مع الشروق : جنوح الأطفال والعنف الاستعراضيّ... إلى أين؟

مع الشروق : جنوح الأطفال والعنف الاستعراضيّ... إلى أين؟

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/03/28

مرّة أخرى نعود إلى ظاهرة جنوح الأطفال اللافتة للانتباه في الفضاء العام، واعتداء مجموعات من الأطفال على الملك الخاص والعمومي، وتهشيم قطار الضاحية الجنوبية، والمشاركة في حرق قطار سوسة مؤخّرًا، والاعتداء على سيارات مواطنين بالطريق العام.
تشكّل هذه الحوادث نقلة نوعية في انحراف القُصَّر والمراهقين، إذ لم يعد يقتصر على إحداث الهرج والفوضى في المحطات ووسائل النقل والتسوّل، بل انتقل إلى مرحلة العنف الاستعراضي في الفضاء العام، والتطاول على المرفق العمومي في تمرّد صارخ وانفلات معلن من جميع الضوابط.
إنّ اللجوء إلى إظهار العنف وممارسته علنا يُعدّ إشارة خطر داخل المجتمع لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، إذ يشكّل الخوف عادةً أحد أهمّ الضوابط السلوكية والأخلاقية والردعية للطفل. وتمثّل الأسرة، وخاصة الأب والأم، إلى جانب المدرسة ومن هم أكبر سنًّا، سلطةً في مراحل التنشئة الأولى وخلال مرحلة الطفولة الممتدّة إلى بلوغ السن القانونية، وهو ما جرى عليه العرف في المجتمع التونسي.
مما يجعل الخوف من السلطة الزجرية (الأمنية) في سنّ الطفولة مسألة غير مطروحة أساسًا، باعتبار أنّ الأطفال يقترن لديهم العقاب الزجري بالابتعاد عن الدوائر القريبة منهم، مثل الأبوين والأسرة والعائلة، وهو ما يمثّل رادعا عاطفيا بالأساس، يحكمه الخوف، ويَحُول عادةً دون الانزلاق في الانحراف والجريمة.
غير أنّ الأطفال الذين يتجاوزون هذه الحلقة ولا يمتثلون لسلطة الردع العاطفي لا يأخذون بعين الاعتبار أيّ حدود تضبط سلوكهم وتعدّل انفلاتهم، فيتساوى الممنوع بالمسموح لديهم، والشارع بالبيت، ويستوي الأب والأم في نظرهم بالآخر الغريب، وفي أحيان كثيرة يتحوّلان إلى خصمين وعدوّين لا يسلمان من الضرر مادّيا ومعنويا.
وتتولّد في دواخل هؤلاء النقمة والحقد الاجتماعي لأسباب تتعلّق بالفقر، والإهمال العائلي، والعنف المسلّط عليهم، والاستغلال بأنواعه من الاقتصادي إلى الجنسي، والحرمان من مواصلة التعليم والتكوين مثل غيرهم ممّن هم في نفس السن. فهم بالأساس ضحايا أوضاع اجتماعية صعبة، وضحايا التفكّك الأسري، كما أنّهم ضحايا الإفراط في الدلال إلى درجة عجز الأبوين عن كبح جماح تمرّدهم وفرض السيطرة عليهم.
وغالبا ما يكون هؤلاء من المنقطعين عن التعليم والتكوين، يعيشون على الهامش خارج مؤسسات الضبط القيمي والسلوكي وهي الأسرة و المدرسة ومراكز التكوين. ويحملون في دواخلهم الشعور بالعجز والضياع والفشل، وعدم القدرة على الارتقاء إلى مرتبة الطفل الصالح، والمواطن النافع، والعنصر الأسري المُشرّف، ويُوصمون بالعقوق والانحراف والتمرّد.
من داخل هذه الشروخ النفسية والعاطفية العميقة تتشكّل الشخصية المتمرّدة، حتّى على المقرّبين، وتلجأ إلى التعبير عن تخبّطها وضياعها من خلال ممارسة سلوكات تدميرية للذات وللآخر. وفي غياب التأطير والتوجيه والإنقاذ، تُفتح أبواب الجريمة على مصراعيها، ويكون السجن أو الإدمان أو قوارب الموت نهاية رحلة الضياع.
هؤلاء، بمثل هذه الأعطاب النفسية العديدة، لا يحتاجون إلى الردع الأمني فقط، بل إلى علاج نفسي عميق، ومعالجة للأسباب من داخل المحيط الأسري أساسا. ويُعدّ إيداعهم بمؤسسات الإصلاح فرصة لإدراك حجم الخطر، وتوفير أنشطة تربوية وترفيهية وتكوينية للإصلاح، إلى جانب توفير الحماية وإعادة الإدماج  في المجتمع. 
مع ذلك، فإنّ بعض الأطفال الذين مرّوا بمراكز الإصلاح يعودون إلى الجنوح، وربّما يتورّطون في قضايا أخطر، لأسباب عديدة، أهمّها أنّ بيئة التنشئة والعيش لم تتغيّر، فيعود الطفل إلى نفس الظروف، إلى جانب نقص المتابعة بعد الخروج، في ظلّ غياب مرافقة طويلة المدى. فأغلبهم في حاجة إلى إعادة الإدماج في منظومة التعليم أو التكوين، ومعالجة القطيعة بينهم وبين مؤسسات   التأطير .
كما أنّ أغلبهم   يعانون من عوامل نفسية عميقة، مثل الصدمات أو الإحساس الشديد بالظلم والقهر والنقمة، ممّا يفرض أن تكون فترة الإصلاح داخل هذه المؤسسات محطة للعلاج النفسي والسلوكي العميق لأنّ  العبرة ليست بالعقاب  بل بالإصلاح العميق والجذري.
إنّ الأطفال الجانحين ومن هم في نزاع قانوني يُعتبرون جزءًا من الرأسمال البشري لتونس، بما يفرض تشريكهم في بناء المستقبل لا إقصاءهم في سنّ مبكّرة، وذلك من خلال معالجة المعضلة من جذورها، عبر دعم الأسر الفقيرة والمفكّكة ، ومتابعة الأطفال بعد الخروج  من الإصلاحية و توفير المرافقة الاجتماعية، وتحسين التكوين المهني وتطويره، وتوفير الدعم النفسي الحقيقي للتخلّص من الأزمات النفسية والسلوكية والوصم الاجتماعي.
لتكون بذلك مقاربة الإصلاح لهؤلاء الجانحين، والأكثر قابلية للانخراط في الانحراف والجريمة، مقاربة شاملة تضمّ العائلة والمجتمع ومؤسسات التنشئة والتكوين. وبذلك تقدّم الدولة بديلا حقيقيّا عن الضياع، وتتجنّب تبعات الإصلاح الشكلي وغير الجذري، كأحد أهم أسباب العودة إلى الجنوح.
وحيدة المي 
 

تعليقات الفيسبوك