« المسرحية Gazon Rouge» لآسيا الجعايبي.. حين يصبح المسرح مرآة لقلق الفنان وأسئلة الواقع
تاريخ النشر : 17:47 - 2026/11/08
لا تبدو مسرحية « المسرحية Gazon Rouge» لآسيا الجعايبي معنية بتقديم حكاية تقليدية ذات مسار واضح ونهاية تحسم مصائر شخصياتها منذ اللحظة الأولى، بقدر ما تسعى إلى بناء فضاء تتقاطع داخله الحكايات الشخصية مع أسئلة الواقع، ويتجاور فيه العبثي مع الجدي، والضحك مع القلق. إنها مسرحية تبدأ من سؤال المسرح نفسه، لتتسع تدريجيا نحو مساءلة الفنان ومحيطه والمنظومة التي يفترض أن تمنح الفعل الإبداعي شروط الاستمرار.
ولم يكن انطلاق العمل باحتضار ذكرى شخصية للمخرجة آسيا الجعايبي أمرا عابرا. ففي سنة 1991، اصطحبها والداها، وهي طفلة، لمشاهدة مسرحية «كوميديا». يومها تعلقت بكرسي القاعة واكتشفت أن المسرح يتجاوز حدود الفرجة، وأنه عالم قادر على التأثير في الإنسان وتغيير علاقته بالأشياء. وبعد سنوات، تعود آسيا الجعايبي إلى الخشبة، لا لتستعيد ذكرى طفولتها في صيغة حنينية، وإنما لتجعل منها مدخلا إلى تصورها الخاص لهذا الفن: مسرح يحكي عنا وعن واقعنا، وينشغل بالأسئلة التي تؤرق صاحبه، دون أن يكون أسير الحسابات المسبقة أو انتظارات المؤسسات.
عشب أخضر فوق أرض يابسة
تدور أحداث المسرحية حول أربع نساء يلتقين مجددا بعد انقطاع تواصل عدة أشهر، في منزل درة، التي تفاجئ صديقاتها بإعلان قرارها الهجرة ومغادرة تونس، بعد أن شرعت في بيع ممتلكاتها. لكن اللقاء الذي بدا في ظاهره استعادة لمشروع مسرحي مشترك، يتحول إلى مواجهة مع واقع مختلف عما كانت تنتظره النساء، ومع أسئلة تتعلق بما تبقى من أحلامهن وما يمكن أن يجمعهن بعد كل هذا الغياب.
وتكتسب السينوغرافيا أهمية خاصة في بناء هذا العالم. فالعشب الأخضر الذي يغطي أرضية الركح لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يتحول إلى عنصر أساسي في تشكيل الدلالة. تبدأ درة برش الماء عليه، في حركة تبدو كأنها محاولة للإبقاء على الحياة وسط عالم يهدده الجفاف. غير أن هذا المشهد يضع المتفرج أمام مفارقة تتسع مع تقدم العرض: عشب يفترض أن يحيل إلى الخضرة والنمو، في مقابل أرض تتراجع قدرتها على الإنبات، وامرأة تقرر التخلي عن كل شيء تقريبا، ولا تحتفظ سوى بقطعة صغيرة من هذا العشب.
ومن هنا يكتسب عنوان «Gazon Rouge»، أي «العشب الأحمر»، غرابته ودلالته. فاجتماع الأخضر بالأحمر يفتح باب التأويل على أكثر من احتمال؛ بين الحياة والجرح، وبين الأمل والغضب، وربما بين الرغبة في التشبث بمكان لم يعد يمنح ساكنيه أسباب البقاء، والرغبة في المغادرة بحثا عن أفق آخر. ولا تقدم المسرحية إجابة جاهزة عن هذه المفارقة، بل تتركها معلقة مثل بقية الأسئلة التي تتوالد داخل فضائها.
