مع الشروق : معركة المخدرات تبدأ قبل الوقوع في الفخ!

مع الشروق : معركة المخدرات تبدأ قبل الوقوع في الفخ!

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/19

تتواصل حملات التوعية التلفزية بمخاطر المخدرات مستهدفة الأطفال والمراهقين والأسر في مسعى إلى حماية الناشئة من الوقوع في الاستهلاك والإدمان، هذه الحملات تكتسي أهمية خاصة في ظل الأرقام المسجلة وما تكشفه من حجم التحدي الذي تواجهه البلاد. 
هذه المعركة لا يمكن أن تقتصر على الملاحقات الأمنية وحجز المواد المخدرة مهما بلغت أهميتهما، بل تقتضي أيضا العمل على الوقاية قبل وقوع الضرر، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة والمجتمع في حماية الشباب من هذه الافة التي استفحلت عالميا.
فخلال سنة 2025، سجلت السلطات التونسية نحو 15 ألفا و253 قضية مرتبطة بالمخدرات، تورّط فيها 27 ألفا و338 شخصا، من بينهم 10 آلاف و592 مروّجا ، والأخطر أن نحو 89 في المائة من المروّجين الموقوفين ينتمون إلى الفئة العمرية بين 19 و40 سنة، فيما تتركز 80 في المئة من حالات الاستهلاك والمتابعة القضائية، وفق الأرقام الواردة، في الفئة العمرية بين 18 و40 سنة.
 المقارنة مع السنوات السابقة تكشف ارتفاع عدد القضايا المسجلة من أكثر من خمسة آلاف قضية سنة 2020 إلى أكثر من خمسة عشر ألف قضية سنة 2025، أي إلى أكثر من ثلاثة أضعاف ، كما سجلت الجهات المعنية خلال السنة نفسها كميات كبيرة من المواد المخدرة المحجوزة، بينها نحو 147 كيلوغراما من الكوكايين وأكثر من 479 ألف قرص مخدر. 
ارتفاع عدد القضايا لا يعني بالضرورة أن عدد المستهلكين ارتفع بالنسبة نفسها، إذ قد تتأثر الأرقام أيضا بتكثيف العمليات الأمنية وتطور أساليب الكشف ،لكنها في جميع الأحوال تؤكد الحاجة إلى مواجهة متعددة الجوانب، لا يقتصر فيها التعامل مع الظاهرة على الجانب الأمني على أهميته خاصة مع " الرؤوس الكبيرة".
فالمخدرات التي تجد طريقها إلى الشباب عبر شبكات الترويج ومسالكها المتشعبة ، تستفيد من الفراغ والهشاشة الاجتماعية وضعف فرص الاندماج وتأثير بعض صفحات التواصل الاجتماعي ومن غياب البدائل التي تمنح الناشئة شعورا بالانتماء والقدرة على بناء المستقبل. ويزداد الوضع تعقيدا حين تعجز الأسرة أو المدرسة عن اكتشاف العلامات المبكرة، أو حين يتحول الخوف من الفضيحة والوصم إلى حاجز يمنع طلب المساعدة، لذلك لا ينبغي أن تقتصر المواجهة على تحذير الشاب من المخاطر، بل يجب أن توفر له من يصغي إليه، ويرشده، ويساعده على تجاوز الصعوبات قبل أن تتحول إلى مدخل نحو الإدمان.
 حملات التوعية هذه، ورغم أهميتها، لن تحقق أهدافها إذا بقيت محصورة في الإعلانات  والندوات الموسمية. فالتوعية ليست ومضة اشهارية في القنوات التلفزية ودرسا نظريا في المدرسة ، بل برنامج توعوي مستمر مع توفير الإحاطة النفسية والاجتماعية، وتسهيل الوصول إلى مراكز العلاج التي اصبحت غائبة . كما أن توسيع الأنشطة الرياضية والثقافية، ودعم المبادرات الشبابية، وتحسين فرص التكوين والعمل، كلها عناصر لا تنفصل عن الوقاية، لأنها توفر للشباب بدائل حقيقية عن الفراغ والهشاشة اللذين قد تستغلهما شبكات الترويج.
الدولة مطالبة بملاحقة المروجين وحماية الحدود، لكنها مطالبة أيضا بحماية الشاب قبل أن يقع في الفخ، فالمعركة ضد المخدرات تُكسب في البيت والمدرسة قبل مركز الأمن، وفي الأمل قبل الخوف، وفي الوقاية قبل أن يتحول الندم إلى إدمان لا تحمله الأسرة ولا المجتمع.
راشد شعور

تعليقات الفيسبوك