حين يغيب الفكر والإرادة: العنف المدرسي يحصد الأرواح

حين يغيب الفكر والإرادة: العنف المدرسي يحصد الأرواح

تاريخ النشر : 17:49 - 2026/02/11

لم يكن مقتل تلميذ في المنستير مجرّد خبر مأساوي آخر في شريط الأحداث اليومية. كان صفعة موجعة أخري لضمير مجتمع كامل، وإشارة إنذار جديدة إلى أن المدرسة التونسية لم تعد فقط فضاء تعليم، بل باتت، في حالات متكررة، فضاء خطر على الحياة نفسها.

وحين يصبح القتل ممكنًا داخل أو حول المؤسسات التربوية، فإن السؤال لا يعود: من الفاعل؟ بل يصبح:
    ما الذي جعل هذا الفعل ممكنًا أصلًا؟

تجمع العلوم الاجتماعية على أن العنف المدرسي لا يولد من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات صامتة: هشاشة أسرية، ضعف تأطير، غياب إحاطة نفسية واجتماعية داخل المؤسسة، فراغ قيمي، ومحيط اجتماعي مأزوم. وهو ما عبّر عنه عالم الاجتماع بيار بورديو بقوله إن المدرسة، حين تفقد قدرتها على الإدماج والحماية، تتحوّل من فضاء للترقي الاجتماعي إلى فضاء لإعادة إنتاج العنف الاجتماعي ذاته.

وهو تمامًا ما نشهده اليوم:
عنف بين التلاميذ، اعتداءات على المدرسين، أسلحة بيضاء في ساحات المدارس، انقطاع مبكر عن الدراسة، وغياب شبه كلي لخدمات الدعم النفسي والاجتماعي.
كل ذلك موثّق علميًا… لكن غير مُستثمر سياسيًا.

  • وسائل التواصل الاجتماعي: حين يصبح العنف عرضًا قابلاً للمشاركة

لقد بيّنت دراسات حديثة في علم النفس الاجتماعي أن التعرض المكثف لمحتويات عنيفة أو تحريضية عبر وسائل التواصل الاجتماعي يزيد من تطبيع العنف، ويضعف الحسّ الأخلاقي تجاه الضحية، خاصة لدى المراهقين (Bandura, Social Learning Theory).

وتشير دراسات اليونسكو حول "التنمّر الرقمي (Cyberbullying) "إلى أن التهديدات، والتشهير، والتحريض الإلكتروني غالبًا ما تنتقل من الشاشة إلى ساحة المدرسة، لتتحوّل من كلمات إلى أفعال، ومن سخرية إلى جريمة.

في كندا وفنلندا، على سبيل المثال، أُدرجت برامج التربية الإعلامية الرقمية داخل المناهج المدرسية كآلية وقائية ضد العنف، ونجحت في تقليص السلوك العدواني بنسبة ملحوظة خلال خمس سنوات.
أما في تونس، فما زال هذا البعد غائبًا عن السياسات التربوية، رغم اتساع تأثيره وخطورته.

  • حين تصبح المعرفة العلمية بلا أثر سياسي

الأخطر من العنف ذاته أن الحلول معروفة، ومجرَّبة، ومثبتة علميًا عبر بحوث تطبيقية أنجزناها وأنجزها مختصون في تونس، لكنها تظلّ حبيسة الأدراج ولا تُفعَّل.
في الأدبيات الحديثة، يُطلق على هذا الانفصال بين البحث والقرار مصطلح "السياسات العمومية غير المبنية على الأدلة"، وهو ما يعتبره أنطوني غيدنز شكلًا من أشكال العنف الرمزي ضد المجتمع، لأن تجاهل المعرفة العلمية في إدارة الشأن العام لا يقلّ خطورة عن تجاهل القانون نفسه.

