مع الشروق : بين هدنة النار وموازين القوة
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/04/09
في عالم يضيق فيه هامش المناورة وتتسارع فيه الأزمات، لا تأتي اتفاقات وقف إطلاق النار مجرّد لحظات لالتقاط الأنفاس، بل تكون في الغالب مؤشرات عميقة على تحوّلات في موازين القوى وإعادة ترتيب للأولويات الإستراتيجية.
من هذا المنطلق يكتسب اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران أهمية استثنائية، ليس فقط لكونه يجنّب المنطقة تواصل المواجهة المفتوحة، بل لأنه يعكس تحوّلا في طريقة إدارة الصراع بين الطرفين.
لقد ظلّت العلاقة بين واشنطن وطهران لعقود محكومة بمنطق التصعيد المتدرّج، عقوبات اقتصادية، رسائل عسكرية غير مباشرة، واستعراض للقوة عبر الوكلاء في الإقليم، وصولا إلى العدوان الشامل على إيران في حرب الأربعين يوما، لكن الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ولو كان هشا ومؤقتا،يكشف أن كلفة المواجهة الشاملة أصبحت أعلى من قدرة أمريكا والكيان المحتل على التحمل، سواء سياسيا أو اقتصاديا أو حتى عسكريا.
أول دلالة لهذا الاتفاق هي اعتراف ضمني بحدود القوة، فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، عجزت في هذه الحرب المفتوحة على إيران عن تحقيق أي من أهدافها المعلنة فضلا عن إشعالها الحريق في كامل المنطقة من الخليج إلى شرق المتوسط، وتهديد إمدادات الطاقة العالمية.
الدلالة الثانية تتعلّق بطبيعة الصراع نفسه، فالاتفاق لا ينهي النزاع، بل ينقله من ساحة المواجهة المباشرة إلى ميادين أخرى أكثر تعقيدا من بينها التفاوض غير المباشر، الحرب السيبرانية، النفوذ الإقليمي، وصراع الإرادات عبر الحلفاء، بمعنى آخر، نحن أمام انتقال من حافة الهاوية إلى إدارة التوتر، وهي مرحلة قد تكون أكثر استقرارا ظاهريا لكنها لا تقل خطورة في العمق.
أما على المستوى الإقليمي، فإن هذا الاتفاق يبعث برسائل متباينة إلى القوى الفاعلة في الشرق الأوسط التي عاشت على وقع الحرب الأمريكية الإيرانية، التي قد ترى في هذه الهدنة فرصة لالتقاط الأنفاس وتعزيز مسارات التهدئة التي بدأت في السنوات الأخيرة،وفي المقابل، ستجد أطراف أخرى نفسها أمام واقع جديد يفرض إعادة حساباتها، خاصة تلك التي بنت استراتيجياتها على فرضية الصدام الحتمي بين واشنطن وطهران.
ولا يمكن إغفال البعد الدولي للاتفاق، فالعالم اليوم يعيش تحولات كبرى، مع صعود قوى جديدة وتراجعا نسبيا للهيمنة الأمريكية الأحادية،وفي هذا السياق، يبدو أن الكفة بدأت تميل اليوم إلى مشهد ينهي مع العالم الأحادي إلى آخر متعدد الأقطاب، خاصة وأن الاتفاق الذي تم التوصّل إليه يعتبر نصرا بيّنا للقوى الصاعدة وللتحالفات المناهضة للنزعة الأمريكية وعلى رأسها البريكس، حيث لعبت إيران على كسر طوق العزلة عبر محاولة تغيير التوازنات الدولية، مستفيدة من تعدد الأقطاب.
إنّ اتفاق وقف إطلاق النار، في جوهره، ليس نهاية للصراع، بل هو إعادة تعريف له، فهو إعلان غير مباشر بأن زمن الحروب التقليدية الكبرى قد لا يكون الخيار الأول، وأن إدارة الأزمات أصبحت أكثر تعقيدا وتشابكا، وفي هذا المشهد، تبقى المنطقة العربية أكثر الأطراف تأثرا، لأنها غالبا ما تتحوّل إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.
في المحصلة، يمكن القول إن هذا الاتفاق يعكس براغماتية متبادلة، لكنه لا يضمن استقرارا دائما، فهو هدنة في صراع طويل، عنوانه الأساسي أن توازن القوة لا يُحسم بالسلاح فقط، بل بالقدرة على إدارة التوتر وتفادي الانفجار الذي نجحت فيه إيران، وبين هدنة النار وموازين القوة، يبقى المستقبل مفتوحا على كل الاحتمالات.
