مع الشروق : على موائد «الطيبات»!

مع الشروق : على موائد «الطيبات»!

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/03

لم يكن أحد يتوقع أن تتحول دعوات غذائية انطلقت من منصات التواصل الاجتماعي، وقدمت نفسها في ثوب العودة إلى الطبيعة والبحث عن الشفاء بالغذاء، إلى موضوع يثير الجدل في المستشفيات، ويقلق أهل الاختصاص، ويلقي بظلاله على الأسواق وقطاعات إنتاجية بأكملها.
ففي الفترة الأخيرة، تصاعد في تونس الحديث عن ما يُسمى بـ"نظام الطيبات" للدكتور المرحوم العوضي ، وقد انتشر هذا الطرح الغذائي بسرعة عبر الفضاء الرقمي، مستندا إلى تجارب شخصية وشهادات فردية عن تحسن بعض الحالات، لكنه تجاوز أحياناً حدود النصيحة الغذائية ليقترب من تقديم بدائل علاجية لا تستند دائماً إلى الدليل العلمي. وهنا تكمن الخطورة؛ فالغذاء جزء أساسي من الوقاية والصحة، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن الطب والعلاج والمتابعة الصحية.
بعض المتابعين يفسرون سرعة انتشار هذا الطرح بقدرته على الجمع بين خطاب غذائي بسيط ومفردات ذات حمولة روحية دينية ، فقد منح اختيار اسم "الطيبات"، المستمد من النص القرآني، هذا النظام جاذبية خاصة لدى شريحة هامة من الناس، وربطه في أذهانهم بفكرة الصفاء والعودة إلى الفطرة ، غير أن جاذبية المصطلحات، مهما كانت عميقة في الوجدان الشعبي، لا يمكن أن تعوض غياب الدليل العلمي حين يتعلق الأمر بالصحة والعلاج.
والواقع وحسب بعض. الروايات ، هناك عدد من اتبعوا هذا النظام  شعروا فعلا بتحسن في الوزن أو النشاط أو بعض المؤشرات الصحية، فالتغيير في نمط الحياة والغذاء قد تكون له آثار إيجابية لدى كثير من الناس. غير أن التجارب الفردية، مهما كانت صادقة، لا تكفي وحدها لإثبات فعالية نظام غذائي أو تعميمه على جميع الحالات، خاصة عندما يتعلق الأمر بأصحاب الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى متابعة دقيقة وعلاجات مثبتة.
 وزارة الصحة حذرت من مخاطر بعض الأنظمة الغذائية المتداولة على أصحاب الأمراض المزمنة، كما نبّه أطباء من خطورة التخلي عن العلاجات الموصوفة أو التشكيك في أدوية أساسية كالضغط والسكري. فالمشكلة ليست في الدعوة إلى غذاء صحي، وإنما في الانتقال من تحسين العادات الغذائية إلى تقديم أحكام علاجية قد تعرض بعض المرضى لمضاعفات كان بالإمكان تجنبها.
 تداعيات هذه الظاهرة لم تقف عند الجانب الصحي، بل امتدت إلى قطاعات إنتاجية، وفي مقدمتها الدواجن والبيض. فقد اعتبر رئيس الغرفة الوطنية لتجار الدواجن أن انتشار هذا النظام "زاد الطين بلة"، في وقت يواجه فيه القطاع أصلاً فائضاً في الإنتاج، وتراجعاً حاداً في الأسعار، وارتفاعاً كبيراً في كلفة الأعلاف، فضلاً عن تأثيرات موجات الحر والانقطاعات المتكررة للكهرباء. وهي أزمات أثقلت كاهل المنتجين، وخاصة صغار المربين الذين وجدوا أنفسهم في هذه الفترة أمام خسائر تهدد استمرارية نشاطهم.
إن قصة "الطيبات" ليست مجرد نقاش حول حمية غذائية، بل هي مثال على سرعة انتشار الأفكار حين تمتزج العاطفة بالتجربة الشخصية في غياب التوعية العلمية. وبين حق الإنسان في اختيار نمط غذائه، وواجب حماية المجتمع من الوصفات غير المثبتة، يبقى الفيصل هو العلم، لأن صحة الناس وأمنهم الغذائي لا يحتملان المغامرة.
راشد شعور

تعليقات الفيسبوك