مع الشروق :القطاع الخاص والمساهمة في تحقيق «العدالة الاجتماعية»
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/09/25
تاريخيا، ومنذ فجر الاستقلال، اختارت الدولة التونسية "النهج الاجتماعي" أو ما يعرف بالدولة الاجتماعية التي تعمل جاهدة على توفير الخدمات الاجتماعية لمواطنيها في المجالات الحساسة. وقد برز ذلك بالخصوص في قطاعات الصحة والتعليم والنقل والبنى التحتية والسلع المعيشية الأساسية، وكل ذلك بمقابل منخفض عن التكلفة الحقيقية و تتحمل الدولة ذلك عبر آلية الدعم والتعويض .
وقد نجحت تونس في ذلك الى حد كبير على امتداد عشرات السنين. لكن ورغم تواصل هذا الدور الى اليوم إلا أنه اصبح يشهد بعض التراجع الملحوظ كمّا وكيفا في ظل ما أصبحت تمر به الدولة والمالية العمومية من صعوبات.. وهو ما دفع بالمواطن الى البحث عن بدائل وفتح بالتوازي مع ذلك الأبواب على مصراعيها امام القطاع الخاص ليدخل على الخط..
فالخدمات التي من المفروض ان تقدمها الدولة بتكاليف في متناول المواطن أصبحت في العشريات الأخيرة خاضعة لمنطق الربح التجاري للخواص، فتحول التعليم من مرفق عمومي مجاني الى تعليم بمقابل مرتفع، وكذلك الشأن بالنسبة للصحة والنقل والخدمات الإدارية وخاصة بعض السلع المعيشية بعد ان تراجع دور الدولة في انتاجها او دعمها أو تأطير أسعارها..
صحيح ان أغلب دول العالم، بما في ذلك تونس، أصبحت تشهد منذ عشرات السنين تناميا ملحوظا للقطاع الخاص في شتى المجالات، واصبح هذا القطاع مساهما بارزا في التنمية وفي توفير الشغل ومختلف الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية التي يحتاجها المواطن ولا تقدر الدولة على تأمينها بمفردها. غير ان ذلك لم يُلغ تماما دور الدولة التي واصلت تأمين جانب هام منها الخدمات.
وقد اتّجهت اغلب الدول المتقدمة والمتطورة الى ان يكون هذا التدخل من القطاع الخاص في الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية في اطار شراكة متوازنة وفاعلة وناجعة بينهما: فلا مكان لـ"تغول" القطاع الخاص أو لتفرد واستقواء القطاع العام. وأصبحت الشراكة بين الخاص والعام PPP هي القاعدة الذهبية التي تقود المنظومات الاجتماعية والاقتصادية في تلك الدول.
وفي تونس، وقع من الناحية النظرية تفعيل قاعدة هذه الشراكة ( PPP ) وفي كل مرة تذكر بها السلطة وتؤكد عليها، لكن على ارض الواقع قد تختلف الوضعية. ففي عديد المجالات التي يضطر فيها المواطن للتوجه للقطاع الخاص هروبا من تراجع خدمات القطاع العام كما وكيفا او من تعطلها، يصطدم بغلاء التكاليف بشكل مُشط وغير مقبول على غرار ما يحصل خاصة في قطاعي التعليم والصحة.
وقد أدّى ذلك تدريجيا الى تغييب مبدأ "العدالة الاجتماعية" حيث أصبحت الإمكانات المادية شرطا للحصول على خدمات من المفروض ان تكون عمومية توفرها "الدولة الاجتماعية" للجميع بتكاليف منخفضة، وهو أمر غير طبيعي. فمبدأ اشتراك القطاعين العام والخاص في توفير الخدمات الاجتماعية والاقتصادية للمواطن يجب ان يظل خاضعا لمبدإ أشمل وأعمّ وهو العدالة الاجتماعية.
هذا المبدأ يعني توفر الخدمة للجميع وبمقابل في متناول الجميع وهو ما أكد عليه رئيس الجمهوريّة قيس سعيد خلال لقائه اول امس برئيسة الحكومة ومحافظ البنك المركزي بالقول إنّ "الدّولة الاجتماعية ليست مجرد شعار وشّح به نصّ الدستور، بل ينبغي أن يكون حقيقة يشعر به المواطن في حياته اليومية وفي مختلف أرجاء البلاد ". واكد أيضا أن الدستور ينصّ على ضمان الدّولة للتعايش بين القطاعين العام والخاص والعمل على التكامل بينهما على قاعدة "العدل الاجتماعي"..
إن تشريك القطاع الخاص في الخدمات الاجتماعية والاقتصادية لا يعني صكا على بياض لهذا القطاع لـ"يتغول" على حساب المقدرة الشرائية للمواطن. كما ان الصعوبات التي يعاني منها القطاع العام لا يجب ان تحول المواطن إلى "فريسة" ينقض عليه القطاع الخاص لتحقيق الربح السريع بأسعار وتكاليف مرتفعة في قطاعات التعليم او الصحة او النقل أو غيرها ..
في تونس، يستفيد القطاع الخاص بدوره من الخدمات العمومية التي تقدمها الدولة ويستفيد من منظومة دعم بعض المواد ومن امتيازات جبائية واعفاءات. ومن المفروض ان ينعكس ذلك على دورها في معاضدة جهود الدولة لتوفير الأمان الاجتماعي للمواطن عبر خدمات اجتماعية وتنموية واقتصادية بتكاليف في المتناول دون ان ينفي ذلك حقها في تحقيق أرباح معقولة ومقبولة لا أرباحا مشطة تضرب مبدأ "العدالة الاجتماعية"..
