مع الشروق : صراع الإستراتيجيات يحسم الصراع
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/03/12
بينما تنشغل واشنطن وتل أبيب بإحصاء عدد الغارات وحجم الأطنان المتفجرة التي أُلقيت فوق الجغرافيا الإيرانية، يبدو أن هناك حقيقة بيّنة بدأت تتسرب من تحت ركام التصريحات، إذ أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تخوضان الحرب التي تظنان أنهما تقودانها، فنحن أمام مشهد عسكري لا يُحسم بـ «القوة الغاشمة» بل بصراع إرادات واستراتيجيات، حيث تبدو طهران، حتى اللحظة، الطرف الأكثر فهما لقواعد اللعبة المعقدة التي تُسمى «الحرب غير المتناظرة».
المشكلة الجوهرية التي يواجهها الصهاينة والولايات المتحدة تكمن في «الجمود العقائدي» العسكري، فهما لا يتقنان سوى نمط واحد من الحروب هو التدمير الشامل والسيطرة الجوية المطلقة، لكنهما اليوم يصطدمان بصمود إيراني واضح.
يبدو أن إيران لا تدافع عن سماء مكشوفة، بل تدير معركتها من «مدن صاروخية» تحت الأرض، أنفق الغرب مخزونات هائلة من الذخائر الذكية في محاولة اختراقها دون جدوى تذكر، فاستنزاف الترسانة الغربية في محاولة لضرب أهداف «مُحصنة بنيويا» يعكس سوء تقدير استراتيجي فادح، حيث يتم مقايضة صواريخ تبلغ تكلفتها الملايين بأهداف امتصت الصدمة مسبقا وما زالت تحتفظ بقدرتها الكاملة على الرد.
لعل ما يثير قلق المحللين الاستراتيجيين خلف الأبواب المغلقة هو «الصمت» الإيراني بشأن الأسلحة النوعية، فبينما يروج الإعلام الغربي لبيانات «تدمير القدرات»، تشير الحقائق الميدانية إلى أن طهران لم تستخدم سوى النزر اليسير من مخزونها، إذ أن هناك أجيال من الدرونات، ناهيك عن منظومات الصواريخ المتطورة التي أصبحت رقما صعبا في معادلة الصراع.
لقد نجحت إيران في جعل القواعد الأمريكية المحيطة بها «عبئا عسكريا» لا ميزة استراتيجية، حيث تحولت هذه القواعد إلى أهداف ثابتة سهلة المنال، بينما يظل التحكم في شريان الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز ورقة ضغط رابحة في يد طهران، تستخدمها وفق توقيتها الخاص لا توقيت البيت الأبيض.
من الثابت اليوم أن الحرب الحالية لم تعد محصورة في تبادل النيران، إنها حرب «أعصاب» اقتصادية بامتياز، فالاستراتيجية الإيرانية تهدف بوضوح إلى توريط واشنطن في صراع يستنزف «السوق العالمي» قبل أن يستنزف الجيش الإيراني، فبين الضغوط التضخمية في الداخل الأمريكي، وقلق حلفاء واشنطن في الخليج، والتقارب الاستراتيجي المتزايد بين طهران وكل من موسكو وبكين، تجد الولايات المتحدة نفسها في «كماشة» سياسية واقتصادية.
إن التاريخ يخبرنا أن عشرات الأضعاف من القنابل التي أُلقيت على فيتنام أو أفغانستان لم تحسم المعركة لأصحاب «القوة الغاشمة»، واليوم في أوكرانيا، يرى العالم كيف أن مئات آلاف الأطنان من المتفجرات لم تكسر إرادة الأطراف، فكيف ببلد كإيران، حول الجغرافيا الوعرة والمنشآت التحت أرضية إلى حصون رقمية وعسكرية؟
لقد سقط صُنّاع القرار في تل أبيب وواشنطن في فخ «البروباغندا»، فتكرار الأرقام حول تدهور القدرات الإيرانية لا يغير من واقع الميدان شيئا، إذ أن الحقيقة هي أن إيران، التي تُعد اليوم قطبا مهما في تكنولوجيا الدرونات والصواريخ، تدرك جيدا أن النصر في حروب القرن الحادي والعشرين لا يُقاس بحجم الدمار، بل بـ «الصمود الاستراتيجي» وإرهاق الخصم حتى يضطر للتفاوض أو الانسحاب.
لا شكّ أن الولايات المتحدة وإسرائيل اليوم في مستنقع حقيقي، فهما إما أمام تصعيد لا يملكان ضمانات السيطرة على نتائجه، أو اعتراف بمرارة الفشل في كسر إرادة خصمٍ أعدَّ لهذه اللحظة منذ أربعين عاما، وفي صراع «النار مقابل العقل»، غالبا ما تكون الكلمة الأخيرة لمن يمتلك الصبر الأطول والخريطة الأكثر دقة.
