مع الشروق : «مجلس السلام»... مجلس النصب والاحتيال والسطو!

مع الشروق : «مجلس السلام»... مجلس النصب والاحتيال والسطو!

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/01/28

بتصميم كبير وبغطرسة أكبر يمضي الرئيس الأمريكي ترامب في تدمير منظمة الأمم المتحدة التي جاءت تعبيرا عن إرادة دولية أفرزتها نتائج الحرب العالمية الثانية واستبدال سلطتها بسلطة الولايات المتحدة الأمريكية.. فقد سحب البساط من تحت أقدام المنظمة الأممية ومجلس الأمن الدولي واحالهما على المعاش ليتحولا إلى مجرد هيكل فارغ لا روح فيه ولا حراك.. هيكل بلا سلطة وبلا دور. فإلى أين يريد ترامب أن يأخذ العالم؟ وإلى أي مصير يأخذ المجتمع الدول الذي يكتفي بالفرجة على عملية  نحر المنظومة الأممية القيمة على السلم والأمن الدوليين واستبدالها بالـ «Pax Americana» (السلام الأمريكي).
ما فتئ الرئيس ترامب يتبجّح بأنه جاء لإطفاء الحروب التي يشعلها الآخرون. وما فتئ يتسلّى بتعداد الحروب التي أنهاها (حسب زعمه) ليبلغ عددها ثمانية حروب بالتمام والكمال مع أن العالم ما يزال يشاهد بعجز تواصل العربدة الصهيونية مثلا في لبنان وفي غزة حيث يتواصل القتل تحت راية ـ اتفاقيات سلام ترامب ـ وكذلك في سوريا حيث يحتل الكيان الصهيوني اجزاء واسعة من التراب السوري، علاوة على حرب السودان التي لا تزال تحصد الأرواح وتحرق مقدرات شعب حكم عليه بالعيش على هامش الحياة.
لم يقف الأمر عند هذا الحد.. ولم يكتف ترامب بهذا الكمّ من العبثية ومن الضحك على الذقون حتى طلع علينا بـ«نكتة» ما سماه مجلس السلام في غزة والذي يعدّ آخر مسمار في نعش الأمم المتحدة لأنه ببساطة يستبدل «الشرعية» الدولية بـ«الشرعية الأمريكية». ويبتعد بقضية الشعب الفلسطيني التي دفع في سبيلها الفلسطينيون والعرب بحارا من الدمار وجبالا من التضحيات  عن إطارها الأممي الذي كان أصل المأساة حين زرع هذا الكيان الدخيل على أرض تعود للشعب الفلسطيني.. الآن يريد ترامب من خلال «مجلسه» تحقيق أهداف عجز نتنياهو عن تحقيقها بالحرب والعدوان.. كما يريد تمكين بلاده من كامل ملف القضية الفلسطينية وتنصيب نفسه رئيسا لهذا المجلس الذي ستكون مسووليته الأساسية إرساء السلام في غزة.
فمن يصدق كذبة الدهر هذه؟ ومن الأبله الذي تنطلي عليه حيلة مكشوفة من هذا الحجم؟ ترامب الذي نصب نفسه على أنه «صانع سلام» هو من أخذ المشعل على سلفه بايدن الذي قال أنه اسرائيلي وأغدق على الكيان المال وبالسلاح وبالدعم السياسي ليقول بدوره  أنه «يهودي».. وليغدق على نتانياهو بالمزيد من السلاح والأموال ويوفر له الغطاء السياسي اللازم لاستكمال تدمير قطاع غزة ولاستكمال جريمة الإبادة الجماعية التي نفذها على مدى عامين أمام كل رؤساء العالم وعلى رأسهم ترامب الشريك الكامل في الجريمة وفي الابادة. فكيف يكون رجل لعب هذا الدور القذر وقدّم كل ذلك الدعم لنتنياهو ويتباهى بأنه يهودي عنوانا للسلام؟ وكيف يكون مستأمنا على قضية شعب وقضية أمة وقضية لا تضاهي عدالتها قضية؟
ليس هذا فقط.. بل ان ترامب سبق وأن أعلن اعتزامه امتلاك القطاع بعد أن يخليه نتنياهو من سكانه بغرض إقامة «ريفييرا» يجلب إليها كل أثرياء العالم.. أي أن قضية شعب وحقوق وطنية وعدل وحرية لا تعدو كونها من قاموس ترامب مجرّد مشروع عقاري تتهافت عليه الغربان من كل حدب وصوب فيما يحكم على شعب عانى ويلات القهر والاحتلال والشتات لقرابة الثمانين عاما بالتيه مجددا في المنافي لينعم ترامب وصهره وعائلته وشركاؤه في الجريمة بتكديس المزيد من الثروات ومليارات الدولارات في خزائنهم وفي حساباتهم البنكية.. فأي خدعة هذه التي يريد ترامب تمريرها في ثوب «مبادرة السلام» وأي جريمة هذه التي ينفذها في حق شعب يطلب منه فوق هذا أن يسلّم سلاحه لجلاديه وأن يختار بين الموت بالجوع وبالحصار أو باقتطاع تذكرة خروج بلا عودة من غزة التي دفع في سبيل التمسك بها عشرات آلاف الأرواح وكل تلك الدماء وكل ذلك الدمار.
أبعد من عملية النصب والازدراء بدماء طاهرة زكية وبحقوق ثابتة مشروعة بتوق مشروع للتحرر والانعتاق فإن ما ينفذه ترامب عبر مجلس سلامه المزعوم هو عملية اغتيال ممنهجة للشرعية الدولية.. وعملية تدمير ممنهجة للأمم المتحدة ولمجلس الأمن الدولي.. وغدا تتوسع مشمولات هذا المجلس وتمتد يداه لتطال قضايا أخرى ودولا أخرى مثل كوبا وفينزويلا وكنذا وغرينلاند سيصدر في شأنها ترامب قرارات بالاستحواذ  من ـ مجلس السلام ـ الذي تكون شرعيته قد عوّضت الشرعية الدولية.. فإلى متى يكتفي المجتمع الدولي وكبار العالم وعلى رأسهم دول مثل الصين وروسيا وأوروبا والهند وغيرها على هذه المسرحية الهابطة الذي يلعب فيها دور البطولة رئيس بلهوان ينطّ من ساحة إلى ساحة ويرفع في وجه العالم عصا آلة حربية مدمرة دونها الخضوع أو اشعال حرب عالمية لا تبقي ولا تذر؟ فإلى متى يستمر الصمت وإلى متى تستمر الفرجة؟
عبد الحميد الرياحي

تعليقات الفيسبوك