مع الشروق :  المؤسّسات العُمومية المُفلسة: عبءٌ ثقيل.. واعترافٌ مُتأخرٌ!

مع الشروق :  المؤسّسات العُمومية المُفلسة: عبءٌ ثقيل.. واعترافٌ مُتأخرٌ!

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/31

أخيرا اعترفت الحكومة صراحة أن «أغلب المؤسسات العمومية أصبحت تُشكّل عبئاً على ميزانية الدولة، نظرا لأنها لا تُحقّق أرباحاً مالية، بقدر ما تلجأ إلى الدولة لتمويل مستحقاتها وضمان استمراريتها» بحسب تصريح وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ اول امس أمام نواب البرلمان «. اعتراف – وإن جاء متأخرا- إلا أنه  يمثل ناقوس خطر نهائي للوضع «الكارثي» الذي اصبحت عليه عديد المؤسسات العمومية في بلادنا. فهذه المؤسسات المعنية تمر بصعوبات مالية تحول دون القيام بالدور الموكول لها في مجالها وتحول أيضا دون إيفائها بتعهداتها المالية تجاه المزودين والحرفاء واصبحت بذلك عبئا على الدولة وعلى المواطن..
ما لا يقل عن 195 مؤسسة ومنشأة عمومية، وفق القائمة الرسمية لرئاسة الحكومة، تختلف تسمياتها الرسمية بين ودواوين وصناديق ومعاهد ومراكز ووكالات ومستشفيات وشركات نقل وأقطاب وبنوك وشركات تنشط في مختلف المجالات. غير ان عددا قليلا منها فقط تمكن من تحسين وتطوير الأداء ومساندة خزينة الدولة وتحقيق أرباح تجارية وتوازنات مالية دون تسجيل خسائر كبرى..  في المقابل ظل شق هام من هذه المؤسسات - على امتداد سنوات - دون المستوى المطلوب منه سواء من حيث الأداء او من حيث التوازنات المالية وكأنها تعمل وتزاول نشاطها فقط من أجل مراكمة الخسائر لا غير...
ولا يتوقف الامر حد فشلها في مهامها وفي تحقيق توازناتها المالية ، بل إن الدولة والمواطن – دافع الضرائب- يتكبد الانفاق على هذا الفشل  من خلال ما يقع ضخه من ميزانية الدولة ( القائمة أساسا على الضرائب) للانفاق على الأجور والامتيازات وعلى سوء التصرف وشبهات الفساد داخل هذه المؤسسات ! . وما كان لكل ذلك أن يحصل لو كانت المؤسسات العمومية خاضعة لحوكمة رشيدة وحسن تصرف ومُحصّنة تجاه الفساد. فمنذ سنة 2011 استغل البعض ضعف الدولة وغياب الرقابة وتوفر الحماية السياسية «للعبث» بهذه المؤسسات وبمقدراتها ولإتيان ممارسات مشبوهة داخلها خدمة لمصالح شخصية وعائلية وسياسية وحزبية...
وضعية عجيبة وغريبة مازالت تعيشها هذه المؤسسات الآن، وكان على الدولة ان تتفطن الى أصل الداء منذ سنوات وليس الآن بعد ان «ابتلعت» هذه المؤسسات الفاشلة آلاف المليارات من ميزانية الدولة ومن عرق المواطن دون ان يتحسن حالها. وهو ما يدفع الى التساؤل عن سبب هذا البطء والمماطلة في معالجة الملف وفي تحميل المسؤوليات للمتسببين في ذلك. ويشمل ذلك عديد المؤسسات التي اتضح اليوم عجزها وهشاشتها وذلك خاصة في قطاعات الفسفاط والكهرباء والماء والنقل والصحة والتعليم وفي قطاعات الصناعة والفلاحة والسياحة، وغيرها إضافة الى الصناديق الاجتماعية..
ورغم تأكيد رئيس الدولة على ضرورة المحافظة على المؤسسات العمومية وعدم التفويت فيها للخواص والعمل على إصلاحها وحمايتها، إلا أن عديد المؤشرات باتت تؤكد صعوبة تحقيق هذه الغاية. صحيح ان المؤسسات العمومية تُعد ثروة وطنية تستوجب الحماية والإصلاح والإنقاذ إلا أن هذه المهمة أصبحت تبدو اليوم أكبر من قدرات الدولة بالنظر الى حاجة هذه المؤسسات لاعتمادات كبرى قصد انقاذها مما كان سائدا داخل بعضها من مظاهر فساد وسوء تصرف وحوكمة ضعيفة.. وهو ما قد لا تقدر الدولة على توفيره اليوم بالنظر الى ما تواجهه الميزانية بدورها من صعوبات.
يتطلب إيقاف النزيف داخل المؤسسات العمومية المفلسة مراجعات جذرية على مستوى التسيير ومحاسبة كل من اتضح تورّطه في ممارسات مشبوهة ليكون عبرة لمن سيخلفه. أما الإصلاح فيتطلب بدوره خططا واستراتيجيات عملية وواقعية يقع تنفيذها بشكل عاجل تحت رقابة الدولة، ومراجعة شاملة لأساليب العمل داخل هذه المؤسسات ورقمنتها وفرض تحسين المردودية والإنتاجية على العاملين فيها عبر عدة آليات حتى لا يقع الاكتفاء داخلها فقط بالاجور والامتيازات والسيارات الإدارية والمكاتب المكيفة..  فلا شيء يمنع عديد الشركات من النهوض مجددا إلا إذا تواصل داخلها سوء التصرف والفساد و«العبث» وغابت عنها الحوكمة الرشيدة..
فاضل الطياشي
 

تعليقات الفيسبوك