مع الشروق : النفوذ الصهيوني يفقد سطوته
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/06
تتوالى الإشارات القادمة من الداخل الأمريكي لتعكس تحولا بنيويا غير مسبوق في قواعد اللعبة السياسية داخل واشنطن، حيث لم تعد الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي مجرد جولة روتينية لتصفية الحسابات الحزبية الضيقة، بل تحولت إلى استفتاء شعبيّ مفتوح حول أخلاقيات السياسة الخارجية الأمريكية ومدى جدوى الدعم المطلق لـ»لكيان الصهيوني.
وما شهدته ولاية ميشيغان مؤخرا، من صعود لافت ونجاح مستحق لمرشحي الجناح التقدمي الذين يحملون مواقف صريحة ترفض العدوان الصهيوني وتطالب بوقف فورى للمساعدات العسكرية الأمريكية لتل أبيب، ليس مجرد حدث عابر، بل هو ضربة قوية في صلب اللوبي الصهيوني المتمثل في منظمة «أيباك» ومجموعات الضغط الموازية.
على مدى عقود طويلة، استقرت أدبيات التحليل السياسي في واشنطن على معادلة ثابتة مفادها أن ضخ الأموال السياسية الضخمة وتجييش وسائل الإعلام كفيلان بتركيع أي مرشح يجرؤ على انتقاد السياسات الإسرائيلية أو المساس بالمساعدات العسكرية المقدرة بمليارات الدولارات سنويا.
غير أن هذا الصمام المالي والسياسي بدأ يتهاوى أمام وعي جيل جديد من الناخبين الأمريكيين، الذين أظهروا قدرة غير مسبوقة على ربط قيم العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية بالسياسة الخارجية لبلادهم، وبالتالي فإن رسالة ميشيغان الواضحة والمباشرة مفادها أن المال السياسي لم يعد القدر المحتوم الذي يحسم المعارك الانتخابية، وأن صوت الناخب الحقيقي القائم على مبادئ إنسانية وقيمية قادر على إحداث الفارق وإسقاط رهانات أعتى لجان العمل السياسي.
إن هذا الانقلاب المعياري في الشارع الأمريكي لم يأت من فراغ، بل هو نتاج متراكم لتغيرات ديمغرافية وفكرية عميقة داخل القواعد الشعبية للحزب الديمقراطي، وبشكل خاص بين فئات الشباب، والأقليات، والجاليات العربية والمسلمة، وحتى الأوساط اليهودية الشابة والتقدمية التي باتت ترفض ربط هويتها بسياسات الاحتلال والتحيز المطلق.
وتؤكد الدراسات الصادرة عن معاهد رصينة مثل «مركز بيو للأبحاث» ومؤسسة «غالوب» لوجود تحول تاريخي في اتجاهات الرأي العام الأمريكي، إذ أظهرت الاستطلاعات المتكررة خلال السنوات الأخيرة تراجعا حادا في مستويات التعاطف مع إسرائيل بين أوساط الديمقراطيين والشباب من «جيل الزد» والميلينيالز، مقابل ارتفاع غير مسبوق في التعاطف مع الحقوق الفلسطينية والمناداة بضرورة مساءلة الحكومة الصهيونية عن انتهاكاتها للقانون الدولي.
هذا التحول المفصلي يعيد صياغة أوراق الضغط داخل الكونغرس، فنحن لسنا أمام مجرد «تمرد» محدود على القيادات التقليدية للحزب الديمقراطي، بل أمام تيار جارف يزداد اتساعا وتأثيرا يوما بعد يوم، مجبرا مركز القرار في واشنطن على إعادة حساباته.
يدرك اللوبي الصهيوني اليوم أكثر من أي وقت مضى أن أدواته التقليدية القائمة على الترهيب المالي والاتهامات الجاهزة لم تعد تجدي نفعا أمام جيل يمارس التفكير النقدي ويستقي معلوماته من منصات مفتوحة توثق الحقائق ميدانيا بعيدا عن مقص الرقيب الإعلامي التقليدي.
إن تصويت ميشيغان يمثل نقطة بداية لمرحلة جديدة في السياسة الأمريكية، حيث تتراجع هيمنة السردية الموحدة لصالح صخب التعددية والمساءلة الأخلاقية، وقد يستغرق تغيير السياسات الرسمية للإدارة الأمريكية وقتا طويلا بفعل ثقل المصالح العميقة والتوازنات التقليدية، لكن جدار الدعم اللامشروط قد تصدّع بالفعل، وما جرى في ميشيغان ليس سوى برهان ساطع على أن الشارع السياسي الأمريكي يستفيق تدريجيا، وأن زلزال التغيير القادم من القواعد الشعبية أسرع بكثير مما تتوقعه أروقة القرار في واشنطن وتل أبيب.
