مع الشروق : عندما ترفع أمريكا راية «إسرائيل الكبرى»!!

مع الشروق : عندما ترفع أمريكا راية «إسرائيل الكبرى»!!

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/02/25

معتمدة على انهيار النظام العربي وعلى ما بات يضرب الدول العربية من ضعف وعجز وتفتت أصبحت اسرائيل تلعب بأوراق مكشوفة وباتت أمريكا تدعمها بشكل مباشر وصريح في كامل مخططاتها التوسعية.. مخططات بات معها شعار «اسرائيل الكبرى» الذي كنا نراه بعيدا ونعدّه من قبيل الأوهام وأحلام اليقظة شعارا ممكن التحقق على أرض الواقع.
فمنذ انطلاق العدوان الصهيوني على غزة ما فتئ رئيس وزراء الكيان يصرخ بأنه «ذاهب لتغيير وجه الشرق الأوسط» بل إنه كاشف العالم وكاشف المجتمع الدولي من أعلى منبر الأمم المتحدة بأن مناطق «ظلام» كثيرة تقع في طريق «اسرائيل الكبرى» ووجب بالتالي تخليصها من الظلمة وإسقاط أنظمتها واحتلالها ليتسنى إدخالها في عصر «النور الصهيوني» ونحن نرى كرة النار الصهيونية وهي تتدحرج من بلد إلى آخر لتصطدم في نهاية المطاف بإيران التي يحكمها نظام عقائدي صلب ومتماسك وبنى كل مقومات القوة الرادعة أظهرت جدارتها واقتدارها في منازلة الاثني عشرة يوما في الصائفة الماضية والتي كادت تؤدي بالكيان الصهيوني إلى الانهيار لولا مسارعة الرئيس ـ ترامب ـ إلى اقتراح وفرض وقف لإطلاق النار وانقاذ الكيان من انهيار تجسدت نذره ومؤشراته وقتها... وعلاوة على مقومات القوة التي راكمتها والتي جعلت منها رقما صعبا في معادلات الاقليم أحاطت إيران نفسها بشبكة علاقات استراتيجية صلبة ومتينة مع دول مثل الصين وأمريكا اللتان بات حضورهما ظاهرا ومؤثرا في موازين القوى... 
وليس خافيا أن نتنياهو هو الذي بات يلعب بأوراق مكشوفة ليجرّ أمريكا من أنفها ويجرّ قوتها العسكرية ونفوذها وتأثيرها السياسي لتحقيق أهدافه يستند إلى 3 حقائق يراها أمامه يلمسها لمس اليد:
ـ أولى هذه الحقائق أن اللوبي الصهيوني بات متمكنا ومتحكّما بالكامل في مفاصل صنع القرار داخل الادارة الأمريكية بشقيّها التنفيذي والتشريعي تمكّن أصبح ظاهرا بعد نجاح اللوبي الصهيوني في تصعيد نخبة سياسية رضعت حليب الصهيونية حتى الثمالة وانتشرت بين فريق مؤسسة رئاسة الدولة وفي الكونغرس ومجلس النواب وقد توّج ترامب ولاء وخضوع أمريكا الكامل لاسرائيل بإعلانه أنه يهودي وبالتالي فهو حريص على مصالح اسرائيل بنفس درجة حرص نتنياهو أو أكثر.
ـ ثانية هذه الحقائق تتمثل في وثائق ـ ابستين ـ المسرّبة والتي أظهرت تورّط كافة الطبقة السياسية في أمريكا وكذلك في العواصم الوازنة على الصعيد الدولي في فضائح وجرائم أخلاقية بات معها ممكنا أن يساق كبار مسؤولي أمريكا والعالم مثل قطيع أغنام تحت التهديد بنشر المزيد من وثائق ـ جزيرة الخزي والعار»... وبذلك يضمن نتنياهو انخراط أمريكا الكامل واللامشروط في تنفيذ مخططاته وهو ما بات واضحا للعيان في الصراع الذي يجرّ إليه أمريكا ويضعها في مواجهة ايران تحقيقا لأهداف اسرائيلية تصب في خانة تهيئة كامل منطقة الشرق الأوسط لتقبل فكرة التسليم بـ«اسرائيل الكبرى».
