تكريم الفنان التشكيلي رؤوف قارة

تكريم الفنان التشكيلي رؤوف قارة

تاريخ النشر : 18:22 - 2026/10/28

​في إطار احتفاء المعرض الوطني للكتاب التونسي في دورته الخامسة بولاية نابل كضيف شرف، وبعد التكريم الذي حُظي به الشاعر صادق شرف يوم أمس الثلاثاء 27 أكتوبر، كرّم المعرض اليوم الأربعاء الفنان التشكيلي رؤوف قارة، خلال جلسة أدارتها الأستاذة وحيدة المي بقاعة صوفية القلي في مدينة الثقافة.

​وقد دُعي الأستاذ المحاضر والبروفيسور الشرفي بجامعة تونس، سامي بن عامر، لتقديم مسيرة رؤوف قارة في مداخلة بعنوان «رؤوف قارة: "غمزة عين" في عمق البصري». وأشار بن عامر إلى أن الفنان، وهو من مواليد مدينة قليبية التي صاغت وجدانه ومخيلته تحت أثر المدى الأزرق اللامتناهي ونسائم البحر وهدير أمواجه، ينتمي إلى جيل السبعينيات بمدرسة الفنون الجميلة بتونس. وقد حرص على شق مساره الخاص عبر مقاربة جمالية وتشكيلية متميزة للرسم، وتأسيس «دار قارة للفنون» الواقعة في قلب قليبية والمطلة مباشرة على ميناء الصيد البحري بالمدينة.

​واستعرض المحاضر تجربة فنان تتسم مسيرته بمقاربة فريدة لإعادة تعريف العلاقة بين اللوحة والكون.

​ومن خلال تقديم بعض أعمال الفنان رؤوف قارة، قدم الدكتور سامي بن عامر تفكيكا جماليا للوحاته، محللً المضمون والأسلوب والمقاربة والرؤية، إضافة إلى التقنيات المعتمدة التي تمنح أعماله هذه الفرادة. كما شدد من ناحية أخرى على أثر البحر والبيئة البحرية بصفة عامة على المضمون، وعلى اللمسات اللونية والمواد المستخدمة في مختلف لوحاته، حيث يفقد البحر أحيانا لونه الأصلي ليتخذ أبعادا متخيلة ومتخلقة، بينما يعتمد في أحيان أخرى على فرادة الموتيف كنوع من التنوع الشكلي، فضلا عن توظيف خامات مختلفة في تركيبات متنوّعة للتعبير عن هذه البيئة الهائجة.

​وتوّج البروفيسور سامي بن عامر قراءته التحليلية الممتدة لأعمال رؤوف قارة بخاطرة تختزل المسيرة الفنية برمتها، ومفادها أن رؤية البحر لدى الفنان تقوم أساسا على أن السطحية قد تبطن عمقا، وأن المادي البصري يمكن أن يقود إلى ما هو مضمر وغائر.

​من جانبها، اختارت الدكتورة وصال العش، أستاذة الجماليات ونظريات الفن بجامعة المنستير، لمداخلتها عنوان: «رؤوف قارة: البحر كذاكرة، اللون كبصمة، واللوحة كفضاء حياة».

​وقدمت الباحثة في مداخلتها مقاربة أخرى في تحليل أعمال رؤوف قارة عبر عدة محاور: محور البحر كعنصر في الذاكرة الحسية وفضاء للتكوين، ومحور اللون والخط وبصمة الحركة (الإيماءة التشكيلية)، وأخيرا محور الفضاء بوصفه تمثلا لمدينة قليبية والمتوسط كذاكرة وهوية تشكيلية.

​ومع تناول كل محور على حدة،فككت الدكتورة وصال العش مضمون عدد من لوحات الفنان مثل «حوت يأكل حوت»، و«بهجة»، و«توازن»، إضافة إلى عمله الشهير «رمشة عين». وبينما يشتغل الفنان على البحر في بعضها، يستغل في البعض الآخر الألوان والخط كعناصر معبرة عن رؤيته للفضاء والبيئة، ولا سيما تأثير محيطه العمراني والطبيعي بين مدينة قليبية والبحر الأبيض المتوسط الثري بشتى عناصره، وفي معمار الأمكنة وتضاريسها، وما تحتضنه من ثروة حيوانية ونباتية، وغيرها من مكونات هذه البيئة الخاصة. وهي فضاءات غنية بالضوء والإيقاعات والأشكال والألوان التي استثمرها الفنان بإتقان في إنجازاته المتعددة والمتنوعة. وهو ما يترجم في النهاية—كما أكدت المحاضِرة في ختام كلمتها—حساسية تشكيلية تتغذى من هذا الوسط، ولغة بصرية تنبع من التأمل العميق لهذه البيئة، معطية لمكوناتها من بحر وماء وضوء وخط ورمز دلالات تبني عالما تشكيليا تتشابك فيه الطبيعة والإنسان والزمن.