الممثلة بين ذاتها والشخصية
لا تنحصر التجربة في حكاية النساء الأربع، بل تمتد إلى العلاقة بين الممثلة والشخصية التي تؤديها. فالمسرحية، التي تقوم كتابتها على العمل الجماعي، تتيح للممثلات مساحة للتعبير عن تجاربهن وأسئلتهن، من دون أن تجعل الشخصيات نسخا مطابقة من صاحباتها.
وفي هذا السياق، تتحدث الممثلة هالة عياد عن العلاقة بين الشخصية والممثلة، مشيرة إلى أن الشخصية قد تنطلق من تجربة عاشتها المجموعة أو من تفاصيل قريبة منها، لكنها لا تمثل بالضرورة الممثلة نفسها، إذ تتضمن جوانب لا تشبهها تماما. وترى أن هذه المسافة بين الذات والدور من أكثر ما جذبها في فكرة العمل، لأنها تتيح للممثلة أن تستلهم من تجاربها دون أن تكون أسيرة لها، وتجعل من الخشبة فضاء للتفاوض بين ما تحمله من ذاكرة وتجربة وما تفرضه الشخصية من مواقف وملامح مختلفة.
أما فاطمة بوعون، فتصف مسار الاشتغال على المسرحية بأنه تجربة امتدت على سنتين من التحضير والعمل والتفكير والتعب، لكنها كانت، رغم الإرهاق وقلة النوم، من أجمل الفترات التي عاشتها. وتؤكد أن هذه الرحلة لم تكن مجرد إعداد لعرض مسرحي، بل فرصة لبناء علاقة استثنائية مع الفريق الفني والتقني، قائمة على الثقة والتقاسم. كما تعتبر أن ثقة آسيا الجعايبي بها حمّلتها مسؤولية إضافية، وجعلتها حريصة على أن تكون في مستوى هذه الثقة.
وتلفت بوعون إلى أنها لم تشعر داخل التجربة بوجود أسماء معروفة وأخرى أقل خبرة، بل وجدت نفسها أمام أربع نساء يحملن حكايات وأحاسيس وأصواتا مختلفة، جمعهن المسرح ومنحهن مساحة مشتركة للتعبير. وهي شهادة تكشف جانبا من الرهان الجماعي للعمل، حيث لا تقوم التجربة على إبراز فرد بعينه، وإنما على تفاعل عناصرها وتكاملها.
ومن جهتها، خاضت هالة عياد رحلة بحث للتقرب من الشخصية التي تؤديها، وهي تجربة أثارت مخاوفها في البداية قبل أن تتحول إلى مصدر شغف، فدفعتها إلى القراءة ومتابعة الشأن السياسي التونسي والبحث في حضور النساء داخل مواقع السلطة والآليات الانتخابية. ويكشف هذا المسار عن طبيعة الاشتغال على الدور، وعن انتقال الممثلة من حدود الأداء إلى البحث في السياقات التي تشكل الشخصية وتمنحها أبعادها.
المسرح لا يصنعه الفنان وحده
ولا تقف «Gazon Rouge» عند حدود العلاقة بين الممثلة وشخصيتها، بل تفتح النقاش على المنظومة المسرحية بأكملها. وفي هذا الإطار، تؤكد هالة عياد أن الممثلة ليست سوى حلقة ضمن سلسلة واسعة تضم الفريق الفني والتقني، وتتجاوز ذلك إلى منظومة متكاملة تحتاج إلى الإرادة والمساندة والتشجيع حتى يتمكن العمل من الاستمرار. فالمسرحية، مهما كان الجهد المبذول في إنجازها، لا يمكن أن تقوم على عطاء الفنان وحده، بل تحتاج إلى محيط داعم، لأن التعب قد يبلغ بالفنان مرحلة يصبح معها الاستمرار أكثر صعوبة.
