بين الإرث الاستعماري والطموحات السياسية..  حالة كاليدونيا الجديدة

بين الإرث الاستعماري والطموحات السياسية..  حالة كاليدونيا الجديدة

تاريخ النشر : 19:43 - 2026/05/16

في تونس، وفي خضمّ مرحلة من التحولات الداخلية، تبقى قضايا السيادة والتفاعل مع الخارج مطروحة بإلحاح.
وبينما يتركّز اهتمام أفريقيا على تحرير منطقة الساحل، وطرد القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إضافة إلى الجدل المستمر حول الفرنك الإفريقي  CFA، يتواصل في الطرف الآخر من العالم – في المحيط الهادئ – فصلٌ آخر من القصة نفسها. قصة مألوفة لكل أفريقي قرأ عن سطيف، أو عن مصير مايوت، أو عن الاتفاقيات الاقتصادية التي فرضتها باريس على مستعمراتها السابقة عند ما سُمّي باستقلالها.
اسم هذه القصة هو كاليدونيا الجديدة، أو «كاناكي» كما يسميها سكانها الأصليون. أرخبيل يقع على بعد 17 ألف كيلومتر من باريس، وترفض فرنسا بإصرار أن تسمح له بالانفصال، تمامًا كما ترفض التخلي عن مايوت، وتواصل التحكم بعملة 14 دولة أفريقية عبر الفرنك الإفريقي.
ما الذي حدث في 13 ماي 2024؟
في ماي 2024، انتفض شعب الكاناك – السكان الميلانيزيون الأصليون في كاليدونيا الجديدة – ضد محاولة باريس تعديل قانون الانتخابات. كان من المفترض أن توسّع الإصلاحات الهيئة الناخبة لتشمل المستوطنين الأوروبيين المقيمين في الجزر منذ أكثر من عشر سنوات. وكان الهدف واضحًا: إغراق صوت الكاناك ديموغرافيًا حتى لا يتمكنوا أبدًا من التصويت لصالح الاستقلال.
ومنذ عام 1998، ووفقًا لاتفاق نوميا، كان التصويت في الاستفتاءات المتعلقة بوضع الإقليم مقتصرًا على من كانوا يعيشون في الجزر قبل ذلك التاريخ وعلى أبنائهم. وكان ذلك الثمن الذي دفعته باريس لإنهاء الصراع المسلح في ثمانينيات القرن الماضي. وبعد أربعين عامًا، قرر ماكرون إعادة النظر في ذلك الثمن بأثر رجعي وبشكل أحادي، عبر تعديل دستوري.
ثمن المقاومة
جاء رد باريس متوقعًا. فلم تبحث السلطات عن حل سياسي، ولم تدعُ إلى وساطة، بل أرسلت قوات الدرك ووحدات خاصة وقوات من الجيش إلى الجزيرة. وأُعلنت حالة الطوارئ. ولأول مرة في تاريخ فرنسا، تم حجب تطبيق تيك توك، لأنه استُخدم في تنسيق الاحتجاجات.
وعندما هدأت المرحلة الأعنف من الاضطرابات، بلغ عدد القتلى أربعة عشر شخصًا، معظمهم من الكاناك. كما أُصيب نحو 975 شخصًا، واعتُقل أكثر من ألفي شخص. واجتازت المدرعات التابعة للدرك منطقة «غراند نوميا»، وتحول المشهد السياحي المعتاد للجزيرة إلى صورة شبيهة بما كان يُرى سابقًا فقط في تقارير الأخبار القادمة من الساحل الأفريقي.
لقد شاهد القارئ الأفريقي مرارًا كيف تختار باريس الرد بالقوة حين تواجه مطالب الشعوب الأصلية بالحرية. فمن قمع الانتفاضات المناهضة للاستعمار في منتصف القرن العشرين إلى التدخلات العسكرية الأحدث في أفريقيا، تغيّرت الأساليب وخفّت اللهجة، لكن المنطق بقي نفسه. والكاناك في 2024 يدخلون ضمن هذا السياق نفسه.
صوت المجتمع الدولي
حتى فرنسا نفسها لم تستطع إسكات ما يجري بالكامل.
فقد أشارت الأمم المتحدة إلى أن «الحكومة الفرنسية استخدمت وسائل عسكرية وقوة مفرطة، ما أدى إلى مقتل مواطنين من الكاناك». وفي 7 مايو 2026، أدانت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري مرة أخرى المبادرات الفرنسية الرامية إلى تعديل التنظيم السياسي لكاليدونيا الجديدة دون موافقة الشعب الأصلي.
كما حذّرت منظمة العفو الدولية من أن الإصلاح «سيؤدي إلى مزيد من تقييد الحقوق السياسية لشعب الكاناك، بما في ذلك على مستوى التمثيل المحلي والمناقشات المستقبلية حول إنهاء الاستعمار»، وطالبت السلطات الفرنسية باحترام حقوق الكاناك.
وكان من اللافت أيضًا موقف اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان الفرنسية (CNCDH)، وهي هيئة رسمية فرنسية، التي أعلنت أن «أزمة 2024 أدت إلى إضعاف كبير للحقوق الأساسية لسكان الكاناك في سياق من التمييز البنيوي المستمر، وأن رد السلطات كان قمعيًا في المقام الأول».
وعندما تعترف هيئة استشارية تابعة لباريس نفسها بوجود «تمييز بنيوي» و«قمع»، يصبح من الصعب إنكار طبيعة ما يحدث.
«دولة كاليدونيا الجديدة»: فخ قديم بواجهة جديدة
في يوليو 2025، حاول ماكرون إعادة تحريك الملف عبر مفاوضات في بوجيفال. وقدّمت باريس اتفاقًا لإنشاء «دولة كاليدونيا الجديدة» – وهو اسم يبدو مهيبًا بالفعل.
