مع الشروق : فرنسا والأزمة العميقة
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/20
لم تعد فرنسا تواجه أزمة عابرة، بل تعيش على وقع اختلالات عميقة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسط تراجع الثقة في المؤسسات وتصاعد الاحتقان الشعبي.
وكشفت احتجاجات «السبت الأسود»، وفق المعطيات المطروحة، حجم التصدعات التي تضرب المجتمع الفرنسي، في مشهد لا يمكن اختزاله في أعمال الشغب أو تحميل المهاجرين مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع.
فاجتماعيا، تتزايد الضغوط على الفرنسيين بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة والوقود والسلع الأساسية، فيما تتفاقم مشكلات الخدمات العامة، وعلى رأسها التعليم، بسبب نقص المعلمين واكتظاظ الفصول وتراجع البنية التحتية.
وعندما يعجز المواطن عن الحفاظ على قدرته الشرائية، ويشعر بأن جودة الخدمات تتدهور، يتحول الاستياء المعيشي تدريجيا إلى أزمة ثقة في الدولة ومؤسساتها.
وتعكس مشاهد العنف والتخريب والمواجهات مع قوات الأمن، خطورة الاحتقان المتراكم، وإن كانت لا تبرر الاعتداء على الأشخاص والممتلكات، فالمقاربة الأمنية، مهما بلغت شدتها، لا تستطيع وحدها معالجة الأسباب التي تدفع الغضب الاجتماعي إلى الانفجار.
اقتصاديا، تواجه فرنسا تحديات ثقيلة مع ارتفاع الدين العام واقتراب المديونية من مستويات مقلقة (4 تريليون يورو)، وتزايد الضغوط على الموازنة والمالية العمومية، كما أن هشاشة الاستقرار السياسي وصعوبة تمرير الإصلاحات قد تؤثران في ثقة المستثمرين وتزيدان كلفة الاقتراض، وهكذا تجد دولة تُعد من أكبر الاقتصادات الأوروبية نفسها أمام معضلة التوفيق بين ضبط العجز المالي وحماية الخدمات العامة والاستجابة لمطالب المواطنين.
أما سياسيا، يعمّق غياب أغلبية برلمانية مستقرة حالة الشلل، بينما يحوّل اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027 الأزمات المتلاحقة إلى أدوات للصراع الانتخابي بين السلطة ومعارضيها، و تتراجع فرص التوافق، ويتزايد الاستقطاب، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى قرارات جريئة تعيد الثقة في المؤسسات وتفتح أفقاً للخروج من المأزق.
وفي خضم هذه الأزمات، يجد خطاب إيريك زمور، ومواقف دونالد ترامب تجاه الهجرة فرصة لتقديم المهاجرين باعتبارهم سببا رئيسيا لمشكلات المجتمعات الغربية، غير أن هذا التفسير يتجاهل أسئلة جوهرية: هل يتحمل المهاجرون مسؤولية تضخم الدين العام؟ وهل تسببوا في الشلل البرلماني أو تعثر الإصلاحات ونقص المعلمين؟ إن اختزال أزمة متعددة الأبعاد في قضية الهجرة ليس حلا، بل وسيلة سياسية لصرف الأنظار عن إخفاقات السياسات العامة.
قد لا يعني ذلك إنكار التحديات المرتبطة بالاندماج والأمن وإدارة الهجرة، بل وضعها في حجمها الحقيقي، بعيدا عن التعميم والتحريض، فالأزمات الفرنسية أعمق من أن تُفسَّر بعامل واحد، وتتطلب معالجة اقتصادية واجتماعية ومؤسسية متكاملة.
في المحصلة، لا تواجه فرنسا أزمة مهاجرين فحسب، بل أزمة ثقة في قدرتها على إدارة اقتصادها ومجتمعها ونظامها السياسي، ولن يكون الحل في البحث عن كبش فداء، بل في إصلاح الخدمات العامة، وتحسين القدرة الشرائية، واستعادة الحوار الاجتماعي، وإنهاء الشلل السياسي، فحين تعجز الدولة عن معالجة الأسباب الحقيقية للأزمات، يصبح الشارع مرآة لفشلها، وتتحول الشعارات الشعبوية إلى بديل خطير عن الحلول الجدية.
