بين قوّة الطبيعة واستنفار السلطة: تونس خسرت يوما.. وربحت دولة

بين قوّة الطبيعة واستنفار السلطة: تونس خسرت يوما.. وربحت دولة

تاريخ النشر : 13:09 - 2026/01/22

تؤكّد تداعيات الأمطار الطوفانية التي شهدتها البلاد بداية هذا الأسبوع أن تونس طوت صفحة جائحة كوفيد التي استشرى فيها الخوف من انهيار الدولة.
والواضح أن تحركات رئيس الجمهورية قد بثت شحنة من المعنويات كان لها أثرها العميق على فاعلية مؤسسات الدولة بقدر ما خففت وطأة الظرف على سائر أطياف الشعب لا سيما في المناطق الأكثر تضرّرا من الأمطار الغزيرة التي لم تشهد لها البلاد مثيلا منذ عقود طويلة وكان يمكن أن تكون تداعياتها أخطر لولا استنفار الدولة ورحمة اللّه عزّ وجلّ.
والواضح أيضا أن أجهزة الدولة وفي مقدمتها المؤسسات السيادية قد تعاطت مع الجائحة بروح التكافل وحرفية عالية تتجلى خاصة من خلال سيولة المعلومة وكثافة التدخلات التي راوحت بين شفط المياه من المساكن والأنهج وفتح طرقات غمرتها المياه ورفع عربات علقت في السيول ونجدة المواطنين الذين علقوا في سياراتهم وإجلاء عائلات إلى مراكز الإيواء.
ويمكن القول إن الخسائر البشرية والمادية كانت في حدها الأدنى أخذا في الاعتبار لعاملين اثنين أولهما غزارة الأمطار التي تراوح معدلها بين 200 و300 ميلمتر في ظرف زمني وجيز وثانيهما تداعيات جوائح مماثلة حصلت مؤخرا في أعتى الدول حيث تسببت الأمطار الطوفانية في مصرع أكثر من 200 شخص في مقاطعة الباسك الاسبانية فيما جرفت عشرات الأطفال في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية.
وبالمحصّلة تظل قوة الطبيعة فوق قدرات الدول لكن ما يصنع الفارق هو احساس المواطن بأن الدولة لم تتدخر أي جهد للتخفيف من وطأة الجائحة حتى تمر بأقل الأضرار.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الرسالة وصلت في ظل استنفار كل مؤسسات الدولة وفي مقدمتها أعلى هرم السلطة الذي يتجاوز خصوصية الظرف ليشيع الاحساس بأن المواطن ليس مجرّد رقم في بطاقة التعريف أو سجلات الحالة المدنية.
لكن لا ينبغي أن تمرّ هذه الجائحة دون استخلاص الدروس وفي مقدمتها أثار كارثة الانجراف البحري على استدامة الحياة في مساحات شاسعة من الشريط الساحلي حيث أصبح العمران في احتكاك مباشر مع أمواج البحر وهو ما بات يهدد بكوارث بشرية إذا لم يتم التعجيل بتنفيذ مخطط وطني لإعادة بناء كثبان الرمال يتجاوز بكثير قدرات وكالة حماية الشريط الساحلي.
كما حان الوقت للقيام بجرد شامل للنقاط السوداء التي تسد المجاري الطبيعية للمياه وتراكمت بسبب تشعب البناء الفوضوي على امتداد عقود طويلة والأهم من ذلك اتخاذ قرارات شجاعة لإزالة هذه الحواجز سواء كانت مساكن خاصة أو منشآت عمومية ففي بعض الأحياء تنحصر مياه الأمطار بسبب بيت أقيم على مجرى طبيعي للمياه أو منشأة عمومية لم تحترم معايير تصريف المياه.
والواضح أيضا أن آثار استدامة ظاهرتي الهجرة الداخلية والبناء الفوضوي باتت تفرض تنفيس الشريط الساحلي برسائل قوية تعيد جاذبية الشريطين الداخلي والوسيط بإحداث صندوق وطني لإعمار الولايات الداخلية يجسّد الترابط العضوي بين التوطين والتنمية الذي يفرض أدوات ومقاربات جديدة منها تنفيل الأجور في هذه المناطق والتفكير الجدي في نقل العاصمة السياسية إلى العمق التونسي ولا سيما مدينة القيروان التي تتميز بخصوصية جغرافية وحضارية تؤهلها لأن تكون رافعة للتنمية في الشريطين الوسيط والداخلي.
إن هذا العالم المخيف الذي يتفاعل من حولنا يحفزنا على الاهتمام أكثر بأوضاعنا الداخلية بروح التكاتف والتضامن وفي كنف الوعي بأن القدرات المتاحة في الداخل كفيلة بتحقيق تطلعات كافة أبناء الشعب التونسي متى توفرت العزيمة وحصلت القطيعة المنشودة مع ثقافة تأجيل الأزمات والقضايا
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

أعلنت مصالح الحماية المدنية عن حصيلة التدخلات الميدانية المسجّلة بعدد من ولايات الجمهورية، إلى غا
14:58 - 2026/01/22
أكد الرئيس المدير العام لشركة نقل تونس عبد الرؤوف الصالح استئناف حركة الجولان كل خطوط المترو والح
14:52 - 2026/01/22
قال عضو المكتب التنفيذي للاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري طارق المخزومي الخميس 22 جانفي 2026،
14:45 - 2026/01/22
أعلنت الجامعة الوطنية للبلديات التونسية، عن اختيار 27 بلدية في إطار تجديد هيكلة شبكة التخطيط المح
14:00 - 2026/01/22
توفي 5 أشخاص جراء الفيضانات التي شهدتها عدة مناطق في البلاد ، 4 من مدينة المكنين في ولاية المنستي
13:06 - 2026/01/22
أكد عضو المجلس المحلي بتونس المدينة حسني مرعي انه تم على إثر التقلبات الجوية الأخيرة تسجيل انهيار
11:38 - 2026/01/22
أعلنت شركة نقل تونس استئناف جولان خطوط المترو تدريجيا بداية من الساعة 7 و10 دق
08:20 - 2026/01/22