هاشم بوعزيز
تتوالى الإشارات القادمة من الداخل الأمريكي لتعكس تحولا بنيويا غير مسبوق في قواعد اللعبة السياسية داخل واشنطن، حيث لم تعد الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي مجرد جولة روتينية لتصفية الحسابات الحزبية الضيقة، بل تحولت إلى استفتاء شعبيّ مفتوح حول أخلاقيات السياسة الخارجية الأمريكية ومدى جدوى الدعم المطلق لـ»لكيان الصهيوني.
وما شهدته ولاية ميشيغان مؤخرا، من صعود لافت ونجاح مستحق لمرشحي الجناح التقدمي الذين يحملون مواقف صريحة ترفض العدوان الصهيوني وتطالب بوقف فورى للمساعدات العسكرية الأمريكية لتل أبيب، ليس مجرد حدث عابر، بل هو ضربة قوية في صلب اللوبي الصهيوني المتمثل في منظمة «أيباك» ومجموعات الضغط الموازية.
على مدى عقود طويلة، استقرت أدبيات التحليل السياسي في واشنطن على معادلة ثابتة مفادها أن ضخ الأموال السياسية الضخمة وتجييش وسائل الإعلام كفيلان بتركيع أي مرشح يجرؤ على انتقاد السياسات الإسرائيلية أو المساس بالمساعدات العسكرية المقدرة بمليارات الدولارات سنويا.
غير أن هذا الصمام المالي والسياسي بدأ يتهاوى أمام وعي جيل جديد من الناخبين الأمريكيين، الذين أظهروا قدرة غير مسبوقة على ربط قيم العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية بالسياسة الخارجية لبلادهم، وبالتالي فإن رسالة ميشيغان الواضحة والمباشرة مفادها أن المال السياسي لم يعد القدر المحتوم الذي يحسم المعارك الانتخابية، وأن صوت الناخب الحقيقي القائم على مبادئ إنسانية وقيمية قادر على إحداث الفارق وإسقاط رهانات أعتى لجان العمل السياسي.
إن هذا الانقلاب المعياري في الشارع الأمريكي لم يأت من فراغ، بل هو نتاج متراكم لتغيرات ديمغرافية وفكرية عميقة داخل القواعد الشعبية للحزب الديمقراطي، وبشكل خاص بين فئات الشباب، والأقليات، والجاليات العربية والمسلمة، وحتى الأوساط اليهودية الشابة والتقدمية التي باتت ترفض ربط هويتها بسياسات الاحتلال والتحيز المطلق.
وتؤكد الدراسات الصادرة عن معاهد رصينة مثل «مركز بيو للأبحاث» ومؤسسة «غالوب» لوجود تحول تاريخي في اتجاهات الرأي العام الأمريكي، إذ أظهرت الاستطلاعات المتكررة خلال السنوات الأخيرة تراجعا حادا في مستويات التعاطف مع إسرائيل بين أوساط الديمقراطيين والشباب من «جيل الزد» والميلينيالز، مقابل ارتفاع غير مسبوق في التعاطف مع الحقوق الفلسطينية والمناداة بضرورة مساءلة الحكومة الصهيونية عن انتهاكاتها للقانون الدولي.
هذا التحول المفصلي يعيد صياغة أوراق الضغط داخل الكونغرس، فنحن لسنا أمام مجرد «تمرد» محدود على القيادات التقليدية للحزب الديمقراطي، بل أمام تيار جارف يزداد اتساعا وتأثيرا يوما بعد يوم، مجبرا مركز القرار في واشنطن على إعادة حساباته.
يدرك اللوبي الصهيوني اليوم أكثر من أي وقت مضى أن أدواته التقليدية القائمة على الترهيب المالي والاتهامات الجاهزة لم تعد تجدي نفعا أمام جيل يمارس التفكير النقدي ويستقي معلوماته من منصات مفتوحة توثق الحقائق ميدانيا بعيدا عن مقص الرقيب الإعلامي التقليدي.
إن تصويت ميشيغان يمثل نقطة بداية لمرحلة جديدة في السياسة الأمريكية، حيث تتراجع هيمنة السردية الموحدة لصالح صخب التعددية والمساءلة الأخلاقية، وقد يستغرق تغيير السياسات الرسمية للإدارة الأمريكية وقتا طويلا بفعل ثقل المصالح العميقة والتوازنات التقليدية، لكن جدار الدعم اللامشروط قد تصدّع بالفعل، وما جرى في ميشيغان ليس سوى برهان ساطع على أن الشارع السياسي الأمريكي يستفيق تدريجيا، وأن زلزال التغيير القادم من القواعد الشعبية أسرع بكثير مما تتوقعه أروقة القرار في واشنطن وتل أبيب.
هاشم بوعزيز