مع الشروق : ضربة في عمق موسكو.. لكن !

مع الشروق : ضربة في عمق موسكو.. لكن !

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/22

يجمع الملاحظون على أن الضربة التي تلقتها روسيا في عمق موسكو الأسبوع الفارط لن تغيّر مجريات الحرب الأوكرانية الروسية، ولن تبدّل واقع التقدم الروسي الميداني، كما لن تدفع الكرملين إلى قبول هدنة أو توقيع وثيقة سلام على مقاس زيلنسكي.
فهذا الهجوم الأوكراني، رغم ما رافقه من صخب إعلامي وضجيج سياسي واسع، لا يبدو قادرا على تعديل موازين القوى الأساسية أو كسر التفوق العسكري الروسي. فالمعطيات الميدانية تشير إلى أن موسكو ما تزال تمتلك عناصر تفوق واضحة، وتواصل التقدم على الأرض، كما تملك قدرات عسكرية وبشرية واقتصادية تسمح لها بإدارة حرب طويلة الأمد. في المقابل، تعتمد كييف بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة كأداة هجومية رئيسية لتعويض فجوة القوة التقليدية، مستفيدة من الدعم الغربي التقني والاستخباراتي واللوجستي، وهو دعم يشهد بدوره تذبذبا وتراجعا من حين إلى آخر.
وتسعى أوكرانيا من خلال تكثيف هذه الضربات خلال الفترة الأخيرة إلى تحقيق هدفين على الأقل: رفع كلفة الحرب على روسيا الاتحادية، ونقل جزء من الضغط إلى العمق الروسي، أملا في إحداث ارتباك اجتماعي وسياسي قد يغيّر حسابات موسكو وفق تقديرات كييف.
وفي المقابل تتعامل القيادة الروسية مع هذه التطورات ضمن مقاربة استراتيجية طويلة النفس تقوم على الاستنزاف التدريجي للقدرات الأوكرانية ومن ورائها حلفائها الذين تراجع دعمهم خلال الفترة الأخيرة. كما تعتمد موسكو ضربات محسوبة تستهدف البنى التحتية الحيوية ومراكز القرار، مع الحرص على تجنب ردود الفعل المتسرعة. ولهذا تتحدث بعض المصادر عن رد روسي "لم يكتمل بعد"، مع توقعات بعمليات واسعة قد تحمل تصعيدا إضافيا خلال الفترة المقبلة.
والواقع ان التصعيد الحاصل خلال هذه الفترة في الحرب الروسية الأوكرانية مرتبط في الحقيقة بحرب أوسع تدور في توازنات دولية معقدة، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع صراع نفوذ عالمي يتجاوز حدود الجبهات المباشرة، بما ينعكس على الاقتصاد وأسعار الطاقة، ويجعل من هذه الحرب مواجهة ممتدة تُدار بمنطق الاستنزاف وإعادة تشكيل موازين القوى، في ظل استمرار كل طرف في اختبار قدرة الآخر على الصمود.
غير أن ما يتجاوز هذه الجبهة المباشرة هو التحول الأعمق في بنية النظام الدولي ذاته، حيث يبدو العالم مقبلاً على مرحلة إعادة توزيع النفوذ بين قوى كبرى، تتقدم فيها الصين تدريجيا لتتحول إلى لاعب مركزي لا يمكن تجاوزه، بينما تحافظ روسيا على موقعها عبر إدارة صراع طويل النفس. فالتنين الصيني يتحرك بهدوء، بمنطق التمدد الاقتصادي عبر التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإنتاج، وهو ما يجعله رقما صعبا في معادلة ما بعد هذه الحرب وغيرها من التحولات العالمية.
وفي المحصلة، تبدو هذه الحرب أبعد من مجرد مواجهة عسكرية بين روسيا وأوكرانيا، فهي جزء من مخاض عالمي جديد يعاد فيه رسم موازين القوة والنفوذ. وبينما تراهن موسكو على النفس الطويل، وتواصل الصين صعودها الهادئ نحو موقع أكثر تأثيرا، لا تبدو القوى الغربية مستعجلة لإغلاق هذا الملف، في انتظار ما ستفرزه حرب الاستنزاف من وقائع جديدة. لذلك، قد لا تكون المعركة الدائرة اليوم على الأرض الأوكرانية معركة حدود فحسب، بل واحدة من معارك تشكيل النظام الدولي المقبل، الذي بدأت ملامحه ترتسم تدريجيا، دون أن تتضح صورته النهائية بعد.
راشد شعور 

تعليقات الفيسبوك