مع الشروق : أمننا الغذائي بين ضعف الإنتاج واستقواء المُضاربين !

مع الشروق : أمننا الغذائي بين ضعف الإنتاج واستقواء المُضاربين !

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/23

لا يمكن لأي دولة في العالم ان تحقق السيادة الغذائية دون الترفيع في الإنتاج الفلاحي ، ولا يمكنها ضمان الاستقرار الغذائي لشعبها دون التحكم في أسعار المنتجات الغذائية وحمايتها من المضاربة والاحتكار. ومن الطبيعي ان تكون بلادنا اليوم في قلب هذه المعادلة بالنظر الى ما يشهده العالم من تقلبات أصبحت تهدد الامن الغذائي على مستوى التزويد والاسعار العالمية.
ورغم ان تونس تبدو اليوم محافظة على جانب هام من أمنها الغذائي خاصة في علاقة بإنتاج واستيراد الحبوب، بوصفها الغذاء الأساسي، إلا ان بعض الأغذية الأخرى المنتجة محليا مازالت تشهد بعض التقلبات على مستوى الإنتاج والاسعار. وهو ما يظهر خاصة بالنسبة لبعض المنتجات الفلاحية التي يتراجع انتاجها بين الحين والآخر ولا يلبي الحاجيات والطلبات.
يحصل ذلك رغم أن بلادنا تتوفر بها كل مقومات الإنتاج الفلاحي القادر على تغطية الحاجيات وأكثر، من أراض فلاحية شاسعة وخصبة ومناخ معتدل وثروات طبيعية خاصة ثروة الماء وتقاليد عريقة في الانتاج الفلاحي. وهذا ما يمكن ملاحظته بالنسبة لبعض القطاعات كاللحوم الحمراء وبعض أصناف الخضر والغلال، مع حصول تقلبات ظرفية بين الحين والآخر في منتجات أخرى.
وقد اصبح ذلك يؤثر بشكل واضح على أسعار عديد المنتجات الغذائية الضرورية والتي أصبحت تفوق المقدرة الشرائية للمواطن. فالتونسي اصبح اليوم غير قادر على تحمل أسعار اللحوم الحمراء والاسماك والغلال وبعض الأصناف من الخضر وبعض المصبرات الغذائية  بسبب الارتفاع المشط في أسعارها. ويعود ذلك في غالب الأحيان الى تراجع الإنتاج وقلة العرض.
بإمكان الدولة ان تدفع بكل الوسائل والآليات المتاحة للرفع من الإنتاج الفلاحي لكل المواد. وهو ما يستدعي مزيد تشجيع النشاط الفلاحي وتقديم الحوافز والدعم الضروري للفلّاحين والضغط من اجل تقليص تكاليف الإنتاج الفلاحي في مجال الطاقة والمياه والبذور والمبيدات الفلاحية والتجهيزات الفلاحية وغيرها وخاصة توفير الأسمدة التي أصبحت تمثل اشكالا للفلاحين.
وبإمكان الدولة أيضا تكريس اكثر جهود وحلول لحسن استغلال الأراضي الفلاحية الدولية الممتدة على مساحات شاسعة والقادرة على معاضدة الإنتاج الفلاحي الخاص. فعدة أراض مازالت مهملة والبعض الآخر منها طاله الفساد وسوء التصرف وهو ما بات يحتم خطة وطنية واضحة وحازمة من اجل الاستغلال الأمثل لهذه الأراضي في توفير الحاجيات الغذائية للسوق المحلية.
وتراجع الإنتاج هو جزء صغير من اصل المشكل. فأحيانا يكون الإنتاج من احدى المواد وفيرا لكن الأسعار ترتفع بشكل جنوني نتيجة توسع دائرة المضاربة والاحتكار والممارسات غير القانونية من التجار. وما زاد من تفاقم ذلك هو تراجع دور السلطات المعنية في المجال الرقابي وفي مجال ضبط الأسعار والتحكم فيها وفرض أسعار معقولة من خلال الآليات التي يتيحها القانون.
بالإضافة الى ذلك، آن الأوان اليوم ان تلتفت الدولة بكل حزم الى مسالك توزيع المنتجات الفلاحية  قصد مزيد تنظيمها ورقمنتها وتشديد الرقابة عليها. فما يثير الاستغراب في تونس هو ان سعر البيع عند تاجر التفصيل يساوي 3 او 4 اضعاف سعر البيع لدى الفلاح المنتج، وهو ما يتسبب في استياء الفلاحين وفي عزوفهم عن النشاط الفلاحي ونعود بالتالي الى حلقة ضعف الإنتاج وقلة العرض وارتفاع الاسعار.
إن  النشاط الفلاحي هو قطاع سيادي يهم الامن القومي. ومن المفروض ان يحظى باهتمام اكثر على مختلف المستويات، بدء بالإنتاج من خلال دعم الفلاح وتشجيعه وتقليص تكاليف الإنتاج وتوفير المستلزمات وتطوير وسائل الإنتاج بالتكنولوجيات الحديثة، مرورا بتثمين الأراضي الفلاحية لا سيما الدولية والثروة المائية، وصولا الى مسالك التوزيع والاسعار قصد تنظيمها بقوة القانون وسيطرة الدولة.
من الضروري ان تتجند اليوم مختلف أجهزة الدولة المعنية لمزيد الاحاطة بالقطاع الفلاحي من مختلف المخاطر المحدقة وذلك في مستوى الإنتاج ومسالك التوزيع والاسعار. والثابت ان كل الدول انتبهت في السنوات الأخيرة الى أهمية هذا الملف، رغم ما تواجهه من صعوبات بسبب التقلبات المناخية وشح المياه وقلة الأراضي الفلاحية، عكس تونس التي تتوفر بها مقومات الإنتاج الفلاحي المتطور والوافر 
فاضل الطياشي

تعليقات الفيسبوك