مع الشروق :  هرمز... المرآة التي كشفت حدود القوّة الأمريكية

مع الشروق :  هرمز... المرآة التي كشفت حدود القوّة الأمريكية

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/11

 بعد أكثر من 5 أشهر على بدء العدوان الامريكي الصهيوني على إيران، برزت مفارقة شديدة الدلالة وهي أن دونالد ترامب الذي دخل المواجهة بمنطق القوة والضغط الأقصى، واضعا إيران أمام خيار القبول بالشروط الأمريكية أو مواجهة قوة عسكرية قادرة على تدمير قدراتها، يجد نفسه اليوم أمام سؤال مختلف تماما وهو كيف يمكن إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز وإعادة الملاحة إلى طبيعتها؟
هذا التحول في الأولويات الامريكية  ليس تفصيلا تكتيكيا عابرا، بل يكشف الكثير عن طبيعة الحرب وموازينها السياسية، فحين ينتقل الهدف الأمريكي من اسقاط الخصم او فرض شروط استسلام عليه إلى البحث عن مخرج يضمن عودة الملاحة، فإن موقع كل طرف على طاولة التفاوض يكون قد تغيّر بالضرورة.
فترامب بات يحتاج إلى نهاية يستطيع تقديمها للرأي العام الأمريكي باعتبارها انتصارا، إذ فمن الصعب على رئيس خاض حربا بهذا الحجم أن يعود ليقول إن المواجهة انتهت دون نتيجة. 
ولذلك أصبح فتح مضيق هرمز بالنسبة إليه أكثر من قضية أمنية واقتصادية، بل عنصر أساسي في صناعة رواية سياسية تمكنه من القول إن القوة الأمريكية حققت هدفا ملموسا وبالتالي هناك نصرا جعل الحرب تنتهي.
لكن المشكلة ليست في فتح المضيق، وإنما في شروط فتحه، فإذا عاد هرمز إلى العمل نتيجة ضغوط أمريكية ومن دون تنازلات إيرانية جوهرية، فسيكون بإمكان واشنطن تسويق ذلك باعتباره انتصارا.
 أما إذا اضطرت إلى قبول شروط طهران مقابل عودة الملاحة، فإن المعنى السياسي سيتغير جذريا، لأن إيران ستكون قد أثبتت أن نهاية الحرب لا يمكن أن تُفرض عليها من طرف واحد.
وهنا تكمن أهمية الاستراتيجية الإيرانية، فطهران لم تكن بحاجة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريا ، وهو أمر غير واقعي في مواجهة فارق هائل في القدرات، وإنما كان هدفها الأهم هو منع التفوق العسكري الأمريكي من التحول إلى نتيجة سياسية حاسمة.
 وفي هذا السياق، تحول الوقت والجغرافيا والطاقة والملاحة وسياسة الصبر الاستراتيجي والتدويخ في المفاوضات ، إلى أدوات ضغط تستطيع إيران استخدامها لتعويض جانب من الفارق العسكري.
بمعنى أوضح أصبح مضيق هرمز ورقة تحدد معنى الانتصار نفسه، فالحروب لا تحسم فقط بعدد الضربات أو حجم الدمار، وإنما بالقدرة على الوصول إلى اللحظة التي يصبح فيها استمرار الحرب أكثر كلفة من التفاوض على إنهائها، ومن يستطيع في تلك اللحظة أن يقول لخصمه يمكنك إنهاء الحرب، ولكن ليس بالشروط التي دخلت بها إليها، يكون قد حقق مكسبا سياسيا بالغ الأهمية.
لهذا فإن تصريحات ترامب عن النصر ستكون أقل أهمية من التفاصيل التي سترافق التسوية النهائية، والسؤال الحقيقي لن يكون من فتح المضيق؟ بل من اضطر إلى تغيير شروطه كي يفتح؟ ومن كان بحاجة إلى الآخر أكثر لإنهاء الحرب؟
في المحصلة تحوّل هرمز إلى مرآة تكشف الفارق بين القوة العسكرية والقوة السياسية، وبين القدرة على بدء الحرب والقدرة على إنهائها، وقد تبدو النتيجة في ظاهرها واحدة سفن تعبر، وملاحة تعود، وأسواق تهدأ، لكن المعنى السياسي سيكون مختلفا تماما إذا حدث ذلك بشروط أمريكية أو بشروط إيرانية.
بدرالدّين السّيّاري
 

تعليقات الفيسبوك