​ولد الفنان التشكيلي والنحات رؤوف قارة في 18 جويلية 1947 بمسقط رأسه مدينة قليبية، ملاذه الجمالي الأول الذي صقل وعيه البصري ووسم تجربته الإنسانية والفنية.

​هناك، بين زرقة الأفق الممتدة وهمس الأمواج، تعلم الإصغاء إلى مناجاة البحر، ليغدو لاحقا أحد أبرز أعلام الفن المعاصر في تونس من خلال إعطائه مفهوما جديدا للعلاقة بين اللوحة والوجود.

​صقل رؤوف قارة موهبته الأكاديمية في مدرسة الفنون الجميلة بتونس (المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس حاليا)، لكنه سرعان ما أدرك أن فنه لا ينبغي أن يظل حبيس جدران المؤسسات. فاختار أن يفتح نوافذه الخاصة على الأفق، ولم يتردد في تأسيس وإنشاء «دار قارة للفنون» في قلب قليبية، قبالة ميناء الصيد البحري تماما حيث تمتزج رائحة الملح بأصوات الصيادين ورغوة الأمواج.

​أصبح هذا المحترف مأوى للسكينة ومصدرا للإلهام، يمارس فيه الفنان طقوسه اللونية والنحتية بعيدا عن صخب الحياة اليومية، محولا الميناء إلى مختبر بصري تتجدد فيه الحياة من جديد.

​تتوزع التجربة الفنية لرؤوف قارة بين الرسم على اللوحة والنحت التجميعي (Assemblage)، حيث تندمج المادة مع الفكرة في وحدة حية. وهو لا يكتفي بالألوان التقليدية في لوحاته، بل يستمد إلهامه من المواد الطبيعية التي يلقي بها البحر على الشاطئ، كالأعشاب البحرية المجففة، والأخشاب الطافية، والترسبات البحرية المختلفة. وبلمسات يديه ومعالجته الخاصة، تعاد صيغة هذه البقايا لتشكل ملامس وقوامات كثيفة وغنية، كاشفة عما يسميه «الجيولوجيا التصويرية»—وهي فلسفة فنية تكشف من خلال الرسم والتركيب عن طبقات الزمن بين الألم والأمل، أو عن تاريخ دفين يعود إلى الحياة عبر الملمس والضوء.

​وفي أدبياته البصرية وفلسفته العملية التطبيقية، يمزج الفنان بين التصوف الشاعري والالتزام الإنساني العميق. فلم يعد البحر في أعماله مجرد عنصر طبيعي ساكن، بل حالة وجدانية متغيرة تتجلى فيها آلام البشر وأحلامهم.

​ولم يكن من الغريب أن يصفه الشاعر ورئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان، عبد الباسط بن حسن، بأنه «رسام حالات البحر في تونس».

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

يفتتح الشاعر والكاتب والصحفي الفلسطيني محمد الكرد مشاركته في «جو تونس 2026» يوم الاثنين 26 أكتوبر
14:41 - 2026/10/28
ليس البحر دائما ما تراه العين من زرقة واتساع، ولا جسرا تعبره الحكايات بين ضفتين.
14:29 - 2026/10/28
احتضنت قاعة "صوفي قولي"  على هامش الدورة الخامسة للمعرض الوطني للكتاب ندوة القصة القصيرة  مع مجمو
07:00 - 2026/10/28
انطلقت فعاليات مهرجان الرمان بالقلعة الصغرى ابتداء من يوم الاحد الماضي 25 اكتوبر 2026  ليتواصل ال
07:00 - 2026/10/28
 تسجل السينما التونسية حضورها في الدورة الثانية لمهرجان الدوحة السينمائي، المقرر تنظيمها من 19 إل
22:55 - 2026/10/27
تستعد قناة تلفزة تي في لتقديم برنامج ثقافي جديد بعنوان «لافيات بليس»، يجمع على الشاشة الصحفي عبد
20:21 - 2026/10/27
بدعم من المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بجندوبة تنظّم جمعية التوجيه السياحي بعين دراهم فعاليات
19:52 - 2026/10/27
تحتضن مدينة القيروان  بداية من اليوم فعاليات الدورة 36 للمهرجان الإقليمي للمسرح بدور الثقافة ودور
07:00 - 2026/10/27