مع الشروق : عالـم بلا قواعد
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/01/22
لم يكن تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في دافوس مجرد توصيف عابر لحالة دولية مضطربة، بل كان اعترافا صريحا بأن النظام العالمي القائم على القانون الدولي بات يترنح تحت وطأة منطق جديد هو منطق القوة العارية، فحين يقول ماكرون إن العالم يتجه نحو "عالم بلا قواعد، حيث يُدهس القانون الدولي بالأقدام"، فإنه يضع إصبعه على المعضلة الكبرى، انهيار فكرة العدالة الدولية أمام تغوّل المصالح الجيوسياسية، وتحوّل القانون من مرجعية ضابطة للسلوك الدولي إلى مجرد أداة انتقائية تُستعمل حين تخدم الأقوياء وتُهمل حين تعيق مشاريعهم.
فالعالم اليوم لا يُدار بمنطق "ما هو قانوني"، بل بمنطق "ما هو ممكن بالقوة"، وهذا التحول ليس نظريا ولا فلسفيا، بل يتجلى في ممارسات واضحة وصادمة، تقودها بالأساس القوى الكبرى التي يفترض أنها حارسة النظام الدولي، فالولايات المتحدة، التي طالما قدّمت نفسها باعتبارها راعية "النظام الليبرالي العالمي"، أصبحت في عهدة ترامب المثال الأبرز على تجاهل القواعد التي ساهمت هي نفسها في صياغتها.
ولا شكّ أن ما حدث مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، من اعتقال مباشر ليس سوى تجلٍ واضح لهذا التمشي، فعندما يعامل رئيس دولة ذات سيادة كـ"مجرم مطارد"، ليس بقرار محكمة دولية، ولا بناء على إجماع قانوني أممي، بل وفق منطق سياسي أحادي يحدد من هو "شرعي" ومن هو "غير شرعي"، فإن في ذلك دوس على القواعد المشتركة عالميا مهما كانت شرعية المبررات.
والأمر ذاته يتكرر في مسألة جزيرة غرينلاند، فحين يطرح الرئيس ترامب وضع اليد على جزيرة تابعة لدولة ذات سيادة، فقط لأنها "موقع استراتيجي مهم"، فإننا أمام منطق لم تعد الهيمنة تُمارس فيه في الخفاء، بل تُعلن على الملأ، باعتبارها حقا طبيعيّا للأقوى، وتكريس لمبدأ يقوم على أن العالم فضاء مفتوح لمن يملك القوة.
ومن الثابت أن تراجع منطق القانون الدولي لا يحدث فجأة، بل هو نتيجة مسار طويل من تآكل الثقة في المؤسسات الأممية، ومن تحويل مجلس الأمن إلى ساحة صراع نفوذ بدل أن يكون ضامنا للسلم العالمي، إذ أن حق الفيتو لم يعد أداة استثنائية لحماية الاستقرار، بل أصبح سلاحا لتعطيل العدالة، وتبرير الجرائم، وحماية الحلفاء مهما كانت انتهاكاتهم.
وفي هذا السياق، لا تبدو المأساة الفلسطينية استثناء، بل نموذجا صارخا لهذا العالم الجديد، حيث القانون الدولي يُنتهك يوميا، والقرارات الأممية تُضرب عرض الحائط، والجرائم الموثقة بلا محاسبة، فقط لأن المعتدي يحظى بحماية القوة العظمى.
فتصريح ماكرون، رغم أهميته، يطرح سؤالا ملحّا حول مدى استعداد القوى الغربية للدفاع عن القانون الدولي، بدل الاكتفاء بتشخيص الأزمة دون الإرادة الحقيقية لتغييرها، لأن الاعتراف بالمرض لا يكفي إذا لم يُرافقه استعداد للتخلي عن الامتيازات التي يمنحها منطق القوة.
فمن الثابت أن العالم اليوم أمام مفترق طرق خطير، إما أن يُعاد الاعتبار لمنظومة القانون الدولي باعتبارها شرطا لبقاء الإنسانية، لا مجرد خيار أخلاقي، أو أن الانزلاق إلى شريعة الغاب، حيث السيادة تُقاس بحجم الترسانة، والحقوق تُمنح بميزان المصالح، والعدالة تصبح ترفا أخلاقيا لا مكان له في قاموس السياسة.
فقانون الأقوى لا يبني عالما مستقرا، بل عالما هشا، قائما على الخوف لا على الثقة، وعلى الردع لا على العدالة، وهو منطق قد يخدم القوى المهيمنة مؤقتا، لكنه يحمل في داخله بذور الفوضى الشاملة، فحين يسقط القانون عن الآخرين، يسقط في النهاية عن الجميع.