فمنذ أكثر من عشرين سنة، تؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية واليونسكو أن المدرسة التي لا تتوفر فيها آليات حماية وإحاطة نفسية واجتماعية هي مدرسة مهيّأة للفشل التربوي والانفجار العنيف.

  • ما الذي يمنع تطبيق البديهي؟

أولًا: حماية الفضاء المدرسي
تشير تقارير اليونسكو إلى أن وجود إطار وقائي قار في محيط المدرسة يخفّض معدلات العنف بنسبة تصل إلى 30%. في فرنسا وإسبانيا، على سبيل المثال، تم اعتماد أعوان حماية تربويين داخل المؤسسات بدل المقاربة الأمنية الصرفة، وحققت نتائج إيجابية دون عسكرة المدرسة.

في تونس، يبقى السؤال مؤلمًا وبسيطًا:
كم تلميذًا يجب أن يُقتل حتى يصبح تأمين المدرسة أولوية وطنية؟ !

ثانيًا: تنظيف محيط المؤسسات التربوية

لا يمكن فهم العنف المدرسي دون النظر إلى ما يحيط بالمدرسة من اختلالات خطيرة تُحوّلها إلى فضاء هشّ ومخترق، حيث ينتشر ترويج المخدرات واستقطاب الأطفال والمراهقين المنقطعين عن الدراسة وغير المدمجين في التكوين المهني، بما يجعلهم عرضة للانحراف وإعادة إنتاج العنف داخل المدرسة وحولها. ويتفاقم ذلك مع مظاهر التسكّع والتسيّب الأسري، حين يُترك التلاميذ بعد الدروس أمام المؤسسات أو في المقاهي المجاورة دون متابعة، إضافة إلى الخروج العشوائي خلال ساعات الفراغ (heures creuses) دون رقابة تربوية، في خرق واضح لمبدأ حماية الطفل.

إن هذا الواقع لا يعكس هشاشة أمنية فقط، بل إخفاقًا تربويًا واجتماعيًا تتحمّل مسؤوليته مؤسسات التربية وحماية الطفولة والإحاطة الاجتماعية. فتنظيف محيط المدارس لا يقتصر على إبعاد المظاهر الإجرامية، بل يقتضي إعادة إدماج المنقطعين، ضبط الزمن المدرسي، تفعيل الرقابة التربوية، وبناء شبكة حماية تجعل المدرسة فضاء حياة لا مجرّد فضاء تعليم.ف حماية محيط المدارس ليست إجراءً أمنيًا بل سياسة وقائية اجتماعية.

ثالثًا: إعادة الاعتبار لدور الأسرة
شدّد إميل دوركايم منذ بدايات علم الاجتماع على أن التربية ليست فعلًا مدرسيًا فقط، بل نتيجة شراكة ثلاثية: الأسرة، المدرسة، المجتمع. غير أن العلاقة بين المدرسة والأولياء في تونس غالبًا ما تُختزل في استدعاءات ظرفية بعد وقوع الكارثة، بدل أن تكون شراكة دائمة في الوقاية.

  •  الردع… لكن بالعلم لا بالعقاب الأعمى

تؤكد الدراسات المقارنة أن التساهل غير المؤطر مع الانحراف المدرسي يساهم في تطبيعه وانتشاره. لكن في المقابل، فإن العقوبة غير المصحوبة بإصلاح تُنتج ما وصفه Michel Foucault  بـ "إعادة تدوير الجريمة بدل إنهائها".

في ألمانيا وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، يُحال التلاميذ المتورطون في العنف الخطير إلى مراكز تأهيل نفسي وسلوكي إلزامية، مع مواصلة التعليم أو التكوين المهني، بدل الاكتفاء بالإقصاء أو الطرد. وقد أثبتت هذه السياسات تراجع معدلات العنف والانقطاع المدرسي بشكل ملموس.

