مع الشروق : تداعيات عالمية منتظرة .. واستعدادات وطنية مطلوبة..

مع الشروق : تداعيات عالمية منتظرة .. واستعدادات وطنية مطلوبة..

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/11/06

 لا يمكن ان تنتهي التطورات والتقلبات الحالية التي يعيش على وقعها العالم دون ان تخلف وراءها ارتدادات متنوعة لن تستثني أحدا ولن تقتصر فقط على المناطق التي تدور فيها الصراعات او الدول التي تعيش على وقع تغيرات.  فهي ستشمل كل الدول دون استثناء وستكون  مباشرة وغير مباشرة، كما ستتنوع بين كل المجالات، من الاقتصادي والاجتماعي والمالي الى الجيوسياسي والأمني ..
ومن الطبيعي ان تكون تونس من ضمن الدول المعنية بآثار ومخلفات هذه التطورات بالنظر الى ارتباطاتها الدولية على مختلف الأصعدة.. وبقطع النظر عن المجال الديبلوماسي التقليدي الذي من المُرجّح ان تواصل فيه بلادنا التمسك بتقاليدها المعروفة القائمة على التوازن و عدم الانحياز والاعتدال وعدم الدخول في الاحلاف والصراعات، إلا ان بقية المجالات ستشملها تداعيات هذه التقلبات والتطورات ..
هذا الواقع المتغير اصبح يفرض على بلادنا اليوم استعدادات جديدة ونظرة متجددة لما يحدث وسيحدث في العالم. ويتأكد ذلك خاصة على الصعيد الاقتصادي بمختلف قطاعاته، وعلى الصعيدين الاجتماعي والمالي وعلى كل ما يهم الامن القومي بمختلف تفرعاته. فبلادنا لها ارتباطات اقتصادية واجتماعية ومالية بعدة اطراف دولية شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ولا بد من اخذ كل ذلك بعين الاعتبار.
 لن تكون تونس في منأى عن التقلبات المنتظرة للأسعار العالمية في قطاعات الطاقة والغذاء والمواد الأولية والسلع المعيشية والتي قد تتأثر بهذه التطورات في الفترة القادمة. ولن تكون في منأى عما قد يصيب الأسواق العالمية من انكماش وتراجع الطلب وارتفاع تكاليف النقل الدولي وتراجع أسعار صادراتنا. وهذا الانكماش قد يطال أيضا قطاعي السياحة والاستثمارات الخارجية في بلادنا..
لا يوجد اليوم من خيار لبلادنا غير تقوية "جبهتنا الداخلية" اقتصاديا واجتماعيا وامنيا. ولا يمكن ان يتحقق ذلك باقتصاد ضعيف تهيمن عليه التكتلات الريعية وبمنوال تنموي لا يعطي الفرصة للشباب ولصغار المستثمرين للمشاركة فيه وتنويعه وخلق مزيد من الثروة. ولن يتحقق ذلك بإدارة "ثقيلة" وبالبيروقراطية المعطلة للتنمية وبمسؤولين اداريين يرفضون الإصلاح والتطور التكنولوجي والتجديد والانتقال ..
 ولا يمكن امتصاص ما قد يحصل من "صدمات" دولية بقطاع عام يسيطر عليه سوء التصرف وغياب الحوكمة الرشيدة في بعض المجالات التنموية الحساسة..ولا يمكن ان يحصل ذلك أيضا بقطاع خاص لا يفكر الا في الاستقواء على الدولة وفي الربح السريع والاحتكار والمضاربة في المجالات المعيشية وفي التهرب الضريبي وأيضا  في ظل تواصل الفساد وخرق القوانين في مختلف المجالات.  
لن يتحقق الصمود الداخلي بفلاحة ضعيفة غير قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء للمواطنين. فتونس لها كل القدرات لتحقيق انتاج فلاحي وفير بما في ذلك الحبوب، يغنينا عن الارتباط بالسوق العالمية ويحقق الاكتفاء الغذائي للمواطن، ولا يكفي سوى مزيد تطويره الى جانب مواصلة تثمين المنتجات الواعدة في مقدمتها زيت الزيتون والتمور والقوارص وذلك لتحقيق الصمود المالي.
 ولن يتحقق الصمود المالي بسياحة تعتمد الى اليوم على منوال قديم لم يعد يجذب السياح وبقطاع فسفاط ضعيف اصبح على مشارف التوقف بعد ان كان اول مصدر للعملة الصعبة، وبقطاع طاقي هش لا تتجاوز  فيه نسبة  الاستقلالية الطاقية 32 بالمائة فقط !.  وهو ما ينطبق أيضا على قطاعات التجارة والخدمات والصناعة التي لم تتطور بالشكل المطلوب لتخلق مزيدا من الثروة وترفع الناتج الداخلي وتحقق إضافة مالية للبلاد.
والمؤكد ان تحقيق الصمود الداخلي تجاه صدمات التقلبات العالمية المنتظرة  يتطلب وجود مؤسسات عمومية قوية تعاضد جهود الدولة تنمويا وماليا وليس مجرد "هياكل" ضعيفة تستنزف ميزانية الدولة. كما يتطلب  أيضا وضعا اجتماعيا اكثر صلابة  من خلال تعليم  متطور ومنظومة صحية تلبي الحاجيات وشباب غير فاقد للأمل وبنية تحتية صلبة ونقل عمومي متنوع وقوي وقطاع خاص شريك فعلي في التنمية وأجهزة دولة متينة وفطنة ولا تكتفي بالفرجة وباستنزاف ما تحقق سابقا من منجزات ومكاسب..
فاضل الطياشي 
 

تعليقات الفيسبوك