مع الشروق : مستوطنات تحت الحصار ... خطوة أخرى نحو العزلة

مع الشروق : مستوطنات تحت الحصار ... خطوة أخرى نحو العزلة

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/09/10

لم تعد تداعيات الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية تقتصر على بيانات الإدانة والاحتجاجات الدبلوماسية التي اعتاد المجتمع الدولي إصدارها ثم تجاوزها، فالجديد هذه المرة أن الموقف ينتقل، وبخطى لافتة، من لغة الاستنكار إلى أدوات الضغط الاقتصادي.
إعلان 12 دولة، بينها فرنسا وبريطانيا وكندا، عزمها فرض قيود وطنية على التجارة في السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، أو دعم إجراءات أوروبية مماثلة، يمثل تطورا سياسيا واقتصاديا لا ينبغي التقليل من أهميته، فهذه ليست دولا هامشية في النظام الدولي، بل دول ذات وزن سياسي واقتصادي ودبلوماسي كبير، وبعضها كان لعقود من أكثر الأطراف حرصا على إبقاء علاقاته مع الكيان الغاصب ضمن حدود لا تهدد طبيعة الشراكة القائمة.
الأهمية الحقيقية لهذا القرار لا تكمن فقط في حجم السلع التي قد تتأثر بهذه الإجراءات، وإنما في الرسالة السياسية التي تحملها، فحين تقرر دول كبرى تقييد التجارة المرتبطة بالمستوطنات، فإنها توجه رسالة واضحة مفادها أن الاستيطان لم يعد قضية يمكن التعامل معها باعتبارها شأنا إسرائيليا داخليا، وإنما أصبح عاملا له كلفة اقتصادية ودبلوماسية متزايدة، وهنا تحديدا تكمن خطورة التحول بالنسبة إلى الكيان المحتل.
لقد اعتادت الحكومات الإسرائيلية، على مدى عقود، أن تتعامل مع الانتقادات الدولية للاستيطان باعتبارها تكلفة سياسية يمكن احتواؤها، خصوصا مع استمرار العلاقات التجارية والعسكرية والاستراتيجية مع القوى الغربية، 
أما عندما تبدأ تلك الانتقادات بالتحول إلى قيود على التجارة وإجراءات اقتصادية ملموسة، فإن المعادلة تصبح مختلفة.
الاقتصاد الإسرائيلي ليس منفصلا عن البيئة الدولية، فالكيان الصهيوني مندمج بدرجة كبيرة في التجارة العالمية، وتعتمد على الأسواق الخارجية والاستثمارات والعلاقات الاقتصادية مع أوروبا وأمريكا الشمالية، وبالتالي، فإن أي انتقال من العقوبات الرمزية إلى إجراءات تستهدف أنشطة مرتبطة بالمستوطنات يمكن أن يرفع كلفة استمرار التوسع الاستيطاني.
من الممكن أن حجم التجارة المباشرة القادمة من المستوطنات لا يعني بالضرورة ضربة قاصمة للاقتصاد الإسرائيلي، لكن القضية ليست في قيمة البضائع وحدها، بل في كونها تشكّل سابقة سياسية واقتصادية يمكن أن تتوسع.
فإذا أصبحت المستوطنات تحمل كلفة تجارية خاصة، فقد تجد الشركات والمؤسسات المالية والمستثمرون أنفسهم أمام مخاطر قانونية وسمعة تجارية أكبر عند التعامل معها، وعندها لا يعود الضغط مرتبطا بالحكومات فقط، بل يمكن أن يمتد تدريجيا إلى القطاع الخاص.
من الثابت أن هذه الخطوة تأتي في سياق دولي يشهد أصلا نقاشا متصاعدا حول مستقبل العلاقة مع الكيان الصهيوني، فالتحول هنا لا يعني أن الغرب انقلب دفعة واحدة على إسرائيل، ولا أن التحالفات التقليدية انهارت، لكنه يعني شيئا أكثر دقة وأهمية، يتمثل في تراجع قدرة إسرائيل على ضمان أن تبقى سياساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة بلا كلفة دولية ملموسة، وهي نقطة جيوسياسية بالغة الأهمية.
عندما تتبنى 12 دولة موقفا مشتركا تجاه المستوطنات، فإنها لا تتعامل فقط مع ملف تجاري، وإنما تساهم في إعادة رسم حدود ما يمكن قبوله سياسيا واقتصاديا، فقد أصبح الاستيطان، بصورة متزايدة، مرتبطا بالسؤال الأكبر حول شرعية الاحتلال وإمكانية إقامة الدولة الفلسطينية وحل الدولتين.
القرار يحمل أيضا رسالة مباشرة إلى الحكومة الصهيونية الفاشية، خصوصا في ظل استمرار التوسع الاستيطاني وتصاعد عنف المستوطنين، فالمجتمع الدولي يقول، عمليا، إن الاستيطان لن يبقى دون محاسبة، إذ كلما توسعت المستوطنات، يمكن أن تتوسع معها الإجراءات الدولية، وكلما ارتفع مستوى الجرائم الصهيونية، يمكن أن تتزايد المطالب من الشعوب الغربية باتخاذ إجراءات أكثر صرامة.
بالنسبة إلى الفلسطينيين والعرب، لا ينبغي النظر إلى هذه التطورات باعتبارها مجرد أخبار دبلوماسية عابرة، بقدر ما تمثّل فرصة لإعادة وضع القضية الفلسطينية في قلب النقاش الاقتصادي والسياسي الدولي، وقد يرى البعض أن القرار الحالي كافيا وحده لتغيير موازين القوى، لكنه بالتأكيد يكشف أن المعادلة القديمة تتآكل.
هاشم بوعزيز
 

تعليقات الفيسبوك