ـ ثالثة هذه الحقائق وهي لا تقل أهمية تتمثل في نجاح الكيان في إدراج أهدافه ومشاريعه الكبرى للمنطقة (ولو مرحليا) صلب أهداف واستراتيجيات أمريكا للعالم وما تقتضيه من ترتيبات في منطقة الشرق الأوسط تهدف إلى قطع الطريق على طريق وحزام الحرير الصيني بواسطة تنفيذ طريق الهند ـ أوروبا الذي يخترق الشرق الأوسط بالكامل هذا علاوة على التحكم في سرّة العالم بما يعنيه ذلك من سيطرة على طرق وممرات التجارة العالمية وم سيطرة على ورقة النفط وهما الورقتان اللتان ستمكّنان من ضبط إيقاع ووتائر الصعود المدوي للتنين الصيني الذي بات يسبب صداعا حقيقيا ومزعجا للدابة الأمريكية...
ولعل أروع ترجمة للولاء الأمريكي لاسرائيل ولهذا التوافق حدّ التماهي بين رئاسة ترامب وقيادة الكيان الصهيوني جاءت من خلال الحديث ـ الشهير ـ الذي أدلى به مؤخرا سفير أمريكا بتل أبيب «مايك هاكابي» إلى الصحفي الأمريكي «تاكر كارلسون» والذي كشف للعالم أن هذا السفير الذي يفترض أنه يمثل بلاده أمريكا صهيوني أكثر من الصهاينة. وموال لاسرائيل أكثر من ولائه لأمريكا ومدافع عن صورة الكيان وسياساته أكثر من دفاعه عن صورة أمريكا وسياساتها فقد استنفر هذا السفير كامل مخزونه من التصهين ليقول بأن لاسرائيل الحق في السيطرة على 8 دول عربية واحتلال أراضيها حتى تتمكن من إقامة ـ اسرائيل الكبرى ـ التي وهبها الرب لليهود... وهي نفس الأسطوانة التي شغّلها نتنياهو عند اطلاق حملته المسعورة لـ«تغيير ملامح وخريطة الشرق الأوسط» عندما قال أنه ذاهب لتنفيذ تعاليم «اشعياء» التي تقول بأن الرب أهدى كامل أراضط الشرق الأوسط من الفرات إلى النيل إلى اليهود عبر النبي ابراهيم (عليه السلام) ومع أن ديننا الحنيف يخبرنا ويجزم أن ابراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما... فكيف يهب أرضا تعود لأبناء المسلمين لصهاينة قادمين من كل أنحاء العالم؟  ومع أن المسلمين هم أولى بنبي الله ابراهيم من غيرهم... ومع أن سيدنا ابراهيم ظهر قبل أزيد من ألف عام على ظهور الحركة الصهيونية... ولو سلمنا جدلا بوجاهة القول بأن الرب وهب تلك الأرض لليهود عبر نبيّه ابراهيم فإن هذه الأرض تعود وقتها لليهود الذين كانوا يقطنون بالمنطقة ويختلطون مع أهاليها وليس للصهاينة القادمين من بولونيا ومن روسيا ومن الحبشة ومن أمريكا ومن كل أصقاع الدنيا ليحتلوا أرضا ليست لهم وليطردوا منها سكانها الشرعيين ويحرمونهم حقهم في إقامة دولتهم المستقلة.. وهذه حقائق قفز عليها السفير الأمريكي الذي أعماه تصهينه عن إدراكها ليطلق ذلك الكم من المغالطات ويعرّي الوجه القبيح للصهيونية العالمية بشقيها الأمريكي ممثلا في الصهيونية المسيحية والصهيوني ممثلا بثالوث الشر: نتنياهو وسموتريتش وبن غفير.
فهل مازال الحديث ممكنا بعد كل هذا عن مجلس سلام لغزة؟ وهل مازال الحديث ممكنا عن دولة فلسطينية؟ وهل بقي أثر للشرعية الدولية التي ارتكبت الجناية الأولى عندما زرعت هذا الكيان اللقيط على أرض ليست أرضه وأسّست لمظلمة الدهر في حق الشعب الفلسطيني الذي لايزال يحترق بنيران قرارات يقال أنها تعبير عن إرادة الشرعيةالدولية.
عبد الحميد الرياحي
 

تعليقات الفيسبوك