تجربة ركحية متعددة المستويات. فالضحك كان حاضرا بوصفه الغاية والوسيلة، بينما غابت الرؤية التي تمنح الحكايات امتدادا فنيا، وظل الركح فضاء لسرد الذكريات أكثر منه مساحة لاكتشاف طاقات ممثل يمتلك تجربة درامية كان يمكن أن تثري حضوره في هذا اللون الفني.

إن طه دسوقي يملك أدوات كوميدية وحضورا جماهيريا لا يمكن إنكارهما، لكن السؤال الذي يتركه العرض بعد إسدال الستار ليس ما إذا كان قادرا على إضحاك الجمهور، بل ما إذا كان قادرا على تقديم ما هو أبعد من ذلك. فبين أن يروي الفنان حياته على الركح وأن يحولها إلى عمل فني متكامل، مسافة لا يصنعها الضحك وحده.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

انعقدت آخر الأسبوع المنقضي بالمركب الثقافي بسوسة المسابقة الجهوية للفنون التشكيلية بإشراف جليلة ا
07:00 - 2026/11/06
من مشاهير إلى مواطنين عاديين، الجميع أصبح يلهث وراء المشاهدات  والربح السريع عبر «تيك توك» هوس  ا
07:00 - 2026/11/06
مثّل اللقاء الذي جمع الفنان والمخرج المسرحي توفيق الجبالي، مساء الأربعاء بمكتبة البشير سلامة بقاع
13:55 - 2026/11/05
لي ماتبقى من العمر أمنحه للوردة التي منحتني ظلها أروي لها آخر الدنيا
07:00 - 2026/11/05
      د.جمال عبد الدين المرزوقي جامعة ابن طفيل، القنيطرة، المغرب
07:00 - 2026/11/05
ــ 1 ــ
07:00 - 2026/11/05
يا حارس المنفى أنا من هجر  القبيلة و المراثي غير منجرف بموروث وتراث
07:00 - 2026/11/05