وهذا المعنى يلتقي مع ما تطرحه آسيا الجعايبي في حديثها عن صعوبات إنجاز المسرح في تونس. فالمشكلة، وفق تصورها، لا تتعلق بندرة الأفكار أو غياب الفنانين الذين يملكون ما يقولونه، بل بنقص الإمكانيات وضعف البنية التحتية والظروف المتاحة للإبداع. ولا تنتهي الصعوبات بمجرد إنتاج العمل، إذ تظل مسألة التوزيع والجولات من أبرز التحديات التي تواجه الفرق المسرحية؛ فقد يقدم العرض مرتين ثم يجد نفسه في الأرشيف، بدل أن تتاح له فرصة الوصول إلى جمهور أوسع داخل البلاد وخارجها.
وتشدد الجعايبي على أن المسرح فن حي لا يتوقف عند العرض الأول، بل يظل قابلا للتطوير والمراجعة والعمل. وقد وصفت تقديم «Gazon Rouge» في مرحلته الأولى بأنه عرض تمهيدي، لا تزال بعض تفاصيله بحاجة إلى التعديل، وهو أمر تراه طبيعيا في مسار إنجاز العمل المسرحي. كما عبرت عن اعتزازها بالممثلات وبالفريق الفني والتقني الذي رافق التجربة.
لكن حديثها يتجاوز شروط الإنتاج إلى ما تسميه ضرورة دوران العجلة الثقافية. فالإبداع، في نظرها، لا يكتمل بمجرد أن يقدم الفنان عمله، وإنما يحتاج إلى تفاعل الصحافة والجمهور معه. فلكل طرف دوره في هذه الدورة: الفنان يقترح ويبدع، والإعلام يواكب ويلاحظ ويقدم قراءته، والجمهور يتفاعل ويمنح العمل فرصة للحوار. وعندما يغيب هذا التفاعل، تصبح العجلة الثقافية معطلة عن الدوران.
الهجرة.. سؤال يتجاوز الشخصية
في قلب هذه الأسئلة، تظل الهجرة أحد أبرز محاور المسرحية. فقرار درة مغادرة البلاد لا يظهر باعتباره تفصيلا في مسار شخصية مسرحية فحسب، بل يتحول إلى مدخل لمساءلة علاقة الفنان بمحيطه، وحدود قدرته على الاستمرار في واقع لا يوفر دائما شروط العمل والاستقرار.
وتكشف الممثلة هالة عياد، في حديثها عن الهجرة، عن تحول في نظرتها إلى الذين يختارون مغادرة البلاد. فقد كانت في السابق تجد صعوبة في فهم دوافعهم، لكنها أصبحت اليوم أكثر قدرة على استيعاب ظروفهم والتأثر بحكاياتهم، حتى إنها باتت ترى أن لكل واحد منهم أسبابه التي قد تجعل قرار الرحيل مفهوما. وهذا التحول في الموقف يختصر جانبا من قوة الموضوع: فالهجرة لا تقدم هنا كإجابة نهائية، ولا كخيار سهل، بل كاحتمال يفرض نفسه حين تضيق الخيارات وتتراكم خيبات الواقع.
ويعزز صوت مغني الراب vipa ، المتسلل بين المشاهد، هذا البعد الاجتماعي؛ فهو لا يوازي الحركة فوق الخشبة بقدر ما يستحضر صوت المجتمع بما يحمله من أحكام وانتظارات وضغوط. إنه صوت يأتي من خارج الشخصيات، لكنه يظل حاضرا داخل عالمها، ويضع تجاربها الفردية في مواجهة محيط أوسع لا يكف عن طرح الأسئلة وإصدار الأحكام.
مسرح يترك الأسئلة مفتوحة
تلتقي في «Gazon Rouge» الكتابة والإخراج والسينوغرافيا في رؤية آسيا الجعايبي، بمساعدة إخراجية لآمنة شعبان، وموسيقى أصلية لفايبا، وتصميم إضاءة لفاضل الجعايبي وباستيان لاغييه، وأزياء لهدى بن مامي، فيما تشرف سندس بالحسن على الكوريغرافيا. ويكشف هذا البناء عن عمل جماعي لا تنفصل فيه الرؤية الإخراجية عن العناصر الفنية والتقنية التي تمنح العرض لغته البصرية والسمعية والجسدية.
