مع الشروق :عندما تتعرّى أمريكا.. على رصيف الأمم !

مع الشروق :عندما تتعرّى أمريكا.. على رصيف الأمم !

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/03/25

منذ انطلاق العدوان الأمريكي ـ الصهيوني على إيران ما فتئ الرئيس الأمريكي يخترع القصص والحكايات ويؤلّف السرديات حول «انجازاته» في الحرب على ايران وكيف أنه دمّر كل شيء في إيران.. ولم يبق له إلا أن «يقصف» العالم بأكذوبة أنه ـ خسف الأرض ـ بإيران، وأنه محاها من على وجه البسيطة.
فهو تارة يقول أنه قصف كل شيء ولم يبق شيء يقصفه داخل الجغرافيا الايرانية.. وهو تارة أخرى يخبرنا بأنه اغتال كل قيادات الصفين الأول والثاني وحتى الثالث في إيران لدرجة أنه لم يعد هناك من يفاوضه بحثا عن وقف لإطلاق النار وعن تسوية الاشكاليات العالقة.. وهو تارة أخرى يتوعد بفتح مضيق هرمز بالقوة قبل أن يعود ويطلب من حلفائه وحتى من خصوم أمريكا الانضمام إليه لفتح هذا المضيق الحيوي للتجارة الدولية وللاقتصاد العالمي.. وحين يعجز ولا تجد دعواته المتكررة آذانا صاغية يندفع في سلسلة من التهديد والوعيد باستهداف محطات الكهرباء في إيران.. وعندما حبس العالم أنفاسه مع انتهاء مهلة الثمانية وأربعين ساعة الأولى التي حددها لإيران لفتح المضيق نطّ من أعلى الشجرة ليعلن عن مهلة جديدة بخمسة أيام وليكشف عن وجود مفاوضات «جدية» مع الطرف الايراني قد تفضي إلى وقف لإطلاق النار.
والمتابع لشطحات ترامب وسفسطاته يدرك أننا لسنا إزاء رئيس أكبر قوة في العالم يفترض أن تفكر بعقلها قبل عضلاتها وتحسب العواقب والنتائج قبل أن تغامر.. بل إزاء رئيس بهلوان لا يتردد في قول الشيء ونقيضه.. ولا يتردد في اطلاق الأكاذيب والأراجيف مختفيا وراء غباء  مستمعيه ووراء غياب أية محاسبة عن حجم الأكاذيب التي يروجها في  اليوم الواحد بل في الوقفة الواحدة أمام أجهزة الاعلام وعدسات المصورين.. فالرجل أحال كل المؤسسات في بلاده على المعاش.. وألغى كل كبار المسوؤلين الذين يفترض أن لهم أدوارا محددة داخل ادارة تحترم نفسها وتحترم نواميس العمل داخل بلد في عراقة وفي حجم الامبراطورية الأمريكية.
هذا الأداء «الترامبي» المترنح أو هذا الأسلوب الفريد في حكم أمريكا بل وفي حكم حتى جمهوريات الموز حيثما كانت وهذا التذبذب في المواقف لا تفضي إلا إلى زرع الشك والريبة في أداء أكبر قوة في العالم يفترض أنها قيّمة على الأمن والسلم الدوليين.. ويفترض أن وضعها كأكبر قوة في العالم يحمّلها مسؤوليات إزاء المجتمع الدولي ويرتب عليها واجبات يفترض أن تقود أداءها في علاقة بما يستجد من قضايا على الساحة الدولية.. وعوض النهوض بهذه المسؤوليات واحترام هذه الواجبات نجد الرئيس الأمريكي يتلذذ بالدوس على القانون الدولي وينتشي بإلغاء كل المؤسسات والهياكل الأممية القائمة على حفظ الأمن والسلم الدوليين.. كما أنه لا يجد حرجا في الترنح يمنة ويسرة.. ليتحرش بهذه الدولة هنا ويهاجم ذلك الزعيم هناك غير عابئ باستقلال الدول ولا بسيادتها الترابية ولا بحرمة زعمائها. ولنستذكر موقفه المخزي من غزة وكيف أنه يجاهر برغبته في السطو على القطاع ويطلق يدي حليفه نتنياهو ليطرد أكثر من مليوني مواطن من أرضهم وتسليمه القطاع شاغرا لإقامة مشروعه الاستثماري الضخم.. ولنستذكر كذلك مواقفه من كندا التي يريد ضمها ومن جزيرة «غرينلاند» التي يريد السطو عليها.. ولنستحضر كيف هجم على فنزويلا واختطف رئيسها وكيف يشحذ سكاكينه للسطو على كوبا.. حين نستحضر كل هذه الأمثلة ندرك أننا إزاء شخص غير سوي ويشكل خطرا على السلم والأمن الدوليين.. وكذلك أن حربه العدوانية الظالمة على إيران تندرج في سياق طريقة تفكيره وأدائه الذي تقوده النزوة وتحركه العشوائية دون مراعاة للقانون الدولي أو لحقوق شعوب أو لسيادة الدول.
والأكيد أن الجواب الوحيد اللائق بسلوكات منفلتة من هذا القبيل لا يكون إلا بالشكل وبالحجم اللذين تعاطت بهما ايران مع عدوانه الجائر ومع عدوان حليفه نتنياهو الجبان.. حيث نجحت إيران بصمودها وبتماسك شعبها وباقتدارها في ساحات النزال في تلقين العدوان الصهيو ـ أمريكي دروسا قاسية وفي اجبار ترامب المتغطرس على البحث عن سبل تمكنه من النزول من على الشجرة.. ومهما تكن نتيجة المفاوضات التي يتحدث عنها مع الجانب الايراني فإن ايران تكون من خلال هذه المنازلة قد جرّدت ترامب من أية مصداقية وكشفت كل عوراته وما أكثرها.. وهذه وتلك سوف ترتدان على مصداقية أمريكا وتعجّلان بانهيار النظام الدولي الاحادي الذي ترعاه بعد أن انكشفت حدود القوة الأمريكية عسكريا واقتصاديا وبعد أن انكشفت نوعية القيادات المهزوزة التي تحكمها.. وتقودها إلى الانهيار الحتمي.
عبد الحميد الرياحي

تعليقات الفيسبوك