بدرالدّين السّيّاري
لم تعد فرنسا تواجه أزمة عابرة، بل تعيش على وقع اختلالات عميقة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسط تراجع الثقة في المؤسسات وتصاعد الاحتقان الشعبي.
وكشفت احتجاجات «السبت الأسود»، وفق المعطيات المطروحة، حجم التصدعات التي تضرب المجتمع الفرنسي، في مشهد لا يمكن اختزاله في أعمال الشغب أو تحميل المهاجرين مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع.
فاجتماعيا، تتزايد الضغوط على الفرنسيين بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة والوقود والسلع الأساسية، فيما تتفاقم مشكلات الخدمات العامة، وعلى رأسها التعليم، بسبب نقص المعلمين واكتظاظ الفصول وتراجع البنية التحتية.
وعندما يعجز المواطن عن الحفاظ على قدرته الشرائية، ويشعر بأن جودة الخدمات تتدهور، يتحول الاستياء المعيشي تدريجيا إلى أزمة ثقة في الدولة ومؤسساتها.
وتعكس مشاهد العنف والتخريب والمواجهات مع قوات الأمن، خطورة الاحتقان المتراكم، وإن كانت لا تبرر الاعتداء على الأشخاص والممتلكات، فالمقاربة الأمنية، مهما بلغت شدتها، لا تستطيع وحدها معالجة الأسباب التي تدفع الغضب الاجتماعي إلى الانفجار.
اقتصاديا، تواجه فرنسا تحديات ثقيلة مع ارتفاع الدين العام واقتراب المديونية من مستويات مقلقة (4 تريليون يورو)، وتزايد الضغوط على الموازنة والمالية العمومية، كما أن هشاشة الاستقرار السياسي وصعوبة تمرير الإصلاحات قد تؤثران في ثقة المستثمرين وتزيدان كلفة الاقتراض، وهكذا تجد دولة تُعد من أكبر الاقتصادات الأوروبية نفسها أمام معضلة التوفيق بين ضبط العجز المالي وحماية الخدمات العامة والاستجابة لمطالب المواطنين.
أما سياسيا، يعمّق غياب أغلبية برلمانية مستقرة حالة الشلل، بينما يحوّل اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027 الأزمات المتلاحقة إلى أدوات للصراع الانتخابي بين السلطة ومعارضيها، و تتراجع فرص التوافق، ويتزايد الاستقطاب، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى قرارات جريئة تعيد الثقة في المؤسسات وتفتح أفقاً للخروج من المأزق.
وفي خضم هذه الأزمات، يجد خطاب إيريك زمور، ومواقف دونالد ترامب تجاه الهجرة فرصة لتقديم المهاجرين باعتبارهم سببا رئيسيا لمشكلات المجتمعات الغربية، غير أن هذا التفسير يتجاهل أسئلة جوهرية: هل يتحمل المهاجرون مسؤولية تضخم الدين العام؟ وهل تسببوا في الشلل البرلماني أو تعثر الإصلاحات ونقص المعلمين؟ إن اختزال أزمة متعددة الأبعاد في قضية الهجرة ليس حلا، بل وسيلة سياسية لصرف الأنظار عن إخفاقات السياسات العامة.
قد لا يعني ذلك إنكار التحديات المرتبطة بالاندماج والأمن وإدارة الهجرة، بل وضعها في حجمها الحقيقي، بعيدا عن التعميم والتحريض، فالأزمات الفرنسية أعمق من أن تُفسَّر بعامل واحد، وتتطلب معالجة اقتصادية واجتماعية ومؤسسية متكاملة.
في المحصلة، لا تواجه فرنسا أزمة مهاجرين فحسب، بل أزمة ثقة في قدرتها على إدارة اقتصادها ومجتمعها ونظامها السياسي، ولن يكون الحل في البحث عن كبش فداء، بل في إصلاح الخدمات العامة، وتحسين القدرة الشرائية، واستعادة الحوار الاجتماعي، وإنهاء الشلل السياسي، فحين تعجز الدولة عن معالجة الأسباب الحقيقية للأزمات، يصبح الشارع مرآة لفشلها، وتتحول الشعارات الشعبوية إلى بديل خطير عن الحلول الجدية.
بدرالدّين السّيّاري