مع الشروق : السوق والأسعار .. خارج سيطرة الدولة!
تاريخ النشر : 19:16 - 2026/03/12
سيذكر التاريخ لاحقا ما حصل خلال شهر رمضان الجاري من «توحش» للأسعار وخروج عن سيطرة الرقابة خاصة بالنسبة للمواد الاستهلاكية الحساسة التي يكثر عليها الإقبال خلال شهر الصيام وفي مقدمتها اللحوم والخضر والغلال والمصبرات الغذائية بأنواعها ولم تسلم الا المواد المدعمة.. فقد فاقت الأسعار القدرة الشرائية لكثيرين وهو ما جعلهم يعجزون عن تلبية أغلب حاجاتهم خلال شهر الصيام.
موسم استهلاكي آخر يكتوي فيه التونسيون بنار الأسعار ويتحوّل فيه التجار والمنتجون إلى «وحوش» لا ترحم ولا همّ لها غير تحقيق ربح وفير بشكل سريع بعيدا عن شفافية ونزاهة التعامل التجاري. وهي مظاهر أصبحت مألوفة لدى المواطن وتنغّص فرحته في مختلف المواسم الاستهلاكية الأخرى على غرار عيد الأضحى والمولد النبوي ورأس السنة الميلادية والعودة المدرسية وموسم الاصطياف، دون أن يقدر على فعل شيء.
ولعل ما يثير التساؤل والحيرة في تونس هو أن الأسعار لم تعد مرتبطة بوفرة الانتاج ولا بقاعدة العرض والطلب ولم تعد خاضعة لقواعد المنافسة والنزاهة والشفافية ولا أيضا للقوانين واجراءات تحديد هوامش لربح ، بل تخضع لاهواء وجشع التجار والمنتجين والوسطاء. وهي ظاهرة تكاد تتفرد بها بلادنا وتكشف عن مستوى مرتفع من الفوضى وسوء التنظيم بلغته السوق ومسالك التوزيع.
وما يثير الاستغراب أكثر هو أن بلادنا تتوفر بها كل مقومات الإنتاج الوفير لمختلف المنتجات الغذائية الطازجة كاللحوم والاسماك والخضر والغلال والحليب ومشتقاته إضافة إلى زيت الزيتون والتمور.. كما تتوفر بها ايضا كل مقومات إنتاج المصبرات الغذائية بتكاليف غير مرتفعة نظرا لوفرة إنتاج المنتجات الفلاحية الاولية. ويعود الفضل في ذلك إلى المناخ المعتدل ووفرة الامطار والأراضي الشاسعة والخصبة. غير ان كل هذه الميزات لم تعد تشفع للمواطن لياكل خيرات بلاده باسعار معقولة تراعي مقدرته الشرائية.
يُحمل التونسيون مسؤولية فوضى السوق والارتفاع المشط للأسعار في بلادنا إلى تراجع الجانب الردعي وضعف وهشاشة الدور الرقابي لأجهزة الدولة. وهو ما أدى الى تضاعف التجاوزات المرتكبة وتزايد عدد «مجرمي السوق» الذين أصبح بعضهم خارج السيطرة تقريبا بعد أن أصبحوا ينشطون في شكل عصابات متشابكة عبر كامل الجمهورية تجد امامها التسهيلات وتتوفر لها فرص الافلات من العقاب.
يحصل كل ذلك رغم ترسانة القوانين الموجودة المنظمة للسوق والاسعار ورغم توفر أجهزة رقابية ناشطة . غير ان كل ذلك لم يعد يحقق الردع المطلوب في ظل ضعف أعمال الرقابة واقتصارها على المناسبات وعدم ارتباطها بالتكنولوجيات الحديثة القادرة على كشف التجاوزات مثل كاميرات المراقبة والفوترة الالكترونية وتنظيم مسالك التوزيع بالطرق الرقمية. كما أن من أسباب عدم تحقيق الردع المطلوب ضعف العقوبات المسلطة على المخالفين والتي لا تتعدى في غالب الأحيان خطايا مالية ضعيفة.
لم يعد بإمكان التونسيين اليوم تحمل المزيد من فوضى السوق والتهاب الأسعار وانتشار مظاهر السمسرة والابتكار والمضاربة على مرأى ومسمع من أجهزة الدولة. فقد أصبحت أغلب اسعار المواد الاستهلاكية تفوق بكثير المقدرة الشرائية لأغلب المواطنين ولم يعد بإمكان العديد تلبية حاجاتهم من الغذاء المتوازن والسليم وهو ما قد يهدد بأزمة صحية نتيجة سوء التغذية مثلما يهدد بحالة استياء اجتماعي. وهو ما أصبح يحتم أكثر من أي وقت مضى جلوس مختلف أجهزة الدولة المعنية بهذا الملف على طاولة واحدة والخروج بحل جذري، جريء وصارم لوقف فوضى السوق وإعادة الأسعار إلى رشدها وتحديد العقاب تجاه المخالفين.. فهل سيصعب ذلك على دولة ذات تقاليد عريقة في مجال المراقبة الاقتصادية وتنظيم السوق والتحكم في الأسعار وبيديها كل وسائل الرقابة والردع؟
فاضل الطياشي
سيذكر التاريخ لاحقا ما حصل خلال شهر رمضان الجاري من «توحش» للأسعار وخروج عن سيطرة الرقابة خاصة بالنسبة للمواد الاستهلاكية الحساسة التي يكثر عليها الإقبال خلال شهر الصيام وفي مقدمتها اللحوم والخضر والغلال والمصبرات الغذائية بأنواعها ولم تسلم الا المواد المدعمة.. فقد فاقت الأسعار القدرة الشرائية لكثيرين وهو ما جعلهم يعجزون عن تلبية أغلب حاجاتهم خلال شهر الصيام.
