مع الشروق : اغتيال سيف الإسلام القذافي واستمرار النزيف الليبي

مع الشروق : اغتيال سيف الإسلام القذافي واستمرار النزيف الليبي

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/02/07

 في لحظة دقيقة من تاريخ ليبيا التي تعيش على وقع الفوضى والتدخلات الخارجية منذ سقوط نظام العقيد في 2011  جاء اغتيال سيف الإسلام القذافي ليضع نهاية عنيفة لمسار سياسي ظل معلقا ، وليفتح في المقابل أسئلة ثقيلة حول مستقبل البلاد بعد هذه العملية الدموية الجبانة...
فالرجل الذي ابتعد لسنوات عن الاضواء استعدادا للعودة من باب الانتخابات  عاد إلى الواجهة لا عبر عملية سياسية منظمة كما كان يأمل دوما في السر والعلن، بل عبر فعل ارهابي غادر يؤكد مجددا أن السلاح ما زال صاحب الكلمة الفصل في ليبيا.
وتدل كل المؤشرات والحسابات الداخلية والاقليمية ان اغتيال الدكتور سيف الاسلام ليس حادثا فرديا معزولا او عملا انتقاميا ،  بل يأتي هذا العمل الاجرامي في اطار عملية محسوبة نفذت بدقة ما يعكس مستوى من التخطيط يتجاوز الدوافع الشخصية.
والأخطر من الاغتيال نفسه هو الغموض الذي يحيط به، إذ لم تعرف الجهة المنفذة، ولم تتضح الملابسات كاملة، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة مسألة غياب الدولة، وعجز المؤسسات عن فرض الحد الأدنى من الأمن، حتى على شخصيات ذات رمزية عالية ومكانة مثيرة للجدل.
ويبدو ان تداعيات هذا الاغتيال لا تتوقف عند حدود شخص سيف الإسلام، بل تمتد إلى صلب العملية السياسية الليبية خاصة وان الفقيد سيف الاسلام مثل بالنسبة الى شريحة واسعة من الليبيين، ثقلا انتخابيا حقيقيا واملا قائما – وهو ما اكدته جنازته المهيبة يوم امس – لإعادة تشكيل المشهد عبر أدوات سياسية سلمية بعيدا عن الحروب الاهلية المتواصلة منذ سنوات ، وبعيدا عن عسكرة المشهد الذي قاد الى تقسيم البلاد . ومع غيابه تتلقى فكرة توحيد البلاد والمصالحة الوطنية ضربة قاسية، ويغلق أحد المسارات القليلة التي كان يمكن اختبارها عبر الانتخابات.
 ومن الصعب فصل هذا الحدث عن موازين القوى القائمة ، فعودة سيف الإسلام إلى الساحة لم تكن محل ترحيب لدى الأطراف المتحكمة في الشرق والغرب على حد سواء ، وكان وجوده من شأنه إرباك حسابات الاجسام المتحكمة في المشهد، وتهديد مواقع نفوذ استقرت بفعل الانقسام والأمر الواقع. لذلك، بدا غيابه مصلحة مشتركة، حتى وإن اختلفت الحسابات والوسائل بين هذه الأطراف.
كما يأتي هذا الاغتيال في وقت تحتاج فيه ليبيا إلى كسر دائرة العنف والفوضى ، لكن عملية الاغتيال الجبانة اعادت المشهد الى نقطة الصفر وكانت بمثابة رسالة الى  الشارع الليبي مفادها ان التنافس السياسي لا يحسم بالبرامج ولا بالأصوات، بل بالقوة العسكرية وبعربدة الميليشيات.
 وبهذا، تتراجع الثقة في أي مسار انتخابي، ويتعمق الإحباط لدى فئات واسعة ترى أن السياسة باتت رهينة للسلاح.
اغتيال سيف الإسلام لا يطوي صفحة الجدل، بل يفتحها من جديد على نحو أكثر خطورة لانه حدث سيعيد حتما خلط الأوراق، ويغذي توترات كامنة، ويضعف ما تبقى من أمل في تسوية وطنية شاملة. وبينما ودع الليبيون امس الفقيد في جنازة تاريخية تليق بمقامه وتاريخه  ، فان ليبيا تكون قد اضاعت  فرصة أخرى كي تختار طريقها بإرادتها وتقول كلمتها بعيدا عن فوهة البندقية.
 ناجح بن جدو

تعليقات الفيسبوك