بقلم عبد الجليل المسعودي: قناعات تسقط وحقائق تثبت

بقلم عبد الجليل المسعودي: قناعات تسقط وحقائق تثبت

تاريخ النشر : 13:31 - 2020/03/31

من كان يعتقد ان كائنا متناهي الصغر، لا يُرى، قادر ان يزعزع العالم بمثل هذه القوّة؟
فيروس الكورونا اجتاح العالم بسرعة  مذهلة اسقطت قناعات كثيرة كنا نظنها ثوابت، و ثبّت أخرى كنا نعتقد انها مرّت و تجاوزها الزمن.
و من  القناعات التي أوقعتها الكورونا تلك التي  
تسلّم بالأولية القصوى  للاقتصاد على ايّ اعتبار آخر، بما فيه حاجيات الإنسان الأساسية، و هو ما يُعرّف ب" الاقتصادوية"( l’économisme) التي تجعل من النموّ الاقتصادي هدفا و تجعل من الإنسان مجرد آلة لتحقيق هذا الهدف. حتى إذا حلّت الكارثة و ظهر الوباء لم تقدر دول تُعتبر قوى اقتصادية كبرى في حجم الولايات المتحدة الأمريكية او فرنسا او إيطاليا  على تلبية ابسط حاجيات شعبها لتوقّي الوباء من أقنعة او مواد تنظيف للأيدي أثمانها دراهم معدودة، هذا فضلا عن المستشفيات التي ضاقت سريعا بمرضاها ولم تستطع استيعابهم و تركتهم في بعض الحالات يواجهون مصيرهم المحتوم.
الاقتصاد لا يمكن ان يكون هدفا في حدّ ذاته و لا  يمكنه ان ينتج قيّما اعلى و أغلى من قيمة الإنسان.و صحة الإنسان لها كلفة لكن ليس لها ثمن. و تلك هي الحقيقة الثابتة  التي أعادها  الى الأذهان الفيروس المخفي.
من القناعات الأخرى التي لم تصمد أمام التفشي الجنوني لجائحة الكورونا ،ان العولمة اكتملت و تحققت و انتصر بفضلها الإنسان على كل آفاته و علله و أوجاعه.العولمة ساعدت، لكنها لم تحلّ كل المشاكل. بل انها سببت مشاكل أخرى اكثر خطورة و عمقت الفوارق بين الفقراء و الأغنياء،  وكرست هيمنة ثقافات على أخرى، و زادت من احساس القهر و الاستبداد...وحتى الثقافات المهيمنة اتضح انها عاجزة و انها ام تُأتَ من العلم الا قليلا.
   و الحقيقة كذلك ان جائحة الكورونا اثبتت بصورة جلية ان ليس للإنسان اهمّ و اكثر نفعا من الإنسان.
إنه التضامن، و هو ليس فقط قيمة اجتماعية حضارية، وإنما هو  أيضا حاجة حيويّة ماسّة لمحاربة الفقر و المرض و الوحدة، و للمحافظة على إنسانية الإنسان.
وأنه لمن الغريب حقا ان تخلو تشكيلتنا الحكومية  الحالية من وزارة خاصة مكرّسة للسياسة التضامنية، و الحال اننا في اشد الحاجة الى كل أشكال التضامن، اليوم و غدا.تضامن اقتصادي، تضامن اجتماعي، تضامن ثقافي، تضامن  بين الجهات، تضامن بين الأجيال... 
ان التضامن هو أسمى معاني الإنسانية، و هو ارفع درجة على سلّم  المواطنة.
و باسم هذه القيمة التي لا تضاهيها قيمة أخرى،  لا يمكننا اليوم الا ان نوجّه تحية تقدير وإكبار الى شبابنا الذي يتطوّع لمدّ يد العون لمعوزينا و لمسنّينا.لان التطوّع هو زهرة التضامن.
و التضامن يفرض علينا كلنا مواطني هذا البلد الضارب جذوره في التاريخ ان نكبر مجهودات مجاهدينا الحقيقيين الواقفين بإيمان و ثبات في الصفوف الأولى من صحيين ( أطباء و ممرضين و فنيين) و أمنيين، و جنود،وكذلك فلاحيينا، وخبّازينا، و رجال النظافة، و السوّاق الذين ينقلون البشر و السلع، و أمينات الصناديق في المغازات العامة و كل العاملين امثالهم حتى نحافظ على حبل الحياة الرابط بيننا جميعا.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

استمعت  أول أمس الاثنين إلى بعض مداخلات الزملاء النواب تحت قبة البرلمان، فسمعت من يدعو إلى سحب ال
07:00 - 2026/07/29
 أيا ما كان مصير مساعى الوسطاء فى باكستان وفي قطر ، فإن العودة للتفاوص الأمريكي الإيرانى ، لن تؤد
07:00 - 2026/07/27
بعد أكثر من عقد على ما سُمّي بثورة الياسمين، أصبح التونسي يبحث عن الماء والكهرباء وأبسط مقومات ال
07:00 - 2026/07/26
كتب ابن خلدون منذ أكثر من سبعة قرون أنّ  التجارة من السلطان مُضِرّة بالرعايا مُفسدة للجباية لأنّ
07:00 - 2026/07/26
العائلة هي محطتنا الأولى التي تشكّل ملامح أرواحنا، والرحم النفسي والاجتماعي الذي يولد فيه الإنسان
07:00 - 2026/07/26
تعد تونس من أوائل الدول التي سعت لتنظيم الحياة السياسية وذلك بإصدار قانون عهد الأمان في سنة 1857
07:00 - 2026/07/25
تمرّ تونس اليوم بمرحلة دقيقة من تاريخها، تتجاوز في خطورتها حدود الأزمات الاقتصادية والمالية والاج
07:00 - 2026/07/20
بينما كان مروجو الإشاعات والأخبار الزائفة يحاولون بث الخوف والهلع في نفوس التونسيين، اختار السيد
07:00 - 2026/07/20