موسم استهلاكي آخر يكتوي فيه التونسيون بنار الأسعار ويتحوّل فيه التجار والمنتجون إلى «وحوش» لا ترحم ولا همّ لها غير تحقيق ربح وفير بشكل سريع بعيدا عن شفافية ونزاهة التعامل التجاري. وهي مظاهر أصبحت مألوفة لدى المواطن وتنغّص فرحته في مختلف المواسم الاستهلاكية الأخرى على غرار عيد الأضحى والمولد النبوي ورأس السنة الميلادية والعودة المدرسية وموسم الاصطياف، دون أن يقدر على فعل شيء.
ولعل ما يثير التساؤل والحيرة في تونس هو أن الأسعار لم تعد مرتبطة بوفرة الانتاج ولا بقاعدة العرض والطلب ولم تعد خاضعة لقواعد المنافسة والنزاهة والشفافية ولا أيضا للقوانين واجراءات تحديد هوامش لربح ، بل تخضع لاهواء وجشع التجار والمنتجين والوسطاء. وهي ظاهرة تكاد تتفرد بها بلادنا وتكشف عن مستوى مرتفع من الفوضى وسوء التنظيم بلغته السوق ومسالك التوزيع.
وما يثير الاستغراب أكثر هو أن بلادنا تتوفر بها كل مقومات الإنتاج الوفير لمختلف المنتجات الغذائية الطازجة كاللحوم والاسماك والخضر والغلال والحليب ومشتقاته إضافة إلى زيت الزيتون والتمور.. كما تتوفر بها ايضا كل مقومات إنتاج المصبرات الغذائية بتكاليف غير مرتفعة نظرا لوفرة إنتاج المنتجات الفلاحية الاولية. ويعود الفضل في ذلك إلى المناخ المعتدل ووفرة الامطار والأراضي الشاسعة والخصبة. غير ان كل هذه الميزات لم تعد تشفع للمواطن لياكل خيرات بلاده باسعار معقولة تراعي مقدرته الشرائية.
يُحمل التونسيون مسؤولية فوضى السوق والارتفاع المشط للأسعار في بلادنا إلى تراجع الجانب الردعي وضعف وهشاشة الدور الرقابي لأجهزة الدولة. وهو ما أدى الى تضاعف التجاوزات المرتكبة وتزايد عدد «مجرمي السوق» الذين أصبح بعضهم خارج السيطرة تقريبا بعد أن أصبحوا ينشطون في شكل عصابات متشابكة عبر كامل الجمهورية تجد امامها التسهيلات وتتوفر لها فرص الافلات من العقاب.
يحصل كل ذلك رغم ترسانة القوانين الموجودة المنظمة للسوق والاسعار ورغم توفر أجهزة رقابية ناشطة . غير ان كل ذلك لم يعد يحقق الردع المطلوب في ظل ضعف أعمال الرقابة واقتصارها على المناسبات وعدم ارتباطها بالتكنولوجيات الحديثة القادرة على كشف التجاوزات مثل كاميرات المراقبة والفوترة الالكترونية وتنظيم مسالك التوزيع بالطرق الرقمية. كما أن من أسباب عدم تحقيق الردع المطلوب ضعف العقوبات المسلطة على المخالفين والتي لا تتعدى في غالب الأحيان خطايا مالية ضعيفة.
لم يعد بإمكان التونسيين اليوم تحمل المزيد من فوضى السوق والتهاب الأسعار وانتشار مظاهر السمسرة والابتكار والمضاربة على مرأى ومسمع من أجهزة الدولة. فقد أصبحت أغلب اسعار المواد الاستهلاكية تفوق بكثير المقدرة الشرائية لأغلب المواطنين ولم يعد بإمكان العديد تلبية حاجاتهم من الغذاء المتوازن والسليم وهو ما قد يهدد بأزمة صحية نتيجة سوء التغذية مثلما يهدد بحالة استياء اجتماعي. وهو ما أصبح يحتم أكثر من أي وقت مضى جلوس مختلف أجهزة الدولة المعنية بهذا الملف على طاولة واحدة والخروج بحل جذري، جريء وصارم لوقف فوضى السوق وإعادة الأسعار إلى رشدها وتحديد العقاب تجاه المخالفين.. فهل سيصعب ذلك على دولة ذات تقاليد عريقة في مجال المراقبة الاقتصادية وتنظيم السوق والتحكم في الأسعار وبيديها كل وسائل الرقابة والردع؟
فاضل الطياشي