مع الشروق : العدوان على إيران ومسارات إخماد الكارثة

مع الشروق : العدوان على إيران ومسارات إخماد الكارثة

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/03/31

يشهد العدوان الصهيوني الامريكي الغاشم على ايران، لحظة مفصلية في تاريخ النظام الدولي، حيث لم تعد الصراعات تُدار وفق قواعد ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل أصبحت خاضعة لمنطق القوة المباشرة وتصفية الحسابات الاستراتيجية والعقائدية.
وفي ظل هذا التصعيد، تبرز عدة مسارات محتملة لإنهاء هذه الحرب الظالمة، تتراوح بين التسوية السياسية والانفجار الشامل، الذي سيجرّ المنطقة والعالم الى كارثة أمنية واقتصادية غير مسبوقة.
أول هذه المسارات هو المسار الدبلوماسي، والذي يعتمد على ضغوط دولية متزايدة من قوى كبرى مثل الصين وروسيا، إضافة إلى أطراف أوروبية متخوفة من انهيار الاقتصاد العالمي، وأطراف عربية على غرار مصر الذي وجه رئيسها نداء مؤثرا لوقف الحرب الكارثية.
هذا السيناريو يقوم على وقف إطلاق النار مقابل تنازلات متبادلة، ربما تشمل إعادة إحياء الاتفاق النووي بشكل معدل، وضمانات أمنية للاحتلال، مقابل رفع تدريجي للعقوبات عن إيران، غير أن هذا المسار يظل هشًا، لأن الثقة بين الأطراف تكاد تكون منعدمة، بالإضافة الى منطق الغطرسة الذي يتبعه ترامب.
المسار الثاني هو الاستنزاف العسكري طويل الأمد، حيث تسعى الولايات المتحدة والاحتلال إلى إنهاك القدرات الإيرانية عبر ضربات جوية مركزة، وحروب بالوكالة على عدة جبهات.
 في هذا السيناريو، لا يكون الحسم سريعًا، بل تتحول الحرب إلى نزاع مفتوح يستنزف الجميع، بما في ذلك الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وهنا قد تراهن إيران على عامل الزمن، مستفيدة من عمقها الجغرافي وشبكة حلفائها في المنطقة.
أما المسار الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في التصعيد الكبير، سواء عبر غزو بري محدود أو ضربات نوعية تستهدف البنية التحتية الاستراتيجية الإيرانية، أو ربما القيام بضربة نووية حاسمة على غرار ما حدث في اليابان ابان الحرب العالمية الثانية.
في هذا السياق، يبرز دور بنيامين نتنياهو، الذي يُنظر إليه كأحد أبرز الدافعين نحو التصعيد، فبالنسبة له يمثل هذا العدوان فرصة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وبعث شرق أوسط جديد لطالما روّج له في خطاباته، وربما أيضًا للهروب من أزمات داخلية.
في المحصلة، لا يمكن إنكار أن هذه الحرب كشفت عن تراجع واضح في التزام الولايات المتحدة بقواعد النظام الدولي، سواء من حيث احترام السيادة أو دور المؤسسات الدولية، فقد بدا أن القانون الدولي أصبح أداة انتقائية، يُستخدم حين يخدم المصالح، ويُتجاهل حين يتعارض معها، وهذا ما أدى إلى تآكل الثقة في النظام العالمي، وزيادة النزعات الفوضوية.
يبقى هنا السؤال الجوهري، من ستكون له اليد العليا في نهاية او في انهاء هذا العدوان؟ الإجابة ليست بسيطة، إذ تمتلك الولايات المتحدة والاحتلال تفوقًا عسكريًا وتقنيًا هائلًا، لكن إيران تراهن على الصمود، وعلى قدرتها على تحويل الحرب إلى عبء طويل الأمد على خصومها، بالإضافة الى ان التاريخ علمنا أن الحروب غير المتكافئة لا تُحسم دائمًا بالقوة العسكرية فقط، بل بالإرادة والقدرة على التحمل وبالتالي من يصرخ أولا.
في المقابل، تتزايد الضغوط الدولية لوقف هذه الحرب، ليس فقط لأسباب إنسانية، بل أيضًا بسبب تداعياتها الاقتصادية الكارثية، من ارتفاع أسعار النفط إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وهذه الضغوط قد تفرض في النهاية تسوية، حتى لو كانت غير مرضية لجميع الأطراف.
الآن تبدو الولايات المتحدة أمام مفترق طرق، إما الاستمرار في العدوان مع ما يحمله من مخاطر غير محسوبة، أو القبول بتسوية تحفظ ماء الوجه، أما إيران فتعتمد على الصمود كاستراتيجية أساسية.
 وبين هذا وذاك، يبقى العالم كله رهينة لهذه المواجهة، التي قد تعيد رسم ملامح النظام الدولي لعقود قادمة، وستغير نتيجتها وجه الشرق الأوسط الى الأبد، بالإضافة الى التحالفات الاقليمية والدولية.
بدرالدّين السّيّاري

تعليقات الفيسبوك