جو تونس 2026: «ضد التيار» يرسو في مركز B7L9 للفنون
تاريخ النشر : 14:29 - 2026/10/28
ليس البحر دائما ما تراه العين من زرقة واتساع، ولا جسرا تعبره الحكايات بين ضفتين. ففي أعماقه تيارات خفية تقاوم الاتجاه، وتحمل آثار الذين غادروا ولم يصلوا، وأصوات الذين ابتلعهم الصمت، وذاكرةً مثقلة بتاريخ الاستعمار والحدود والمنفى. من هذه المسافة بين سطح البحر وما يخفيه، يروي معرض «ضد التيار» فكرته في مركز B7L9 للفنون ببحر لازرق، فاتحا نافذة على المتوسط بوصفه فضاء تتشابك فيه الذاكرة بالسلطة، والعبور بالفقدان، والأمل بمخاطر الرحلة.
بعد عرض "جَمعة"وهو عرض فني تشاركي متعدد التخصصات للفنانة سمار حدّاد كينغ، مساء الجمعة 23 أكتوبر بقاعة الفن الرابع. وبعد افتتاح معرض «أن نصبح محيطا» ، السبت 24 أكتوبر بقشلة العطّارين، وهو معرض ينظمه بينالي الصورة المتحركة بجنيف، واصلت تظاهرة «جوّ تونس» يوم الأحد 25 أكتوبر استكشاف جغرافيات المكان وارتساماته. وكانت الوجهة هذه المرة البحر لازرق بالمرسى ، حيث احتضن مركز B7L9 للفنون افتتاح معرض «ضد التيار» الذي أشرفت على تنسيقه أماندا أبي خليل ودانيال مخلّول، ضمن المحطة التونسية لمهرجان «آرت إكسبلورا» المتنقّل.
ويتواصل المعرض إلى غاية 31 ديسمبر 2026، جامعا نحو عشرين فنانا حول مفهوم «ضد التيار»، ذلك التدفق الخفي الذي يتحرك تحت السطح، وقد يعاكس أحيانا الاتجاه الظاهر للمياه.
المتوسط... ما وراء سطح الحكايات
في معرض «ضد التيار»، يبتعد البحر الأبيض المتوسط عن صورته المألوفة بوصفه فضاء ناعما للقاء الشعوب والحضارات، ليظهر أيضا جغرافيا للغزو والاستعمار والتنقل غير المتكافئ والمنفى القسري. وتحمل مياهه آثار مسارات انقطعت، ورحلات فرضت على أصحابها، وحيوات معلّقة بين ضفتين. وإذ تحوّل إلى معبر محفوف بالمخاطر بالنسبة إلى أعداد كبيرة من المهاجرين، أصبح كذلك مقبرة مفتوحة يُخشى أن تتحول مأساتها بفعل التكرار إلى مجرد خبر آخر وسط ضجيج الأحداث اليومية.
ولا تسعى القيّمتان على المعرض إلى جمع هذه الحكايات في سردية واحدة متجانسة، بل إلى استكشاف تشعباتها ومناطقها المعتمة وتناقضاتها. ومن هذا المنطلق، يطرح المعرض أسئلة حول علاقات القوة التي تتحكم في حركة الأشخاص والأشياء والأفكار. فمن يستطيع الرحيل؟ ومن يُسمح له بالوصول؟ ومن يُستقبل، ومن يبقى على الهامش؟ هكذا، تكشف حرية التنقل عن ارتباطها الوثيق بالامتيازات والمسؤوليات.
وتبدأ الجولة بأغنية ترحيب للفنانة سيرين فتوح، بعنوان «حمد لله ع السلامة» لراغب علامة، قبل أن تقود الزائر إلى أعمال تتناول العبور والانتظار والتنقل، من بينها أعمال بوشرى خليلي وإيمان جميل، ورندة معروفي ولورينزو بيتزاني وتشارلز هيلر. أما التبادلات بين الأقارب والروابط التي تصمد أمام المسافات والغياب، فتحتل مكانة محورية في أعمال بدر الحمامي ونبيلة حليم.
وتتجه كاثرين كاتاروزا وسارة قنطار ومجد عبد الحميد إلى استكشاف أشكال اليوميات والأرشيف، باعتبارها آثارا هشة تحفظ ما قد تُسقطه الروايات التاريخية الكبرى من حساباتها. ومع أكرم الزعتري ونضال سنوكرط، يتسع النقاش ليشمل علاقات السلطة والتجارة والتبادل الثقافي في البحر الأبيض المتوسط وخارجه، فيما توجّه "لارا طبر" نظرها إلى ما يمكن للبحر نفسه أن يكشفه.
