حول مدنية الفصل المتعلق بالدين في الدساتير التونسية

حول مدنية الفصل المتعلق بالدين في الدساتير التونسية

تاريخ النشر : 00:07 - 2022/06/09

أولا: وأخيرا لا يستطيع أحد أن يدعي ان تغيير الفصل الأول مربح شعبيا وسياسيا باعتبار أن القضية مبدئية لا انتهازية وعكسها هو التجارة والدليل على ذلك ما يتداوله الناس. أما التفكير لمحاولة إيجاد الأفضل فهو مجرد مصلحة وطنية وشجاعة فكرية وسياسية.
ثانيا: لا يمكن ادعاء ان الدين ليس دين الله وليس دين الشعب وإنما دين الدولة في حين ان الدولة كيان معنوي وقانوني واطار تنظيم للعلاقات وعقد حياة وليس شيئا آخر وبالتالي فإن الدين مرة أخرى هو دين الله وهو دين الشعب وليس دين الدولة. ثم إن الفصل يقول دينها الإسلام أو الإسلام دينها وليس دولة إسلامية وبالتالي فهو بقدر الذكاء فصل مراوغ.
ثالثا: الدولة لا تقوم فجرا لتذهب إلى المسجد لتثبت للشعب انها متدينة والدولة لا تتذرع لله طلبا للرزق والمؤمن المسلم مثل غالبيتنا لا يقول للدولة اعطني الزكاة يا "الإسلام دينها" ونظمي لي "الجهاد" في سوريا فأنت إسلامية ورخصي لي في تولي شؤون الرعية نيابة عنك في المدارس أو في الأحياء. (طبعا ثمة من فعل ذلك ولذلك نذكر بالأمر معكوسا.)
رابعا: شخصيا كمؤمن ومؤمن بتحرير أراضينا المحتلة في فلسطين لم يخطر في بالي يوما أن اطالب الدولة بالجهاد في فلسطين لتحرير المقدسات لأن دستور دولتي إسلامي كما يزعم الإسلامويون وليس المسلمين ولا حتى بعض الإسلاميين كما يصفون أنفسهم.
خامسا: هذا الفصل الأول هو فصل قانوني وليس فصلا دينيا وبالتالي هو نص كتبه البشر وهو مدني ومكتوب من أجل مدنية الدولة وليس من أجل استغلاله كما وقع في عكس ذلك.
سادسا: الحقائق الثلاث المتعلقة بعلاقة الإنسان بربه وبعلاقته بنفسه وعلاقته بالإنسان وعلاقته بالعالم من جهة والمتعلق بعلاقة المواطن بالدولة والمؤسسات من جهة ثانية وعلاقة الدولة بالدول من جهة ثالثة كلها تثبت عكس ادعاء المدعين وإلا كفرنا الدولة وبالتالي كفرنا شعبها اذا لم تتحرك ويتحرك للقيام بجرائم إرهابية عند البعض ولانجاز بطولات تحريرية عند البعض الآخر.
سابعا: ما يحدث نتيجة معروفة من مخلفات عشرية الخيانة لا أكثر ولا أقل وهو نتيجة السياسة وليس نتيجة الدين وحتى ألف دستور وألف قانون لا ينهيان الجدل إذا كانت الأطراف المعادية حقيقة لمدنية الدولة من الجهتين والتي تدفع نحو التناحر من الجهتين من مدعي الإيمان ومدعي عدم الإيمان ثم يجر الناس إلى الرحى من هذه الجهة وتلك.
ثامنا: تتمثل أهم قاعدة فكرية فلسفية وقانونية في انه لا يجوز أن نطبق على الناس شيئا لا يفهمونه وعليه يجب أن يفهم كل الناس ما يجري عندما يحسم ليكون لهم الرأي الحاسم السيادي بعدها.
تاسعا: كل الأبعاد الهوياتية الفتنوية التي تطرح هذه الأيام ليست سوى رغبة مريضة ويائسة في إفشال التغيير وادعاء انه توجد سلطة للدين لا بد أن نقصها على الناس كذبا لنوهمهم اننا واياهم أصحاب هذه السلطة الوهمية والتي يجب أن نحارب بها السلطة السياسية التي تريدها لنفسها.
عاشرا: لا يجوز لأي عاقل ترك شؤون الدين في وضع فوضوي لقمة سائغة اذا لم تتكفل الدولة بمسؤولية رعاية شؤون الدين حتى لا يستخدم أي دين للداعشية مثلا أو للابراهيمية الصهيونية مثلا وهما إرهاب ولا يوجد وسط هنا لأن كل من استخدم الدين حتى إذا ادعى انه ليس هذا ولا ذاك هو في نهاية الأمر هذا وذاك وجهان لعملة واحدة.
إن التزامنا تجاه الله أو تجاه الدولة أو تجاه الجار أو القريب أو الصديق ليس لأن بطاقة هويتنا  تحمل عبارة مسلم أو غير مسلم وخلاف ذلك ندخل طور الطوائف بدل التأكيد على المواطنة المدنية. وإن قضية الدين والدولة تماما كمثل قضية الصحة والعلاج. ولذلك سترعى الدولة بإذن الله دستوريا وواقعيا شؤون الدين دون تمييز مهما كان المواطن ومهما كان دينه ومهما كانت وظيفته أو رتبته أو وجاهته أو علمه أو سلطته أو ماله... فالدولة اما أن تكون دولة حق وعدل وحرية وكرامة ومساواة وانصاف وعناية وخدمة ورعاية وحماية وسيادة أو أنها لن تكون.
الدولة ليست تنظيما عقائديا وعلاقة الإنسان بالله ليست علاقة بالحاكم والحكومة لا تمثل الله على الأرض ونحن لا نريد لا انغلاقا حضاريا ولا انسلاخا حضاريا. والفصل نفسه بقي أو تغير لا يمنع لا الدين ولا منع الفساد باسم الدين أو دون اسمه. ولا معنى في الأخير لأي عقد حياة إذا كذبنا باسم الحياة الدينية وباسم حياة الدولة وجعلنا آخر همنا حياة الإنسان الذي يموت أمام أعيننا وامضينا وقتنا في التصيد التكفيري أو في التعصب العلمانوي.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

قبل رحيل الباجي قايد السبسي بسنتين أو ثلاث وبعد أن كثر الحديث عن تفكّك حزبه نداء تونس وتشرذمه لفا
07:05 - 2022/08/13
إن رقمنة الإدارة التونسية تعد من الضروريات التي فرضتها المرحلة الحالية خاصة بعد تداعيات جائحة كوف
07:05 - 2022/08/13
مازالت حربنا تدور رحاها . ومالنا ثابتين صامدين في خط المواجهة على خط النار .
07:00 - 2022/08/13
زخر صرح الإسلام بعلماء عظماء غادرونا تاركين بصمتهم وإبداعهم الفكري والمعرفي، ليهتدي بهم الأمم وال
07:00 - 2022/08/12
بقلم القاضي: الطاهر بن تركية (رئيس دائرة جنائية بمحكمة الإستئناف بتونس ومدرس بالمعهد الأعلى للقضا
07:00 - 2022/08/12
مرّ الاستفتاء وأخذ الدّستور الجديد الشرعيّة وبدأت تبرز انتظارات المواطنين في إجماع عريض ليتمّ الد
07:00 - 2022/08/08