واللافت أن الجعايبي، ابنة المسرحيين فاضل الجعايبي وجليلة بكار، لا تتعامل مع هذا الإرث باعتباره مجرد امتداد عائلي، بل تنطلق منه لتبني مسارها الفني وأسئلتها الخاصة. فهي تعود إلى اللحظة التي اكتشفت فيها المسرح طفلة، لتواجه اليوم واقعا مسرحيا وثقافيا أكثر تعقيدا، وتطرح من خلاله أسئلة الفنان الذي يؤمن بالمسرح كتجربة حياة، لكنه يصطدم بنقص الإمكانيات وتعثر التوزيع وضعف التفاعل.
لا تطمئن «Gazon Rouge» المتفرج بحكاية مكتملة، ولا تمنحه إجابات نهائية. إنها تتركه أمام أربع نساء تتقاطع سيرهن مع أدوارهن، وعشب أخضر يثير الشك في قدرته على مقاومة الجفاف، وقرار هجرة يختزل كثيرا من القلق الذي يحيط بالفنان والإنسان على حد سواء. وبين سؤال «هل نحن بخير؟» وما يتفرع عنه من أسئلة حول البقاء والرحيل، والذات والشخصية، والإبداع والمنظومة الثقافية، تضع آسيا الجعايبي المسرح أمام وظيفته الأعمق: أن يحكي عن واقعنا، وأن يفتح ما نميل أحيانا إلى تركه دون مساءلة.
فماذا يبقى للفنان حين لا يجد شروط الاستمرار؟ وهل يكفي الشغف وحده لمقاومة الجفاف؟ وما الذي يمكن أن ينبت فوق أرض فقدت قدرتها على الإخضرار؟ أسئلة لا تجيب عنها المسرحية، وربما لا تريد ذلك أصلا؛ فهي تتركها معلقة فوق الخشبة، مثل العشب الذي يظل حاضرا رغم كل ما يحيط به من علامات الجفاف.
لا تبدو مسرحية « المسرحية Gazon Rouge» لآسيا الجعايبي معنية بتقديم حكاية تقليدية ذات مسار واضح ونهاية تحسم مصائر شخصياتها منذ اللحظة الأولى، بقدر ما تسعى إلى بناء فضاء تتقاطع داخله الحكايات الشخصية مع أسئلة الواقع، ويتجاور فيه العبثي مع الجدي، والضحك مع القلق. إنها مسرحية تبدأ من سؤال المسرح نفسه، لتتسع تدريجيا نحو مساءلة الفنان ومحيطه والمنظومة التي يفترض أن تمنح الفعل الإبداعي شروط الاستمرار.
ولم يكن انطلاق العمل باحتضار ذكرى شخصية للمخرجة آسيا الجعايبي أمرا عابرا. ففي سنة 1991، اصطحبها والداها، وهي طفلة، لمشاهدة مسرحية «كوميديا». يومها تعلقت بكرسي القاعة واكتشفت أن المسرح يتجاوز حدود الفرجة، وأنه عالم قادر على التأثير في الإنسان وتغيير علاقته بالأشياء. وبعد سنوات، تعود آسيا الجعايبي إلى الخشبة، لا لتستعيد ذكرى طفولتها في صيغة حنينية، وإنما لتجعل منها مدخلا إلى تصورها الخاص لهذا الفن: مسرح يحكي عنا وعن واقعنا، وينشغل بالأسئلة التي تؤرق صاحبه، دون أن يكون أسير الحسابات المسبقة أو انتظارات المؤسسات.
