المساواة أمام الذكاءات المتعددة والاعتراف بتنوع القوى الفكرية اختبار جاد للذكاء التربوي 

المساواة أمام الذكاءات المتعددة والاعتراف بتنوع القوى الفكرية اختبار جاد للذكاء التربوي 

تاريخ النشر : 15:07 - 2023/09/19

هذا جوهر البناء التربوي الجديد، من هذا المنظور. ولسوف تكون الإجابة عن سؤال: هل يمكن أن تكون لمن لا يؤمن بذلك ويمارسه فعلا قدرة على البناء والإصلاح، أو حتى رغبة وإرادة، لا قطعية. وتتحول الاستشارة الوطنية حول التربية والتعليم والتكوين إلى اختبار جدي في الذكاء التربوي العام. وعلى ذلك نرى ان كل من مارس التدريس قادر ومقتنع في باطنه بهذه المساواة وانه هو نفسه ككل انسان يعمل مدى الحياة على تطوير ذكاءاته الأخرى في غير المجال التربوي، إلا أن السلوك العمودي القهري غالب الأحيان يجعله عاجزا. هذا إضافة إلى عامل السياسة المعادية لكل ما يأتي من 17 ديسمبر - 25 جويلية عند البعض، حتى إذا كان عاملا ثانويا في هذه الحالة، حالة الإصلاح والبناء، عند البعض الآخر ورئيسيا دوما عند آخرين.
يبنى الأمل في اغاثة العقول على تربية متعددة الأفق وعلى تعليم متعدد الصيرورات بحيث يكون لكل عقل الحق في صيرورة حرة في مسيرة مفتوحة متعددة لا جامدة ولا حتمية ولا مختنقة بإما وإما. وعلى ذلك تبقى العملية التربوية - التعليمية استكشافية طالما بقيت مواهبية نحتية إبداعية وتهذيبية وفي مناخ شغفي ودي أو كونفيفيالي بكلمة واحدة وبحيث يتحول السؤال القديم ماذا ستصبح إلى سؤال كيف ستصير؟ هذه هي في ظننا المتواضع المقدمة الكبرى للانعتاق الفكري وسرها المساواة بين الذكاءات بحيث يكون المتعلم متحررا بعقله ويكون المعلم محررا للعقول لا أن تكون علاقة عمودية مرضية بين عالم وجاهل. والواقع انه لا يوجد على الاطلاق جاهل بكل شيء ولا على الاطلاق عالم بكل شيء بل الكل يجهل بقدر ما حتى في علمه والكل يعلم بقدر ما، لن نقول في غير علمه، وإنما في غير علم من يدعي العلم دون غيره. ومرد ذلك انعدام للفهم وانعدام للاعتراف بتعدد الذكاءات أصلا وبأنه ليس من المعقول البتة أن يضع المعلم أو الأستاذ أو المكون نفسه موضع المقارنة من من يعلم أو يربي أو يكون، فما بالك وهو يضع نفسه موضع المقارنة مع الأولياء مثلا مهما كانت قدراتهم المتنوعة.
نعم كلنا يجهل وكلنا يعاني من ضعف ما وكلنا يستطيع أن يتميز في أمر ما انطلاقا من ذكاء ما لغوي أو منطقي أو حسابي أو تركيبي أو تواصلي أو إبداعي... إلخ. وهذا هو ما يجب أن يقال لكل الناشئة. وكلنا ينجح في أمور وكلنا يفشل في أمور أخرى بدرجات متفاوتة، فلننجح أكثر ما يمكن في أكثر ما يمكن من مجالات.
إن الأساس المتين ادراك وإيمان بتنوع العقول وبتعدد القوى الفكرية. وبالتالي فإن اعتماد طريقة واحدة تكون مناسبة للجميع غير مجد، بل طريقة ظالمة. واعتماد منهج واحد مفصول عن مناهج أخرى خطأ فادح بل حيف صارخ. صحيح ان الاستشارة يمكن أن تكون أفضل. وصحيح ان وسائل أخرى غير الاستشارة ومعها ممكنة في ظروف أخرى، وبعضها أفضل من جانب ما (التداول المباشر في أوساط معينة مثلا)، ولكن صحيح أيضا ان الاستشارة مهمة جدا وخاصة انها الآلية التي لا تقصي أحدا بالمرة عكس كل الوسائل الأخرى وخاصة أيضا انها تتيح التعبير الحر، هذا اذا عولنا على صدق نوايا من يريد أن يشارك بأي طريقة كانت ومن لديه ما يقول في كل الحالات، إلا أن كل مشاركة برأي رسالة إلى روح طفل سيشعر، وهو يستمع دون كامل فهم، انه أغلى ما في الدولة والمجتمع وان الكل يهتم به ويفكر به ويتحدث عنه وان هذا العدد الكبير بل الهائل في ذهنه من الناس أمر لن يتكرر في حياته. وهذه في حد ذاتها بذرة نادرة ستخلدها ذاكرته. وهو في حد ذاته هدف كبير ومهم جدا بصرف النظر عن كل الأهداف الأخرى ذات الصلة بالرؤية الضيقة والمباشرة.
ولنتوقف برهة عن تزوير الأمور وتزييف العقول والتلاعب بها. ولنأخذ الأمور بأكثر جدية وبهدوء وصدق وبلا تهويل. فلا أحد أنهى الأمور عند الاستشارة. ولا أحد قال انها لن تكون لاحقا بين أيادي أهل الذكر. ولا أحد ذهب إلى كل الناس وسألهم كيف ندرس كذا مثلا أو كيف نطبق منهج كذا وإنما الغاية الإحاطة ما أمكن بما يدور في العقول وفي حياة الناس المتعلقة بالتربية والتعليم والتكوين واحاطتهم ما أمكن بما سوف يكون في هذا المجال وتأثيره على كل نواحي الحياة وبالقدر المستطاع طبعا وإحداث هبة وطنية مدارها الاهتمام بهذه الشؤون المصيرية ومتابعتها ومواكبتها في الحد الأدنى حتى يصبح المواطن عاملا مساعدا على تحققها لاحقا، وهي أصلا من دونه لا تتقدم.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

يعتبر كل من مالك بن نبي والمهاتما موهنداس غاندي مبدعين كل في مجاله ولعل ما يجمعها فكريا أكثر مما
07:00 - 2024/06/24
يعد قطاع التربية و التعليم في تونس، مصعدا اجتماعيا لكنه سرعان ما بدأ يتهاوى مع تراجع مكانة المربي
07:00 - 2024/06/23
ستوقظنا شروط السلام المعلنة من حلم جميل يتحوّل كابوسا، فلا تعدنا هذه الشروط بنهاية الإحتلال،بل تط
07:00 - 2024/06/23
شهدت منطقة بومهل في الآونة الأخيرة انقطاعا متكررا للمياه مع بداية فصل الحر و هذا ما شكل قلقا كبير
07:00 - 2024/06/23
نظام الشهداء هذا. والرسالة: "جهادنا مستمر". ونهج حركات التحرر الوطني الفلسطيني.
22:50 - 2024/06/16
إن أكثر ما يهمنا الوعي والعدوان على الوعي أكثر من الجوانب المادية المتعددة.
19:28 - 2024/06/13
لوحظ في السنوات الأخيرة نشاط متزايد  في حركة بناء المغرب العربي، فقد تم عقد لاتفاق تعاون وحسن جوا
07:00 - 2024/06/13
لم تكد تنفجر ثورة الطلاب في وجه الإبادة الجماعية والمجازر الوحشية العنصرية في غزة، والعربدة الأطل
07:00 - 2024/06/13