مع الشروق : جيل جديد وساحة معركة مختلفة
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/15
في شوارع فرنسا، حيث خرج التلاميذ للاحتجاج على أوضاع التعليم ومستقبلهم، برزت صورة شاب يلفّ عنقه بالكوفية الفلسطينية، ويتحدث بجرأة وفصاحة أمام الكاميرات، ليصبح خلال أيام أحد الوجوه الأكثر تداولا في التعبئة الشبابية، إنه إيلوان، التلميذ البالغ من العمر 17 عاما، الذي تجاوز حضوره حدود مدرسته الباريسية، بعدما انتشرت مقاطع من مداخلاته على شبكات التواصل الاجتماعي.
وبينما تتمحور المطالب الأساسية للحراك حول ظروف الدراسة ونقص المدرّسين والاكتظاظ، يكتسب حضور الكوفية الفلسطينية دلالة إضافية، فبالنسبة إلى قطاعات من الشباب، لم تعد فلسطين قضية بعيدة عن أسئلتهم بشأن العدالة والكرامة وحقوق الإنسان.
ما يلفت الانتباه في صورة إيلوان ليس الكوفية وحدها، بل الطريقة التي يتحدث بها عن مشاغل جيله، وقدرته على تحويل الغضب إلى خطاب مفهوم ومباشر، فقد أشارت وسائل إعلام فرنسية إلى الانتشار الواسع لمقاطع ظهوره، وإلى تحوله سريعا إلى أحد الوجوه المعروفة في التحركات التلمذية، وفي زمن تتنافس فيه الصور والمقاطع القصيرة على انتباه الجمهور، يمكن لكلمة واضحة أو مشهد رمزي أن يفتح نقاشا يتجاوز المكان الذي التُقط فيه.
من الثابت أن الكوفية الفلسطينية لم تعد مجرد لباس تقليدي، فقد أصبحت، في سياقات احتجاجية عديدة، رمزا للهوية الفلسطينية والتضامن مع شعب يطالب بحقوقه الوطنية والإنسانية، وعندما تظهر على كتفي شاب أوروبي في مظاهرة داخل فرنسا، فإنها تضع القضية الفلسطينية داخل الفضاء العام الغربي، وتؤكد أن التعاطف معها لا تحدده الجغرافيا أو الأصول العائلية، بل يمكن أن ينبع من قناعة سياسية وأخلاقية.
وتكتسب هذه الرمزية أهميتها في ظل الصور المتواصلة للدمار والمعاناة الإنسانية في غزّة، وما أثارته الحرب من نقاشات حادة حول حماية المدنيين، ومحاسبة الضالعين في الإبادة الجماعية للفلسطينيين، ومدى اتساق المواقف الرسمية مع المبادئ المعلنة لحقوق الإنسان، فبالنسبة إلى هؤلاء الشباب، لا يكفي الحديث عن القيم إذا لم تُطبّق على الجميع، ولا يمكن أن تكون كرامة الإنسان مبدأً انتقائيا يتغير بتغير هويته أو مكانه.
تتمثل إحدى التحولات اللافتة في قدرة جيل نشأ مع المنصات الرقمية على كسر احتكار المؤسسات التقليدية لصناعة النقاش، فمقطع مصوّر من مظاهرة يمكن أن يصل إلى ملايين المستخدمين، وأن يفرض شخصية شابة على جدول النقاش الإعلامي، حتى قبل أن تمتلك تجربة سياسية طويلة، وقد ساهم انتشار مداخلات إيلوان في التعريف به وبمطالب التلاميذ، وأظهر كيف باتت شبكات التواصل ساحة موازية للاحتجاج، بما تمنحه من فرص للتعبير وما تطرحه أيضا من مخاطر الاختزال والاستقطاب.
وفي هذا السياق، يمكن لحضور الرموز الفلسطينية أن يوسّع دائرة الاهتمام بالقضية، خصوصا عندما يرتبط بخطاب يدافع عن حق الفلسطينيين في الحياة والحرية وتقرير المصير، فمحاصرة السياسات الصهيونية التي تنتهك الحقوق لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل أيضا بتغيير المزاج العام، ومساءلة الحكومات، ودعم المبادرات الحقوقية، والمطالبة بتطبيق القانون الدولي دون ازدواجية.
ولا يعني ذلك أن الحراك التلمذي الفرنسي نشأ أساسا من أجل فلسطين، فمطالبه المعلنة ترتبط بالتعليم وظروفه، لكن ظهور الكوفية في هذا الفضاء يذكّر بأن قضايا العدالة تتقاطع، وأن جيلا من الشباب يستطيع أن يربط بين مشاغله المحلية وأسئلة أوسع عن العالم الذي يريد العيش فيه.
إن أهمية إيلوان لا تكمن في تحويل شاب واحد إلى ممثل لجيل كامل، بل في ما تكشفه قصته عن اتساع المجال أمام أصوات شابة ترفض الصمت، وتستخدم الكلمة والصورة والرمز لإيصال موقفها، ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس في الانتشار الرقمي العابر، بل في قدرة هذا التضامن على الاستمرار والتحول إلى وعي مدني ومواقف عملية، ففلسطين لا تحتاج إلى التعاطف وحده، بل إلى رأي عام يطالب بالعدالة، ويصرّ على أن حقوق الإنسان لا تتجزأ، وأن معاناة شعب لا ينبغي أن تصبح خبرا عابرا في ذاكرة العالم.