أما في تونس، فما زالت هذه الحلول إما معطّلة أو غائبة، في مشهد يطرح سؤالًا موجعًا:
هل الأزمة في الوسائل… أم في غياب الإرادة والعقول التي تُخطّط؟

  • أين الأخصائي النفسي والاجتماعي داخل المؤسسة التربوية؟ ولماذا يُصرّ القرار العمومي على تغييب العلم؟

تُجمع دراسات الصحة النفسية المدرسية (School Mental Health) على أن وجود أخصائي نفسي-اجتماعي قار داخل المدرسة يقلّص السلوك العدواني والانقطاع المدرسي بنسبة قد تصل إلى 40%، عبر التشخيص المبكر والتدخل الوقائي.

وقد لخّص عالم النفس الأمريكي James Comer هذه الحقيقة بقوله:

"لا يمكن للمدرسة أن تُعلّم عقلًا يعاني، ولا أن تُربّي طفلًا متروكًا نفسيًا."

ومع ذلك، لا يزال هذا الاختصاص مهمّشًا في تونس، في مفارقة تثير سؤالًا أخطر من العجز: لماذا نُصرّ على إدارة المدرسة بعين واحدة ودون معرفة؟

  •  العنف المدرسي ليس أزمة تعليم… بل أزمة مجتمع

وفق المقاربة الإيكولوجية لـBronfenbrenner، فإن سلوك الطفل أو المراهق هو نتاج تفاعل أنساق متعددة: أسرة مأزومة، فقر وهشاشة، إعلام يطبّع مع العنف، شبكات اجتماعية تروّج للهيمنة والاستعراض، ومؤسسات عاجزة عن الحماية والإحاطة.

لذلك، فإن معالجة العنف المدرسي لا تكون بحلول أمنية ظرفية، بل عبر:

  • إجراءات استعجالية تحمي الأرواح الآن،
  • وإصلاحات بنيوية تعيد للمدرسة معناها كفضاء تربية وحياة،
  • وسياسات رقمية تحمي الناشئة من ثقافة العنف الافتراضي،
  • واستثمار حقيقي في البحث العلمي التربوي بدل تركه حبيس الأدراج.

  كلمة أخيرة

حين يتحوّل مقتل تلميذ إلى خبر عابر،
وحين تُهمَل نتائج البحث العلمي،
وحين تُترك المدرسة بلا حماية، ولا إحاطة، ولا أفق

فإننا لا نعيش أزمة تعليم فقط،
بل أزمة ضمير ومسؤولية.

الصمت هنا ليس حيادًا
الصمت شراكة في المأساة.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

تمثل رواية "أحبها بلا ذاكرة" للأمين السعيدي عملاً روائياً طموحاً في المشهد الأدبي التونسي المعاصر
22:08 - 2026/02/09
تشهد البشرية عبر تاريخها الطويل صراعاً متجدداً بين تيارين: تيار يُفسِد في الأرض ويُهلك الحرث والن
07:00 - 2026/02/09
قد يكون مفهوما أن تسعى طهران لتجاوب ما مع فرصة مفاوضات أخيرة تجمعها بواشنطن ، ربما على سبيل تبرئة
07:00 - 2026/02/09
1) النهج الإلحاقي والإخضاعي للامبريالية الأمريكية
07:00 - 2026/02/09
في قارة أنهكتها النزاعات، وتناوبت عليها أزمات السياسة والاقتصاد والمناخ، لم يعد الحديث عن السِّلم
07:00 - 2026/02/09
نحن على مشارف شهر رمضان الكريم، في وقتٍ يرزح فيه المواطن التونسي تحت ضغط غلاء الأسعار وتراجع قدرت
07:00 - 2026/02/09
آفة الدروس الخصوصيّة لم تعُدْ ظاهرة بل تطوّرت إلى جائحة تلتهم جيوب الأولياء دون التفريق بين الغني
07:00 - 2026/02/09
تتبع التعاونيات الصحية عدّة قطاعات لها قوانينها و ان كانت تحدد في النسب المائوية التي تعود للمنخر
07:00 - 2026/02/09