هاشم بوعزيز
لم يكن تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في دافوس مجرد توصيف عابر لحالة دولية مضطربة، بل كان اعترافا صريحا بأن النظام العالمي القائم على القانون الدولي بات يترنح تحت وطأة منطق جديد هو منطق القوة العارية، فحين يقول ماكرون إن العالم يتجه نحو "عالم بلا قواعد، حيث يُدهس القانون الدولي بالأقدام"، فإنه يضع إصبعه على المعضلة الكبرى، انهيار فكرة العدالة الدولية أمام تغوّل المصالح الجيوسياسية، وتحوّل القانون من مرجعية ضابطة للسلوك الدولي إلى مجرد أداة انتقائية تُستعمل حين تخدم الأقوياء وتُهمل حين تعيق مشاريعهم.
فالعالم اليوم لا يُدار بمنطق "ما هو قانوني"، بل بمنطق "ما هو ممكن بالقوة"، وهذا التحول ليس نظريا ولا فلسفيا، بل يتجلى في ممارسات واضحة وصادمة، تقودها بالأساس القوى الكبرى التي يفترض أنها حارسة النظام الدولي، فالولايات المتحدة، التي طالما قدّمت نفسها باعتبارها راعية "النظام الليبرالي العالمي"، أصبحت في عهدة ترامب المثال الأبرز على تجاهل القواعد التي ساهمت هي نفسها في صياغتها.
ولا شكّ أن ما حدث مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، من اعتقال مباشر ليس سوى تجلٍ واضح لهذا التمشي، فعندما يعامل رئيس دولة ذات سيادة كـ"مجرم مطارد"، ليس بقرار محكمة دولية، ولا بناء على إجماع قانوني أممي، بل وفق منطق سياسي أحادي يحدد من هو "شرعي" ومن هو "غير شرعي"، فإن في ذلك دوس على القواعد المشتركة عالميا مهما كانت شرعية المبررات.
والأمر ذاته يتكرر في مسألة جزيرة غرينلاند، فحين يطرح الرئيس ترامب وضع اليد على جزيرة تابعة لدولة ذات سيادة، فقط لأنها "موقع استراتيجي مهم"، فإننا أمام منطق لم تعد الهيمنة تُمارس فيه في الخفاء، بل تُعلن على الملأ، باعتبارها حقا طبيعيّا للأقوى، وتكريس لمبدأ يقوم على أن العالم فضاء مفتوح لمن يملك القوة.
ومن الثابت أن تراجع منطق القانون الدولي لا يحدث فجأة، بل هو نتيجة مسار طويل من تآكل الثقة في المؤسسات الأممية، ومن تحويل مجلس الأمن إلى ساحة صراع نفوذ بدل أن يكون ضامنا للسلم العالمي، إذ أن حق الفيتو لم يعد أداة استثنائية لحماية الاستقرار، بل أصبح سلاحا لتعطيل العدالة، وتبرير الجرائم، وحماية الحلفاء مهما كانت انتهاكاتهم.
وفي هذا السياق، لا تبدو المأساة الفلسطينية استثناء، بل نموذجا صارخا لهذا العالم الجديد، حيث القانون الدولي يُنتهك يوميا، والقرارات الأممية تُضرب عرض الحائط، والجرائم الموثقة بلا محاسبة، فقط لأن المعتدي يحظى بحماية القوة العظمى.
فتصريح ماكرون، رغم أهميته، يطرح سؤالا ملحّا حول مدى استعداد القوى الغربية للدفاع عن القانون الدولي، بدل الاكتفاء بتشخيص الأزمة دون الإرادة الحقيقية لتغييرها، لأن الاعتراف بالمرض لا يكفي إذا لم يُرافقه استعداد للتخلي عن الامتيازات التي يمنحها منطق القوة.
فمن الثابت أن العالم اليوم أمام مفترق طرق خطير، إما أن يُعاد الاعتبار لمنظومة القانون الدولي باعتبارها شرطا لبقاء الإنسانية، لا مجرد خيار أخلاقي، أو أن الانزلاق إلى شريعة الغاب، حيث السيادة تُقاس بحجم الترسانة، والحقوق تُمنح بميزان المصالح، والعدالة تصبح ترفا أخلاقيا لا مكان له في قاموس السياسة.
فقانون الأقوى لا يبني عالما مستقرا، بل عالما هشا، قائما على الخوف لا على الثقة، وعلى الردع لا على العدالة، وهو منطق قد يخدم القوى المهيمنة مؤقتا، لكنه يحمل في داخله بذور الفوضى الشاملة، فحين يسقط القانون عن الآخرين، يسقط في النهاية عن الجميع.
هاشم بوعزيز