عشب أخضر فوق أرض يابسة
تدور أحداث المسرحية حول أربع نساء يلتقين مجددا بعد انقطاع تواصل عدة أشهر، في منزل درة، التي تفاجئ صديقاتها بإعلان قرارها الهجرة ومغادرة تونس، بعد أن شرعت في بيع ممتلكاتها. لكن اللقاء الذي بدا في ظاهره استعادة لمشروع مسرحي مشترك، يتحول إلى مواجهة مع واقع مختلف عما كانت تنتظره النساء، ومع أسئلة تتعلق بما تبقى من أحلامهن وما يمكن أن يجمعهن بعد كل هذا الغياب.
وتكتسب السينوغرافيا أهمية خاصة في بناء هذا العالم. فالعشب الأخضر الذي يغطي أرضية الركح لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يتحول إلى عنصر أساسي في تشكيل الدلالة. تبدأ درة برش الماء عليه، في حركة تبدو كأنها محاولة للإبقاء على الحياة وسط عالم يهدده الجفاف. غير أن هذا المشهد يضع المتفرج أمام مفارقة تتسع مع تقدم العرض: عشب يفترض أن يحيل إلى الخضرة والنمو، في مقابل أرض تتراجع قدرتها على الإنبات، وامرأة تقرر التخلي عن كل شيء تقريبا، ولا تحتفظ سوى بقطعة صغيرة من هذا العشب.
ومن هنا يكتسب عنوان «Gazon Rouge»، أي «العشب الأحمر»، غرابته ودلالته. فاجتماع الأخضر بالأحمر يفتح باب التأويل على أكثر من احتمال؛ بين الحياة والجرح، وبين الأمل والغضب، وربما بين الرغبة في التشبث بمكان لم يعد يمنح ساكنيه أسباب البقاء، والرغبة في المغادرة بحثا عن أفق آخر. ولا تقدم المسرحية إجابة جاهزة عن هذه المفارقة، بل تتركها معلقة مثل بقية الأسئلة التي تتوالد داخل فضائها.
الممثلة بين ذاتها والشخصية
لا تنحصر التجربة في حكاية النساء الأربع، بل تمتد إلى العلاقة بين الممثلة والشخصية التي تؤديها. فالمسرحية، التي تقوم كتابتها على العمل الجماعي، تتيح للممثلات مساحة للتعبير عن تجاربهن وأسئلتهن، من دون أن تجعل الشخصيات نسخا مطابقة من صاحباتها.
وفي هذا السياق، تتحدث الممثلة هالة عياد عن العلاقة بين الشخصية والممثلة، مشيرة إلى أن الشخصية قد تنطلق من تجربة عاشتها المجموعة أو من تفاصيل قريبة منها، لكنها لا تمثل بالضرورة الممثلة نفسها، إذ تتضمن جوانب لا تشبهها تماما. وترى أن هذه المسافة بين الذات والدور من أكثر ما جذبها في فكرة العمل، لأنها تتيح للممثلة أن تستلهم من تجاربها دون أن تكون أسيرة لها، وتجعل من الخشبة فضاء للتفاوض بين ما تحمله من ذاكرة وتجربة وما تفرضه الشخصية من مواقف وملامح مختلفة.
أما فاطمة بوعون، فتصف مسار الاشتغال على المسرحية بأنه تجربة امتدت على سنتين من التحضير والعمل والتفكير والتعب، لكنها كانت، رغم الإرهاق وقلة النوم، من أجمل الفترات التي عاشتها. وتؤكد أن هذه الرحلة لم تكن مجرد إعداد لعرض مسرحي، بل فرصة لبناء علاقة استثنائية مع الفريق الفني والتقني، قائمة على الثقة والتقاسم. كما تعتبر أن ثقة آسيا الجعايبي بها حمّلتها مسؤولية إضافية، وجعلتها حريصة على أن تكون في مستوى هذه الثقة.
وتلفت بوعون إلى أنها لم تشعر داخل التجربة بوجود أسماء معروفة وأخرى أقل خبرة، بل وجدت نفسها أمام أربع نساء يحملن حكايات وأحاسيس وأصواتا مختلفة، جمعهن المسرح ومنحهن مساحة مشتركة للتعبير. وهي شهادة تكشف جانبا من الرهان الجماعي للعمل، حيث لا تقوم التجربة على إبراز فرد بعينه، وإنما على تفاعل عناصرها وتكاملها.