هاشم بوعزيز
في شوارع فرنسا، حيث خرج التلاميذ للاحتجاج على أوضاع التعليم ومستقبلهم، برزت صورة شاب يلفّ عنقه بالكوفية الفلسطينية، ويتحدث بجرأة وفصاحة أمام الكاميرات، ليصبح خلال أيام أحد الوجوه الأكثر تداولا في التعبئة الشبابية، إنه إيلوان، التلميذ البالغ من العمر 17 عاما، الذي تجاوز حضوره حدود مدرسته الباريسية، بعدما انتشرت مقاطع من مداخلاته على شبكات التواصل الاجتماعي.
وبينما تتمحور المطالب الأساسية للحراك حول ظروف الدراسة ونقص المدرّسين والاكتظاظ، يكتسب حضور الكوفية الفلسطينية دلالة إضافية، فبالنسبة إلى قطاعات من الشباب، لم تعد فلسطين قضية بعيدة عن أسئلتهم بشأن العدالة والكرامة وحقوق الإنسان.
ما يلفت الانتباه في صورة إيلوان ليس الكوفية وحدها، بل الطريقة التي يتحدث بها عن مشاغل جيله، وقدرته على تحويل الغضب إلى خطاب مفهوم ومباشر، فقد أشارت وسائل إعلام فرنسية إلى الانتشار الواسع لمقاطع ظهوره، وإلى تحوله سريعا إلى أحد الوجوه المعروفة في التحركات التلمذية، وفي زمن تتنافس فيه الصور والمقاطع القصيرة على انتباه الجمهور، يمكن لكلمة واضحة أو مشهد رمزي أن يفتح نقاشا يتجاوز المكان الذي التُقط فيه.
من الثابت أن الكوفية الفلسطينية لم تعد مجرد لباس تقليدي، فقد أصبحت، في سياقات احتجاجية عديدة، رمزا للهوية الفلسطينية والتضامن مع شعب يطالب بحقوقه الوطنية والإنسانية، وعندما تظهر على كتفي شاب أوروبي في مظاهرة داخل فرنسا، فإنها تضع القضية الفلسطينية داخل الفضاء العام الغربي، وتؤكد أن التعاطف معها لا تحدده الجغرافيا أو الأصول العائلية، بل يمكن أن ينبع من قناعة سياسية وأخلاقية.
وتكتسب هذه الرمزية أهميتها في ظل الصور المتواصلة للدمار والمعاناة الإنسانية في غزّة، وما أثارته الحرب من نقاشات حادة حول حماية المدنيين، ومحاسبة الضالعين في الإبادة الجماعية للفلسطينيين، ومدى اتساق المواقف الرسمية مع المبادئ المعلنة لحقوق الإنسان، فبالنسبة إلى هؤلاء الشباب، لا يكفي الحديث عن القيم إذا لم تُطبّق على الجميع، ولا يمكن أن تكون كرامة الإنسان مبدأً انتقائيا يتغير بتغير هويته أو مكانه.
تتمثل إحدى التحولات اللافتة في قدرة جيل نشأ مع المنصات الرقمية على كسر احتكار المؤسسات التقليدية لصناعة النقاش، فمقطع مصوّر من مظاهرة يمكن أن يصل إلى ملايين المستخدمين، وأن يفرض شخصية شابة على جدول النقاش الإعلامي، حتى قبل أن تمتلك تجربة سياسية طويلة، وقد ساهم انتشار مداخلات إيلوان في التعريف به وبمطالب التلاميذ، وأظهر كيف باتت شبكات التواصل ساحة موازية للاحتجاج، بما تمنحه من فرص للتعبير وما تطرحه أيضا من مخاطر الاختزال والاستقطاب.
وفي هذا السياق، يمكن لحضور الرموز الفلسطينية أن يوسّع دائرة الاهتمام بالقضية، خصوصا عندما يرتبط بخطاب يدافع عن حق الفلسطينيين في الحياة والحرية وتقرير المصير، فمحاصرة السياسات الصهيونية التي تنتهك الحقوق لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل أيضا بتغيير المزاج العام، ومساءلة الحكومات، ودعم المبادرات الحقوقية، والمطالبة بتطبيق القانون الدولي دون ازدواجية.
ولا يعني ذلك أن الحراك التلمذي الفرنسي نشأ أساسا من أجل فلسطين، فمطالبه المعلنة ترتبط بالتعليم وظروفه، لكن ظهور الكوفية في هذا الفضاء يذكّر بأن قضايا العدالة تتقاطع، وأن جيلا من الشباب يستطيع أن يربط بين مشاغله المحلية وأسئلة أوسع عن العالم الذي يريد العيش فيه.
إن أهمية إيلوان لا تكمن في تحويل شاب واحد إلى ممثل لجيل كامل، بل في ما تكشفه قصته عن اتساع المجال أمام أصوات شابة ترفض الصمت، وتستخدم الكلمة والصورة والرمز لإيصال موقفها، ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس في الانتشار الرقمي العابر، بل في قدرة هذا التضامن على الاستمرار والتحول إلى وعي مدني ومواقف عملية، ففلسطين لا تحتاج إلى التعاطف وحده، بل إلى رأي عام يطالب بالعدالة، ويصرّ على أن حقوق الإنسان لا تتجزأ، وأن معاناة شعب لا ينبغي أن تصبح خبرا عابرا في ذاكرة العالم.
هاشم بوعزيز