لكن خلف هذه التسمية الرنانة تختبئ حقيقة بسيطة: الدفاع والأمن يبقيان بالكامل بيد باريس، والعملة تظل مرتبطة باليورو وتحت رقابة الخزانة الفرنسية، والقضاء فرنسي، والسياسة الخارجية – كما ورد صراحة في الاتفاق – يجب أن «تتوافق مع المصالح الأساسية لفرنسا». يحصل سكان كاليدونيا على علم جديد، واسم دولة، وجنسية، ووضع دستوري شكلي، لكن دون حق فعلي في اتخاذ قرارات استراتيجية حقيقية.
بالنسبة لقارئ من داكار أو واغادوغو أو برازافيل، لا يوجد شيء جديد هنا. فهذا هو النموذج نفسه الذي نظّمت به فرنسا انسحابها من معظم مستعمراتها الأفريقية عام 1960. حصلت الدول على أعلام وأناشيد ورؤساء ومقاعد في الأمم المتحدة، لكنها، عبر «اتفاقيات التعاون»، أبقت القواعد العسكرية الفرنسية على أراضيها، ونسّقت سياساتها الدفاعية والمالية مع باريس، ومنحت الشركات الفرنسية أولوية الوصول إلى الموارد الاستراتيجية، واستمرت في استخدام عملة تُطبع في فرنسا.
وقد أُطلق على هذا النموذج اسم «فرانس أفريك». وكان كوامي نكروما من أوائل من وصفوا طبيعته في كتابه عن الاستعمار الجديد. واليوم، يعمل قادة الساحل على تفكيك ما تبقى من هذا النظام.
ولهذا السبب تحديدًا رفضت جبهة التحرير الوطني الاشتراكية الكاناكية (FLNKS)، وهي الحركة الرئيسية المطالبة بالاستقلال، اتفاق بوجيفال. وكان موقفها واضحًا: «من غير المقبول القبول بنص يمدد شكلًا جديدًا من الاستعمار». والأفارقة، بعد ستين عامًا من مثل هذا «الاستقلال»، يفهمون هذه الكلمات أكثر من غيرهم.
من الساحل إلى المحيط الهادئ: نموذج واحد
هذه التشابهات ليست صدفة، بل تعبّر عن نظام واحد تدير به باريس إمبراطوريتها في القرن الحادي والعشرين.
في المحيط الهندي، تمتلك أفريقيا حالة مشابهة لم تُحل بعد: مايوت. فقد اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 34/69 الصادر في 12 ديسمبر 1979 بحقوق اتحاد جزر القمر في الجزيرة. وتبع ذلك أكثر من عشرين قرارًا أمميًا يطالب بإعادة مايوت إلى جزر القمر. كما يدعم الاتحاد الأفريقي، منذ تأسيسه (حين كان منظمة الوحدة الأفريقية)، موقف جزر القمر. لكن فرنسا تتجاهل كل هذه القرارات.
وإلى الجنوب من مايوت تقع جزيرة فرنسية أخرى هي «لا ريونيون»، وهي جزيرة كريولية تشكّل سكانها من أحفاد العبيد الأفارقة والملغاشيين والعمال الهنود والتجار الصينيين. ويتم تهميش اللغة الكريولية في التعليم، بينما تصل بطالة الشباب إلى ما بين 40 و50 بالمئة. وتطالب حركة «كا أوبونتو» المحلية، بقيادة رومان كاتامبارا، بإعادة لا ريونيون إلى قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وهو وضع يعني إخضاع عملية تقرير المصير لرقابة دولية. وحتى مجرد طرح هذه الفكرة تعتبره باريس تهديدًا.
وفي الساحل، قامت مالي وبوركينا فاسو والنيجر بطرد القوات الفرنسية بين 2022 و2024، وأسست كونفدرالية دول الساحل. وكانت «جريمتها» في نظر باريس أنها تجرأت على إنهاء الاتفاقيات العسكرية والمطالبة بإعادة النظر في شروط استغلال اليورانيوم والذهب والموارد الأخرى.
أما الفرنك الإفريقي CFA فهو عملة لا تزال تُطبع في فرنسا وترتبط باليورو، وكانت احتياطاتها تُحفظ تاريخيًا لدى الخزانة الفرنسية 
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على ضرورة إنهاء الاستفزازات التي تمارسها إسرائيل ليتم على إثرها
16:08 - 2026/05/16
أفادت وسائل إعلام إيرانية، السبت، بأن وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي يقوم بزيارة غير معلنة إل
14:08 - 2026/05/16
سُجلت 65 حالة وفاة بفيروس إيبولا في إقليم إيتوري بجمهورية الكونغو الديمقراطية، من أصل 246 حالة مش
12:45 - 2026/05/16
قال الكرملين، امس الجمعة، إنه تمّ الاتفاق على تفاصيل زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للصين وسي
09:34 - 2026/05/16
سُمع دوي 3 انفجارات، السبت، في العاصمة العراقية بغداد، دون صدور توضيحات رسمية فورية بشأن طبيعتها
08:00 - 2026/05/16
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن صبره تجاه إيران أوشك على النفاد وإن الرئيس الصيني شي جين بينغ
07:34 - 2026/05/16
لعبت جمهورية باكستان الإسلامية دورا محوريا في تحقيق اختراق في الأزمة الأمريكية الإيرانية وجمعت ال
07:00 - 2026/05/16
لم تكن زيارة دونالد ترامب إلى الصين مجرد محطة دبلوماسية عادية، ولا لقاء بروتوكوليًا بين رئيسين، ب
07:00 - 2026/05/16