ومن جهتها، خاضت هالة عياد رحلة بحث للتقرب من الشخصية التي تؤديها، وهي تجربة أثارت مخاوفها في البداية قبل أن تتحول إلى مصدر شغف، فدفعتها إلى القراءة ومتابعة الشأن السياسي التونسي والبحث في حضور النساء داخل مواقع السلطة والآليات الانتخابية. ويكشف هذا المسار عن طبيعة الاشتغال على الدور، وعن انتقال الممثلة من حدود الأداء إلى البحث في السياقات التي تشكل الشخصية وتمنحها أبعادها.
المسرح لا يصنعه الفنان وحده
ولا تقف «Gazon Rouge» عند حدود العلاقة بين الممثلة وشخصيتها، بل تفتح النقاش على المنظومة المسرحية بأكملها. وفي هذا الإطار، تؤكد هالة عياد أن الممثلة ليست سوى حلقة ضمن سلسلة واسعة تضم الفريق الفني والتقني، وتتجاوز ذلك إلى منظومة متكاملة تحتاج إلى الإرادة والمساندة والتشجيع حتى يتمكن العمل من الاستمرار. فالمسرحية، مهما كان الجهد المبذول في إنجازها، لا يمكن أن تقوم على عطاء الفنان وحده، بل تحتاج إلى محيط داعم، لأن التعب قد يبلغ بالفنان مرحلة يصبح معها الاستمرار أكثر صعوبة.
وهذا المعنى يلتقي مع ما تطرحه آسيا الجعايبي في حديثها عن صعوبات إنجاز المسرح في تونس. فالمشكلة، وفق تصورها، لا تتعلق بندرة الأفكار أو غياب الفنانين الذين يملكون ما يقولونه، بل بنقص الإمكانيات وضعف البنية التحتية والظروف المتاحة للإبداع. ولا تنتهي الصعوبات بمجرد إنتاج العمل، إذ تظل مسألة التوزيع والجولات من أبرز التحديات التي تواجه الفرق المسرحية؛ فقد يقدم العرض مرتين ثم يجد نفسه في الأرشيف، بدل أن تتاح له فرصة الوصول إلى جمهور أوسع داخل البلاد وخارجها.
وتشدد الجعايبي على أن المسرح فن حي لا يتوقف عند العرض الأول، بل يظل قابلا للتطوير والمراجعة والعمل. وقد وصفت تقديم «Gazon Rouge» في مرحلته الأولى بأنه عرض تمهيدي، لا تزال بعض تفاصيله بحاجة إلى التعديل، وهو أمر تراه طبيعيا في مسار إنجاز العمل المسرحي. كما عبرت عن اعتزازها بالممثلات وبالفريق الفني والتقني الذي رافق التجربة.
لكن حديثها يتجاوز شروط الإنتاج إلى ما تسميه ضرورة دوران العجلة الثقافية. فالإبداع، في نظرها، لا يكتمل بمجرد أن يقدم الفنان عمله، وإنما يحتاج إلى تفاعل الصحافة والجمهور معه. فلكل طرف دوره في هذه الدورة: الفنان يقترح ويبدع، والإعلام يواكب ويلاحظ ويقدم قراءته، والجمهور يتفاعل ويمنح العمل فرصة للحوار. وعندما يغيب هذا التفاعل، تصبح العجلة الثقافية معطلة عن الدوران.
الهجرة.. سؤال يتجاوز الشخصية
في قلب هذه الأسئلة، تظل الهجرة أحد أبرز محاور المسرحية. فقرار درة مغادرة البلاد لا يظهر باعتباره تفصيلا في مسار شخصية مسرحية فحسب، بل يتحول إلى مدخل لمساءلة علاقة الفنان بمحيطه، وحدود قدرته على الاستمرار في واقع لا يوفر دائما شروط العمل والاستقرار.