فاضل الطياشي
تاريخيا، ومنذ فجر الاستقلال، اختارت الدولة التونسية "النهج الاجتماعي" أو ما يعرف بالدولة الاجتماعية التي تعمل جاهدة على توفير الخدمات الاجتماعية لمواطنيها في المجالات الحساسة. وقد برز ذلك بالخصوص في قطاعات الصحة والتعليم والنقل والبنى التحتية والسلع المعيشية الأساسية، وكل ذلك بمقابل منخفض عن التكلفة الحقيقية و تتحمل الدولة ذلك عبر آلية الدعم والتعويض .
وقد نجحت تونس في ذلك الى حد كبير على امتداد عشرات السنين. لكن ورغم تواصل هذا الدور الى اليوم إلا أنه اصبح يشهد بعض التراجع الملحوظ كمّا وكيفا في ظل ما أصبحت تمر به الدولة والمالية العمومية من صعوبات.. وهو ما دفع بالمواطن الى البحث عن بدائل وفتح بالتوازي مع ذلك الأبواب على مصراعيها امام القطاع الخاص ليدخل على الخط..
فالخدمات التي من المفروض ان تقدمها الدولة بتكاليف في متناول المواطن أصبحت في العشريات الأخيرة خاضعة لمنطق الربح التجاري للخواص، فتحول التعليم من مرفق عمومي مجاني الى تعليم بمقابل مرتفع، وكذلك الشأن بالنسبة للصحة والنقل والخدمات الإدارية وخاصة بعض السلع المعيشية بعد ان تراجع دور الدولة في انتاجها او دعمها أو تأطير أسعارها..
صحيح ان أغلب دول العالم، بما في ذلك تونس، أصبحت تشهد منذ عشرات السنين تناميا ملحوظا للقطاع الخاص في شتى المجالات، واصبح هذا القطاع مساهما بارزا في التنمية وفي توفير الشغل ومختلف الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية التي يحتاجها المواطن ولا تقدر الدولة على تأمينها بمفردها. غير ان ذلك لم يُلغ تماما دور الدولة التي واصلت تأمين جانب هام منها الخدمات.
وقد اتّجهت اغلب الدول المتقدمة والمتطورة الى ان يكون هذا التدخل من القطاع الخاص في الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية في اطار شراكة متوازنة وفاعلة وناجعة بينهما: فلا مكان لـ"تغول" القطاع الخاص أو لتفرد واستقواء القطاع العام. وأصبحت الشراكة بين الخاص والعام PPP هي القاعدة الذهبية التي تقود المنظومات الاجتماعية والاقتصادية في تلك الدول.
وفي تونس، وقع من الناحية النظرية تفعيل قاعدة هذه الشراكة ( PPP ) وفي كل مرة تذكر بها السلطة وتؤكد عليها، لكن على ارض الواقع قد تختلف الوضعية. ففي عديد المجالات التي يضطر فيها المواطن للتوجه للقطاع الخاص هروبا من تراجع خدمات القطاع العام كما وكيفا او من تعطلها، يصطدم بغلاء التكاليف بشكل مُشط وغير مقبول على غرار ما يحصل خاصة في قطاعي التعليم والصحة.
وقد أدّى ذلك تدريجيا الى تغييب مبدأ "العدالة الاجتماعية" حيث أصبحت الإمكانات المادية شرطا للحصول على خدمات من المفروض ان تكون عمومية توفرها "الدولة الاجتماعية" للجميع بتكاليف منخفضة، وهو أمر غير طبيعي. فمبدأ اشتراك القطاعين العام والخاص في توفير الخدمات الاجتماعية والاقتصادية للمواطن يجب ان يظل خاضعا لمبدإ أشمل وأعمّ وهو العدالة الاجتماعية.
هذا المبدأ يعني توفر الخدمة للجميع وبمقابل في متناول الجميع وهو ما أكد عليه رئيس الجمهوريّة قيس سعيد خلال لقائه اول امس برئيسة الحكومة ومحافظ البنك المركزي بالقول إنّ "الدّولة الاجتماعية ليست مجرد شعار وشّح به نصّ الدستور، بل ينبغي أن يكون حقيقة يشعر به المواطن في حياته اليومية وفي مختلف أرجاء البلاد ". واكد أيضا أن الدستور ينصّ على ضمان الدّولة للتعايش بين القطاعين العام والخاص والعمل على التكامل بينهما على قاعدة "العدل الاجتماعي"..
إن تشريك القطاع الخاص في الخدمات الاجتماعية والاقتصادية لا يعني صكا على بياض لهذا القطاع لـ"يتغول" على حساب المقدرة الشرائية للمواطن. كما ان الصعوبات التي يعاني منها القطاع العام لا يجب ان تحول المواطن إلى "فريسة" ينقض عليه القطاع الخاص لتحقيق الربح السريع بأسعار وتكاليف مرتفعة في قطاعات التعليم او الصحة او النقل أو غيرها ..
في تونس، يستفيد القطاع الخاص بدوره من الخدمات العمومية التي تقدمها الدولة ويستفيد من منظومة دعم بعض المواد ومن امتيازات جبائية واعفاءات. ومن المفروض ان ينعكس ذلك على دورها في معاضدة جهود الدولة لتوفير الأمان الاجتماعي للمواطن عبر خدمات اجتماعية وتنموية واقتصادية بتكاليف في المتناول دون ان ينفي ذلك حقها في تحقيق أرباح معقولة ومقبولة لا أرباحا مشطة تضرب مبدأ "العدالة الاجتماعية"..
فاضل الطياشي