مع الشروق : معركة إيران هي أيضا معركة الوجود العربي

مع الشروق : معركة إيران هي أيضا معركة الوجود العربي

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/10

الصراع بين الكيان الصهيوني وإيران فتح الباب أمام حرب إرادات ضروس. حرب فيها لي الأذرع وفيها المواجهة العسكرية المباشرة. ومدار هذه الحرب الورقة اللبنانية.. فمن سيصرخ أولا ومن سيفرض وجهة نظره في حرب الارادات هذه؟
ايران تمضي في مفاوضات مضنية مع أمريكا حليف اسرائيل. مفاوضات توشك أن تثمر اتفاقا لولا بعض التفاصيل ولولا تشويش نتنياهو الذي يريد اجهاض المفاوضات وإعادة حليفه الأمريكي إلى مربع المواجهة العسكرية حتى تحقيق أهدافه الخبيثة.. وهي في حجم تدمير النووي الايراني وتفكيك البرنامج الصاروخي لايران.. وهي في نهاية المطاف أهداف في حجم اسقاط النظام في طهران واستباحة الساحة الايرانية لاستكمال تهيئة المناخات لما يسمى «إسرائيل الكبرى».. مقابل هذا السعي الصهيوني لاجهاض مفاوضات أمريكا وإيران تدرك القيادة الايرانية أن فخ نتنياهو بتواطؤ من الرئيس الأمريكي يهدف إلى  فصل  المسار اللبناني عن مسار مفاوضات انهاء الحرب الأمريكية ـ الصهيونية ـ الايرانية.. لذلك هددت بقصف اسرائيل في حال نفذ نتنياهو وعيده باستهداف بيروت.. ورغم التهديد الايراني و«التنبيه» الأمريكي بضرورة الامتناع عن قصف بيروت فإن نتنياهو نفّذ تهديده في سياق مساعيه المحمومة لاجهاض المفاوضات الايرانية ـ الأمريكية.
وحين استهدف العاصمة اللبنانية رغم تهديد إيران وتحذير ترامب فإنه كان يستهدف في الواقع المفاوضات بين أمريكا وإيران.. لذلك تعمد قصف بيروت بهدف استدراج إيران إلى مربع تنفيذ تهديدها بقصف اسرائيل التي ستجد نفسها مجبرة على الرد.. بما يوفر مناخات لتدخل أمريكا نصرة لحليفها اسرائيل.. وبذلك تشتعل الحرب من جديد وتصبح مفاوضات اسلام أباد بين أمريكا وإيران من الماضي.
لكن الضربة الايرانية للكيان والردّ الصهيوني بضرب أهداف في إيران لم يفضيا إلى عودة الحرب كما خطّط وتوقع نتنياهو.. حيث اكتفى ترامب باستعمال نفوذه للضغط على الطرفين لوقف المواجهات المباشرة وإفساح المجال للمسار الديبلوماسي لحل الاشكالات والقائمة.. وبذلك لم يوافق حساب البيدر حساب الحقل الذي حسبه نتنياهو، فالرئيس ترامب الذي أدرك حجم الورطة التي أوقعه فيها حليفه نتنياهو حين جرّه إلى مربع العدوان على إيران بات يبحث عن مخرج يريحه من هذا الصداع ويخلصة من تبعات هزيمة مدوية تنتظره في ثنايا الحرب مع طرف يملك كلّ التصميم لخوض حرب بقاء ويمتلك كل مقومات الصمود وكل الأوراق لإدارة صراع طويل الأمد يدرك أن الاقتصاد الأمريكي ومن ورائه الاقتصاد العالمي عاجزان عن تحمّل نتائجه على المدى الطويل. وفوق هذا فإن الكونغرس زاد الطين بلّة بأن كبّل يديه في مسألة قرار الحرب على إيران الذي لم يعد قرارا فرديا لرئيس الدولة بل قرارا جماعيا وقرار مؤسسات.. لذلك لم يتبع حليفه نتنياهو في مسار اشعال فصل جديد من الحرب على ايران كان سيفضي حتما إلى تداعيات كارثية على إيران وعلى أمريكا وعلى العالم أيضا.. ولذلك وجد نتنياهو نفسه وحيدا في مواجهة ايران وحليفها حزب الله في لبنان.. ووجد نفسه مجبرا على إعادة تقليب أوراقه والبحث عن صيغة أخرى تعيد تغذية التصعيد مع ايران بالتمادي في العدوان على الجنوب اللبناني عسى الأمور  تتدحرج بشكل يعيد «استدعاء» ضربات إيرانية جديدة ستكون مبررا لإعادة اشعال الحرب مع إيران ومحاولة استدراج أمريكا مجددا للتخلي عن مسار المفاوضات والانخراط في الحرب.
حرب الارادات بين ايران والكيان الصهيوني فتحت عيون العالم على حقيقة واحدة: الكيان الصهيوني لا يملك أجندة أخرى غير أجندة اشعال الحروب والمزيد من الحروب.. فهو قد أنذر العالم انه «ذاهب إلى تغيير خارطة الشرق الأوسط». وتغيير الخارطة يستوجب تدمير حدود وفتح جبهات واحتلال أراض وترهيب كل دول وشعوب المنطقة لاجبارها على الخضوع والاستسلام لرغباته ولـ«استحقاقات إسرائيل الكبرى».. مسار يمضي فيه نتنياهو بتفان كبير مستفيدا من دعم أمريكي عبّر عنه سفير أمريكا في تل أبيب عندما أباح احتلال أراضي 8 دول عربية وضمّها إلى «إسرائيل الكبرى» دون أن ننسى تأكيد ترامب ذات مرة بأن «حدود اسرائيل ضيّقة جدا وأنه سيعمل على  توسيعها».. لكن هذا التوسيع بات يصطدم بصخرة كبرى تتمثل في إيران التي تعرقل بصمودها باقي حلقات المسلسل المتمثلة في استهداف مصر وتركيا وباكستان بمشرط التقسيم كما حددته أجندة نتنياهو وهو ينطلق لـ«تغيير خارطة الشرق الأوسط»..
ولئن كانت أمريكا شريكا في المؤامرة ولئن كان الغرب المنافق متواطئا مع الكيان، فإنه لم يعد للعرب من عذر لكي يتحجّجوا بعدم فهم وادراك الأهداف الظاهرة والخفية. وبالتالي فإنه لم يعد من مجال للصمت وللتمادي في نهج التناقض والعداء مع ايران وهي في الواقع حليف موضوعي وينخرط في حرب عادلة لكسر شوكة الطغيان الصهيوني والاستكبار الأمريكي.. وهذا وذاك يمثلان التهديد الفعلي الحقيقي لمستقبل العرب دولا وأنظمة وشعوبا.. فهل يخرج العرب من دائرة الصمت ويعلنوا انحيازهم لايران في جهودها للدفاع عن نفسها وعن لبنان وفي هذا وذاك دفاع عن الوجود العربي.
عبد الحميد الرياحي

تعليقات الفيسبوك