وتكشف الممثلة هالة عياد، في حديثها عن الهجرة، عن تحول في نظرتها إلى الذين يختارون مغادرة البلاد. فقد كانت في السابق تجد صعوبة في فهم دوافعهم، لكنها أصبحت اليوم أكثر قدرة على استيعاب ظروفهم والتأثر بحكاياتهم، حتى إنها باتت ترى أن لكل واحد منهم أسبابه التي قد تجعل قرار الرحيل مفهوما. وهذا التحول في الموقف يختصر جانبا من قوة الموضوع: فالهجرة لا تقدم هنا كإجابة نهائية، ولا كخيار سهل، بل كاحتمال يفرض نفسه حين تضيق الخيارات وتتراكم خيبات الواقع.
ويعزز صوت مغني الراب vipa ، المتسلل بين المشاهد، هذا البعد الاجتماعي؛ فهو لا يوازي الحركة فوق الخشبة بقدر ما يستحضر صوت المجتمع بما يحمله من أحكام وانتظارات وضغوط. إنه صوت يأتي من خارج الشخصيات، لكنه يظل حاضرا داخل عالمها، ويضع تجاربها الفردية في مواجهة محيط أوسع لا يكف عن طرح الأسئلة وإصدار الأحكام.
مسرح يترك الأسئلة مفتوحة
تلتقي في «Gazon Rouge» الكتابة والإخراج والسينوغرافيا في رؤية آسيا الجعايبي، بمساعدة إخراجية لآمنة شعبان، وموسيقى أصلية لفايبا، وتصميم إضاءة لفاضل الجعايبي وباستيان لاغييه، وأزياء لهدى بن مامي، فيما تشرف سندس بالحسن على الكوريغرافيا. ويكشف هذا البناء عن عمل جماعي لا تنفصل فيه الرؤية الإخراجية عن العناصر الفنية والتقنية التي تمنح العرض لغته البصرية والسمعية والجسدية.
واللافت أن الجعايبي، ابنة المسرحيين فاضل الجعايبي وجليلة بكار، لا تتعامل مع هذا الإرث باعتباره مجرد امتداد عائلي، بل تنطلق منه لتبني مسارها الفني وأسئلتها الخاصة. فهي تعود إلى اللحظة التي اكتشفت فيها المسرح طفلة، لتواجه اليوم واقعا مسرحيا وثقافيا أكثر تعقيدا، وتطرح من خلاله أسئلة الفنان الذي يؤمن بالمسرح كتجربة حياة، لكنه يصطدم بنقص الإمكانيات وتعثر التوزيع وضعف التفاعل.
لا تطمئن «Gazon Rouge» المتفرج بحكاية مكتملة، ولا تمنحه إجابات نهائية. إنها تتركه أمام أربع نساء تتقاطع سيرهن مع أدوارهن، وعشب أخضر يثير الشك في قدرته على مقاومة الجفاف، وقرار هجرة يختزل كثيرا من القلق الذي يحيط بالفنان والإنسان على حد سواء. وبين سؤال «هل نحن بخير؟» وما يتفرع عنه من أسئلة حول البقاء والرحيل، والذات والشخصية، والإبداع والمنظومة الثقافية، تضع آسيا الجعايبي المسرح أمام وظيفته الأعمق: أن يحكي عن واقعنا، وأن يفتح ما نميل أحيانا إلى تركه دون مساءلة.
فماذا يبقى للفنان حين لا يجد شروط الاستمرار؟ وهل يكفي الشغف وحده لمقاومة الجفاف؟ وما الذي يمكن أن ينبت فوق أرض فقدت قدرتها على الإخضرار؟ أسئلة لا تجيب عنها المسرحية، وربما لا تريد ذلك أصلا؛ فهي تتركها معلقة فوق الخشبة، مثل العشب الذي يظل حاضرا رغم كل ما يحيط به من علامات الجفاف.