هاشم بوعزيز
بينما تنشغل واشنطن وتل أبيب بإحصاء عدد الغارات وحجم الأطنان المتفجرة التي أُلقيت فوق الجغرافيا الإيرانية، يبدو أن هناك حقيقة بيّنة بدأت تتسرب من تحت ركام التصريحات، إذ أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تخوضان الحرب التي تظنان أنهما تقودانها، فنحن أمام مشهد عسكري لا يُحسم بـ «القوة الغاشمة» بل بصراع إرادات واستراتيجيات، حيث تبدو طهران، حتى اللحظة، الطرف الأكثر فهما لقواعد اللعبة المعقدة التي تُسمى «الحرب غير المتناظرة».
المشكلة الجوهرية التي يواجهها الصهاينة والولايات المتحدة تكمن في «الجمود العقائدي» العسكري، فهما لا يتقنان سوى نمط واحد من الحروب هو التدمير الشامل والسيطرة الجوية المطلقة، لكنهما اليوم يصطدمان بصمود إيراني واضح.
يبدو أن إيران لا تدافع عن سماء مكشوفة، بل تدير معركتها من «مدن صاروخية» تحت الأرض، أنفق الغرب مخزونات هائلة من الذخائر الذكية في محاولة اختراقها دون جدوى تذكر، فاستنزاف الترسانة الغربية في محاولة لضرب أهداف «مُحصنة بنيويا» يعكس سوء تقدير استراتيجي فادح، حيث يتم مقايضة صواريخ تبلغ تكلفتها الملايين بأهداف امتصت الصدمة مسبقا وما زالت تحتفظ بقدرتها الكاملة على الرد.
لعل ما يثير قلق المحللين الاستراتيجيين خلف الأبواب المغلقة هو «الصمت» الإيراني بشأن الأسلحة النوعية، فبينما يروج الإعلام الغربي لبيانات «تدمير القدرات»، تشير الحقائق الميدانية إلى أن طهران لم تستخدم سوى النزر اليسير من مخزونها، إذ أن هناك أجيال من الدرونات، ناهيك عن منظومات الصواريخ المتطورة التي أصبحت رقما صعبا في معادلة الصراع.
لقد نجحت إيران في جعل القواعد الأمريكية المحيطة بها «عبئا عسكريا» لا ميزة استراتيجية، حيث تحولت هذه القواعد إلى أهداف ثابتة سهلة المنال، بينما يظل التحكم في شريان الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز ورقة ضغط رابحة في يد طهران، تستخدمها وفق توقيتها الخاص لا توقيت البيت الأبيض.
من الثابت اليوم أن الحرب الحالية لم تعد محصورة في تبادل النيران، إنها حرب «أعصاب» اقتصادية بامتياز، فالاستراتيجية الإيرانية تهدف بوضوح إلى توريط واشنطن في صراع يستنزف «السوق العالمي» قبل أن يستنزف الجيش الإيراني، فبين الضغوط التضخمية في الداخل الأمريكي، وقلق حلفاء واشنطن في الخليج، والتقارب الاستراتيجي المتزايد بين طهران وكل من موسكو وبكين، تجد الولايات المتحدة نفسها في «كماشة» سياسية واقتصادية.
إن التاريخ يخبرنا أن عشرات الأضعاف من القنابل التي أُلقيت على فيتنام أو أفغانستان لم تحسم المعركة لأصحاب «القوة الغاشمة»، واليوم في أوكرانيا، يرى العالم كيف أن مئات آلاف الأطنان من المتفجرات لم تكسر إرادة الأطراف، فكيف ببلد كإيران، حول الجغرافيا الوعرة والمنشآت التحت أرضية إلى حصون رقمية وعسكرية؟
لقد سقط صُنّاع القرار في تل أبيب وواشنطن في فخ «البروباغندا»، فتكرار الأرقام حول تدهور القدرات الإيرانية لا يغير من واقع الميدان شيئا، إذ أن الحقيقة هي أن إيران، التي تُعد اليوم قطبا مهما في تكنولوجيا الدرونات والصواريخ، تدرك جيدا أن النصر في حروب القرن الحادي والعشرين لا يُقاس بحجم الدمار، بل بـ «الصمود الاستراتيجي» وإرهاق الخصم حتى يضطر للتفاوض أو الانسحاب.
لا شكّ أن الولايات المتحدة وإسرائيل اليوم في مستنقع حقيقي، فهما إما أمام تصعيد لا يملكان ضمانات السيطرة على نتائجه، أو اعتراف بمرارة الفشل في كسر إرادة خصمٍ أعدَّ لهذه اللحظة منذ أربعين عاما، وفي صراع «النار مقابل العقل»، غالبا ما تكون الكلمة الأخيرة لمن يمتلك الصبر الأطول والخريطة الأكثر دقة.
هاشم بوعزيز