وتتعدد هذه المقاربات لتزيح زاوية النظر من مجرد تمثيل الهجرة إلى مساءلة البنى التاريخية والسياسية التي تشكّل التجارب الإنسانية وتحدد مساراتها.
من الحاوية المتنقلة إلى فضاء العرض
في المعرض، يقدّم برنامج "كنا نعرف كم كانت تلك الجزر جميلة" الذي يستعيد عنوان عمل للفنان التونسي يونس بن سليمان، سبعة أعمال فيديو تُعرض بصورة متواصلة بمشاركة فراس شحادة وهيوا ك. ومنيرة الصلح ورانيا ستيفان وسارة صادق وفالنتين نوجايم ويونس بن سليمان.
وتنسج هذه الصور مشهدا آخر للبحر الأبيض المتوسط، تتجاور فيه الأراضي والذاكرات والحكايات وتتبادل الأصداء من دون أن تذوب بالضرورة في رواية واحدة.
صُمّم المعرض في البداية داخل جناح على هيئة حاوية، رافق المتحف العائم لمهرجان «آرت إكسبلورا» المتنقل. وجال المشروع بين طنجة وأثينا وبرشلونة خلال الفترة الممتدة من 2024 إلى 2026، قبل أن يحطّ رحاله في مركز B7L9 للفنون.
ويتيح تقديم المعرض للمرة الأولى داخل فضاء عرض مؤسساتي إعادة توزيع مساره واستكشافه بطريقة مختلفة، مع الاحتفاظ بذاكرة الحاوية الأصلية وبطبيعة الجولة الموجّهة التي فرضها تصميمها. وهكذا، لا يظلّ التنقل مجرد موضوع يتناوله المشروع بل يصبح جزءا من بنيته وشكله الفني أيضا.
وقد أتاحت زيارة إرشادية رافقت خلالها القيّمتان أماندا أبي خليل ودانيال مخلّول الجمهور، التعمق في قراءة المعرض واستكشاف وجوهه المتعددة. تفتح الأعمال المشاركة مسارات للتفكير في البحر الأبيض المتوسط كمجال تتقاطع فيه الذاكرة والسلطة والهجرة والروابط الإنسانية.
ليس البحر دائما ما تراه العين من زرقة واتساع، ولا جسرا تعبره الحكايات بين ضفتين. ففي أعماقه تيارات خفية تقاوم الاتجاه، وتحمل آثار الذين غادروا ولم يصلوا، وأصوات الذين ابتلعهم الصمت، وذاكرةً مثقلة بتاريخ الاستعمار والحدود والمنفى. من هذه المسافة بين سطح البحر وما يخفيه، يروي معرض «ضد التيار» فكرته في مركز B7L9 للفنون ببحر لازرق، فاتحا نافذة على المتوسط بوصفه فضاء تتشابك فيه الذاكرة بالسلطة، والعبور بالفقدان، والأمل بمخاطر الرحلة.
بعد عرض "جَمعة"وهو عرض فني تشاركي متعدد التخصصات للفنانة سمار حدّاد كينغ، مساء الجمعة 23 أكتوبر بقاعة الفن الرابع. وبعد افتتاح معرض «أن نصبح محيطا» ، السبت 24 أكتوبر بقشلة العطّارين، وهو معرض ينظمه بينالي الصورة المتحركة بجنيف، واصلت تظاهرة «جوّ تونس» يوم الأحد 25 أكتوبر استكشاف جغرافيات المكان وارتساماته. وكانت الوجهة هذه المرة البحر لازرق بالمرسى ، حيث احتضن مركز B7L9 للفنون افتتاح معرض «ضد التيار» الذي أشرفت على تنسيقه أماندا أبي خليل ودانيال مخلّول، ضمن المحطة التونسية لمهرجان «آرت إكسبلورا» المتنقّل.
ويتواصل المعرض إلى غاية 31 ديسمبر 2026، جامعا نحو عشرين فنانا حول مفهوم «ضد التيار»، ذلك التدفق الخفي الذي يتحرك تحت السطح، وقد يعاكس أحيانا الاتجاه الظاهر للمياه.
