مع الشروق : بُطء .. في زمن السّرعة

مع الشروق : بُطء .. في زمن السّرعة

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/05/08

في تونس يسود البطء أغلب القطاعات والمجالات في وقت تحتاج فيه البلاد الى سرعة قصوى لتحقيق انتظارات الناس والدولة ولتجسيم إرادة التسريع بالإصلاح والتنمية التي دعا اليها رئيس الجمهورية أكثر من مرة.. بطء "قاتل" يخنق كل شيء تقريبا، سواء تعلق الامر بالإصلاحات المنتظرة او بتحقيق النمو الاقتصادي والتنموي المنشود او الرقي الاجتماعي المنتظر..
اغلب الدول مرت منذ سنوات الى العمل بقاعدة "تسريع النمو" في كل المجالات. إذ لم تعد الرهانات والتحديات الدولية والإقليمية والداخلية المطروحة تسمح بالتأخر عن الركب او البطء. فمن يتأخر او يتباطأ عن اتخاذ قرار او تنفيذه يجد نفسه خارج سياق التطور والنمو والحداثة والعولمة ولن يقدر على مجاراة النسق العالمي المتسارع في شتى المجالات.
في السنوات الاخيرة من القرن الماضي ومطلع القرن الجاري مثلت تونس استثناء من حيث التسريع في تحقيق عديد التطورات مقارنة بدول المنطقة او بدول أخرى تشبهنا من حيث الوضعية الاقتصادية والمالية، خاصة في مجالات الرقمنة والتكنولوجيا ( تعميم الانترنات والاعلامية) والتسيير الإداري ( الإدارة السريعة) والتشريعات المتطورة. إلا ان ما حصل منذ سنة 2011 وخلال العشرية التي تلتها مثل شبه قطيعة مع ذلك التطورالمتسارع ليحل محله البطء في عديد المجالات .
بطء أصبح من السهل ملاحظته في مجال المشاريع العمومية التي دعا رئيس الجمهورية مؤخرا الى إعادة النظر في القانون المنظم لها قصد تسريع انجازها.. وبطء داخل الإدارة نتيجة البيروقراطية الثقيلة التي تعطل الاستثمار والمبادرات الخاصة والمشاريع التنموية والشؤون المعيشية اليومية للمواطن. وهو ما انعكس على نسق النمو وعلى معيشة الناس وعطل التطور الاقتصادي والاجتماعي المنشود..
كم من مشروع عمومي تعطل تنفيذه على امتداد سنوات بسبب البيرقراطية.. وكم من قرار اداري ضروري للإصلاح والتطوير طال انتظاره سنوات، خاصة قرارات الإصلاح التشريعي والرقمنة الكاملة والشاملة وقرارات تحقيق الانتقال الطاقي وقرارات اصلاح منظومة الدعم ومسالك التوزيع والاسعار وإصلاح منظومات التربية والصحة والنقل والتشغيل والبنى التحتية..
ولا تسلم من البطء أيضا التراخيص والموافقات الإدارية الضرورية سواء للمواطن لقضاء شؤونه الحياتية اليومية او للمستثمر (المحلي والاجنبي) لبعث مشاريع التنمية. فكلاهما يضطر للتردد على اكثر من إدارة والوقوف في الطوابير الطويلة لاستخراج عشرات الوثائق ولانتظار الموافقات والتراخيص بين الإدارات وانتظار انعقاد اجتماعات اللجان والهيئات والمجالس، وهي عديدة .. وهو ما يتسبب في ضياع وقت طويل على المواطن وعلى البلاد.
بعملية حسابية يمكن التأكد من حجم الخسائر المالية والتنموية التي يتكبدها الاقتصاد الوطني والبلاد، والخسائر الاجتماعية التي يتحملها الشعب نتيجة هذا البطء في شتى المجالات. فالبيروقراطية المعطلة والاجراءات البطيئة تمثل أبرز العقبات التي تعرقل التنمية الاقتصادية وتؤدّي إلى خسائر مالية فادحة: تعطيل المشاريع وهروب المستثمرين، خاصة الشركات الناشئة، وتراجع الإنتاجية وضياع فرص العمل واستنزاف ميزانية الدولة وتراجع الصادرات وهروب الكفاءات الشابة إلى الخارج، وتردي خدمات المرفق العام واستشراء الفساد..
لم يعد أمام بلادنا وقت طويل للتخلص من "سلوك" التباطؤ والتعطيل الذي يخنق النمو ويكبّل التطور الاقتصادي والاجتماعي. ولا يتطلب ذلك سوى التحلي بالجرأة والشجاعة لاتخاذ قرارات تقطع مع هذا السلوك داخل الإدارات العمومية وداخل المجتمع بداية بالإصلاحات التشريعية والهيكلية. فالدول "الصغرى" التي أصبح يُضرب بها المثل اليوم في التطور الاقتصادي والتكنولوجي والتقدم العلمي والرقمي والنمو الاجتماعي لم تكن لتحقق ذلك لولا توجهها نحو السرعة القصوى والتخلص من التباطؤ في كل المجالات والقطاعات..
فاضل الطياشي

تعليقات الفيسبوك