مع الشروق : أزماتنا ليست سحابة صيف...

مع الشروق : أزماتنا ليست سحابة صيف...

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/30

يعيش المواطن التونسي معاناة يومية على مدار السنة بل على مدار سنوات، للحصول على مواد أساسية تمثل أساس عيشه، وليست من قبيل  البذخ أو الترف المعيشي. فمع كل فترة تظهر على السطح ، أزمة جديدة تعكر صفو عيش المواطن وتكرر تلك المشاهد المسيئة لتونس من تدافع وخصومات وعمليات قطع طريق لشاحنات التزويد بتلك المادة المفقودة. وقد تكررت هذه المشاهد في الأزمة الحالية للمياه المعدنية ، وشهدناها سابقا في مادة الدقيق  والغاز ورأينا الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود ورأينا التدافع على مادة السكر. وكل هذه المشاهد جعلت صورة تونس مادة إعلامية للشماتة وحتى للتحريض من قبل بعض القنوات التلفزية معروفة الولاءات بل إن بعضها لم يتوان عن نشر تقارير تتحدث عن أن الشعب التونسي هو أتعس شعوب العالم. 
هذه الأزمات المتكررة ليست مجرد سحابة صيف عابرة، بل هي أزمات هيكلية تكشف عن أمراض الاقتصاد التونسي، الذي فقد هويته منذ العام 2011، حتى أننا لم نعد نعرف إن كان هو اقتصاد السوق الحر، أم هو اقتصاد تتحكم الدولة في كل تفاصيله الكبرى والصغرى. وهنا تكمن مشاكلنا العميقة والهيكلية، التي تحتاج تمشيات وإصلاحات جذرية حتى تختفي تلك المشاهد البائسة. وحتى نفهم جزءا من هذه الأمراض علينا النظر إلى العوامل الداخلية المعرقلة لاقتصاد وطني حيوي ومتنوع المصادر والموارد، فالقوانين مازالت تكبل المبادرات الحرة، والمؤسسات المالية التونسية تتعامل بعقلية قديمة وليست  راغبة في المخاطرة بدعم المشاريع المحلية ولذلك يضعف نسق الاستثمار الداخلي، والإدارة لا تريد التخلي عن بيروقراطيتها التي تتغذى عليها منذ عقود، فتصر في زمن الذكاء الاصطناعي على نظام التراخيص، والرقمنة العرجاء، والدولة بخياراتها لا تسلم للخواص في قطاعات ترهق ميزانية الدولة وهي ليست حيوية، فيتراجع الإنتاج وتضعف المنافسة، وتحضر الرقابة بعين واحدة أحيانا وبنصف عين أحيانا كثيرة. أما العوامل الخارجية فهي عديدة وتشترك تونس مع دول أخرى في كونها دولا متضررة من هذه الأزمات الدولية وهي غير قادرة على تحمل عبء هذه الأزمات على المستوى الاقتصادي، فالحروب تصنعها الدول الكبرى وتتحمل أعباءها الدول المتوسطة أو الضعيفة الدخل. ولكن هذا لا يغفل أن اقتصادنا ظل طوال عقود من الزمان مقيدا بقائمة شركاء ضيقة جدا، وهذا ما يجعلنا نتأثر حتى لأبسط الأزمات، لأن البدائل محدودة جدا. وعلينا أن نستخلص الدروس من هذه الأزمات ونتعامل معها بعقلانية باردة تجعلنا نصل إلى الحلول المستدامة والجذرية. 
كمال بالهادي  

تعليقات الفيسبوك