المتوسط... ما وراء سطح الحكايات
في معرض «ضد التيار»، يبتعد البحر الأبيض المتوسط عن صورته المألوفة بوصفه فضاء ناعما للقاء الشعوب والحضارات، ليظهر أيضا جغرافيا للغزو والاستعمار والتنقل غير المتكافئ والمنفى القسري. وتحمل مياهه آثار مسارات انقطعت، ورحلات فرضت على أصحابها، وحيوات معلّقة بين ضفتين. وإذ تحوّل إلى معبر محفوف بالمخاطر بالنسبة إلى أعداد كبيرة من المهاجرين، أصبح كذلك مقبرة مفتوحة يُخشى أن تتحول مأساتها بفعل التكرار إلى مجرد خبر آخر وسط ضجيج الأحداث اليومية.
ولا تسعى القيّمتان على المعرض إلى جمع هذه الحكايات في سردية واحدة متجانسة، بل إلى استكشاف تشعباتها ومناطقها المعتمة وتناقضاتها. ومن هذا المنطلق، يطرح المعرض أسئلة حول علاقات القوة التي تتحكم في حركة الأشخاص والأشياء والأفكار. فمن يستطيع الرحيل؟ ومن يُسمح له بالوصول؟ ومن يُستقبل، ومن يبقى على الهامش؟ هكذا، تكشف حرية التنقل عن ارتباطها الوثيق بالامتيازات والمسؤوليات.
وتبدأ الجولة بأغنية ترحيب للفنانة سيرين فتوح، بعنوان «حمد لله ع السلامة» لراغب علامة، قبل أن تقود الزائر إلى أعمال تتناول العبور والانتظار والتنقل، من بينها أعمال بوشرى خليلي وإيمان جميل، ورندة معروفي ولورينزو بيتزاني وتشارلز هيلر. أما التبادلات بين الأقارب والروابط التي تصمد أمام المسافات والغياب، فتحتل مكانة محورية في أعمال بدر الحمامي ونبيلة حليم.
وتتجه كاثرين كاتاروزا وسارة قنطار ومجد عبد الحميد إلى استكشاف أشكال اليوميات والأرشيف، باعتبارها آثارا هشة تحفظ ما قد تُسقطه الروايات التاريخية الكبرى من حساباتها. ومع أكرم الزعتري ونضال سنوكرط، يتسع النقاش ليشمل علاقات السلطة والتجارة والتبادل الثقافي في البحر الأبيض المتوسط وخارجه، فيما توجّه "لارا طبر" نظرها إلى ما يمكن للبحر نفسه أن يكشفه.
وتتعدد هذه المقاربات لتزيح زاوية النظر من مجرد تمثيل الهجرة إلى مساءلة البنى التاريخية والسياسية التي تشكّل التجارب الإنسانية وتحدد مساراتها.
من الحاوية المتنقلة إلى فضاء العرض
في المعرض، يقدّم برنامج "كنا نعرف كم كانت تلك الجزر جميلة" الذي يستعيد عنوان عمل للفنان التونسي يونس بن سليمان، سبعة أعمال فيديو تُعرض بصورة متواصلة بمشاركة فراس شحادة وهيوا ك. ومنيرة الصلح ورانيا ستيفان وسارة صادق وفالنتين نوجايم ويونس بن سليمان.
وتنسج هذه الصور مشهدا آخر للبحر الأبيض المتوسط، تتجاور فيه الأراضي والذاكرات والحكايات وتتبادل الأصداء من دون أن تذوب بالضرورة في رواية واحدة.
صُمّم المعرض في البداية داخل جناح على هيئة حاوية، رافق المتحف العائم لمهرجان «آرت إكسبلورا» المتنقل. وجال المشروع بين طنجة وأثينا وبرشلونة خلال الفترة الممتدة من 2024 إلى 2026، قبل أن يحطّ رحاله في مركز B7L9 للفنون.
ويتيح تقديم المعرض للمرة الأولى داخل فضاء عرض مؤسساتي إعادة توزيع مساره واستكشافه بطريقة مختلفة، مع الاحتفاظ بذاكرة الحاوية الأصلية وبطبيعة الجولة الموجّهة التي فرضها تصميمها. وهكذا، لا يظلّ التنقل مجرد موضوع يتناوله المشروع بل يصبح جزءا من بنيته وشكله الفني أيضا.
وقد أتاحت زيارة إرشادية رافقت خلالها القيّمتان أماندا أبي خليل ودانيال مخلّول الجمهور، التعمق في قراءة المعرض واستكشاف وجوهه المتعددة. تفتح الأعمال المشاركة مسارات للتفكير في البحر الأبيض المتوسط كمجال تتقاطع فيه الذاكرة والسلطة والهجرة والروابط الإنسانية.