مع الشروق : السماء لا تخطئ !

مع الشروق : السماء لا تخطئ !

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/02/02

لم تعد الأمطار في تونس حدثا موسميا عابرا، ولا الفيضانات أخبارا طارئة يستبشر لها المواطن ليوم ثم تمر وتُنسى ، الامر لم يعد كذلك ، فما شهدته عديد المدن في الأيام الأخيرة من غرق أحياء، وانقطاع طرقات، وتعطّل في المرافق، لم يكن مفاجأة بقدر ما كان تذكيرا بواقع بات جديدا وحقيقة باتت تتكرر.
هذا الواقع دفع هذه المرّة ثمنه بشر، بعد تسجيل وفيات لمواطنين داهمتهم المياه في منازلهم وفي الطرقات وتوقّفت بسببه الحياة في مدن كاملة، وتعطّلت الدراسة، وتأخّر العمل، وارتبك النقل..
المسألة لم تعد في كميات الأمطار المسجلة في أوقات قليلة، بل في أثرها المضاعف ،فحين تتحوّل ساعات المطر إلى خسائر في الأرواح وتعطل للانشطة والمصالح، فذلك يعني أنّ الخلل أعمق من الطقس والتقلبات الجوية ... فبسبب الغيث النافع مدارس أغلقت أبوابها، وتلاميذ حرموا من دروسهم، وموظفون لم يصلوا إلى أعمالهم، ومرضى تعطّل وصولهم إلى العلاج...تفاصيل يومية تبدو بسيطة في أيام ممطرة ، لكنها حين تتراكم، تكشف هشاشة منظومة كاملة لم تستعد لمناخ يتغيّر.
الدراسات العلمية ومنذ سنوات حذّرت  من تسارع المتغيرات المناخية في المنطقة بل في اغلب مناطق العالم ، كما نبهت من ارتفاع حدّة الظواهر وتطرفها ، ليس لأن السماء تغيّرت بفعل التلوّث فقط ، بل لأن العلاقة مع الأرض اختلّت ليتحول الخطر الطبيعي إلى مأساة بشرية بفعل تراكم توجهات واختيارات قصيرة النظر والبصر .. لم يعد الحديث عن طبيعة تختبر جاهزيتنا وتضع خياراتنا العمرانية واللوجستية على المحكّ مجرّد توصيف عابر، بل تحوّل إلى أسئلة تُطرح بإلحاح شديد: هل ما تزال سياسات البناء والعمران، وإسناد الرخص، ومدّ الطرقات، وأنظمة تصريف المياه، وتوسّع المدن منسجمة مع هذا الواقع المناخي الجديد؟ أم أنّها لا تزال أسيرة تصوّرات قديمة ترفض أن تتغيّر أو تتطوّر؟ 
الدولة تتحمل المسؤولية هنا ،لكن المواطن ليس من هذا براء ..فالبناء العشوائي الذي امتدّ فوق مجاري الاودية وفي مناطق غير مهيّأة في غفلة من رقابة اجهزة الدولة جعل  احياء كبرى تغرق مع كل مطر ، والاشكال لا يطرح مع اليابسة ، بل حتى مع البحار ، ففي كل دول العالم، تتطوّر وسائل الربط وتستحضر هذه المتغيرات  فتُختصر المسافات، وتُربط اليابسات بالجسور والأنفاق والقطارات السريعة، أمّا بين صفاقس وقرقنة، فما زال التنقّل كما هو مرهونًا بالرياح والأمواج، وبساعات انتظار قد تمتدّ بلا وضوح، بل بلا رؤية .. ساعات مضنية للتنقّل بين يابستين تفصلهما اميال قليلة في زمن صار فيه الزمن نفسه معيارًا للتقدّم.
في كلمة موجزة ، المتغيرات المناخية لم تعد خطرا مؤجلا، بل واقعا نعيشه الآن في كل نهج يغرق وفي كل رحلة بحرية تتعطل. ..والحل لا يبدأ من السماء، بل من الأرض؛ من مراجعة جذرية لمخططات التهيئة العمرانية وقنوات تصريف المياه ، وابتكار حلول نقل تتحدّى التقلبات الجوية التي باتت واقعا جديدا يفرض حلولا جديدة.
لقد انتهى زمن الحديث عن التغير المناخي بصيغة المستقبل، وشجاعة الاعتراف بفشل النموذج القديم هي الخطوة الأولى نحو بناء مدن  لا تشلّها قطرات المطر، بل تجعل منها مصدرا للحياة والاستبشار..
راشد شعور 
 

تعليقات الفيسبوك