هاشم بوعزيز
في عالم يضيق فيه هامش المناورة وتتسارع فيه الأزمات، لا تأتي اتفاقات وقف إطلاق النار مجرّد لحظات لالتقاط الأنفاس، بل تكون في الغالب مؤشرات عميقة على تحوّلات في موازين القوى وإعادة ترتيب للأولويات الإستراتيجية.
من هذا المنطلق يكتسب اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران أهمية استثنائية، ليس فقط لكونه يجنّب المنطقة تواصل المواجهة المفتوحة، بل لأنه يعكس تحوّلا في طريقة إدارة الصراع بين الطرفين.
لقد ظلّت العلاقة بين واشنطن وطهران لعقود محكومة بمنطق التصعيد المتدرّج، عقوبات اقتصادية، رسائل عسكرية غير مباشرة، واستعراض للقوة عبر الوكلاء في الإقليم، وصولا إلى العدوان الشامل على إيران في حرب الأربعين يوما، لكن الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ولو كان هشا ومؤقتا،يكشف أن كلفة المواجهة الشاملة أصبحت أعلى من قدرة أمريكا والكيان المحتل على التحمل، سواء سياسيا أو اقتصاديا أو حتى عسكريا.
أول دلالة لهذا الاتفاق هي اعتراف ضمني بحدود القوة، فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، عجزت في هذه الحرب المفتوحة على إيران عن تحقيق أي من أهدافها المعلنة فضلا عن إشعالها الحريق في كامل المنطقة من الخليج إلى شرق المتوسط، وتهديد إمدادات الطاقة العالمية.
الدلالة الثانية تتعلّق بطبيعة الصراع نفسه، فالاتفاق لا ينهي النزاع، بل ينقله من ساحة المواجهة المباشرة إلى ميادين أخرى أكثر تعقيدا من بينها التفاوض غير المباشر، الحرب السيبرانية، النفوذ الإقليمي، وصراع الإرادات عبر الحلفاء، بمعنى آخر، نحن أمام انتقال من حافة الهاوية إلى إدارة التوتر، وهي مرحلة قد تكون أكثر استقرارا ظاهريا لكنها لا تقل خطورة في العمق.
أما على المستوى الإقليمي، فإن هذا الاتفاق يبعث برسائل متباينة إلى القوى الفاعلة في الشرق الأوسط التي عاشت على وقع الحرب الأمريكية الإيرانية، التي قد ترى في هذه الهدنة فرصة لالتقاط الأنفاس وتعزيز مسارات التهدئة التي بدأت في السنوات الأخيرة،وفي المقابل، ستجد أطراف أخرى نفسها أمام واقع جديد يفرض إعادة حساباتها، خاصة تلك التي بنت استراتيجياتها على فرضية الصدام الحتمي بين واشنطن وطهران.
ولا يمكن إغفال البعد الدولي للاتفاق، فالعالم اليوم يعيش تحولات كبرى، مع صعود قوى جديدة وتراجعا نسبيا للهيمنة الأمريكية الأحادية،وفي هذا السياق، يبدو أن الكفة بدأت تميل اليوم إلى مشهد ينهي مع العالم الأحادي إلى آخر متعدد الأقطاب، خاصة وأن الاتفاق الذي تم التوصّل إليه يعتبر نصرا بيّنا للقوى الصاعدة وللتحالفات المناهضة للنزعة الأمريكية وعلى رأسها البريكس، حيث لعبت إيران على كسر طوق العزلة عبر محاولة تغيير التوازنات الدولية، مستفيدة من تعدد الأقطاب.
إنّ اتفاق وقف إطلاق النار، في جوهره، ليس نهاية للصراع، بل هو إعادة تعريف له، فهو إعلان غير مباشر بأن زمن الحروب التقليدية الكبرى قد لا يكون الخيار الأول، وأن إدارة الأزمات أصبحت أكثر تعقيدا وتشابكا، وفي هذا المشهد، تبقى المنطقة العربية أكثر الأطراف تأثرا، لأنها غالبا ما تتحوّل إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.
في المحصلة، يمكن القول إن هذا الاتفاق يعكس براغماتية متبادلة، لكنه لا يضمن استقرارا دائما، فهو هدنة في صراع طويل، عنوانه الأساسي أن توازن القوة لا يُحسم بالسلاح فقط، بل بالقدرة على إدارة التوتر وتفادي الانفجار الذي نجحت فيه إيران، وبين هدنة النار وموازين القوة، يبقى المستقبل مفتوحا على كل الاحتمالات.
هاشم بوعزيز