نتيجة تخريب السياسة واستبدالها برذيلة الحالة الانتخابية المضادة والدائمة

نتيجة تخريب السياسة واستبدالها برذيلة الحالة الانتخابية المضادة والدائمة

تاريخ النشر : 23:12 - 2021/05/03

استنتجنا سابقا اننا كنا كتونسيين سنة 2019 في حالة انفصام انتخابي عام لم ينتج في سنة 2020 وما بعدها حتى الآن، لم ينتج إلا الانفصام العام المضاد، (ومن البديهي أن لا تكون عبارة نحن معبرة عنا كلنا جميعا ولا نحن نحن ولا كلنا كلنا).
كان يمكن أن نعنون رأينا كالتالي: تجييش الجماعة، عسكرة المنفرد وانتظار المستجد. وكان يمكن أن يكون دون ذلك بدرجة، ونعني: صناعة الجماعة وصناعة الفرد أو صناعة الجماعة وصناعة الجماعة بصيغة الفرد. غير اننا لسنا بصدد مبحث حول الجماعات السياسية، بل ونعتقد ان صناعة الجماعة تمت وفشلت وهي لم تعد تعبر عن نفسها في هذه المرحلة من تاريخ تونس إلا في شكل رأي عام ضبابي ضبابية معنى الرأي العام في حد ذاته، ضبابي هلامي، لنقل، بلا أي عقيدة سياسية فعلية وإنما حشود انتخابية تتكتل بلا روح عامة سياسية يعرف بها الجمهور المتسيس عامة أو كجموع غرائزية بلا عاقلية سياسية كما هو الحال عادة عند الشعوب في الحالة الوطنية أو الجماهير الشعبية في الحالة الانتفاضية. ولسنا بالمقابل حيال بحث فلسفي حول صناعة الفرد ولا صناعة المستبد المتفرد أو الحاكم الفردي وإنما الشخص المنفرد العائم في وهم أهوج لجماعة هلامية أخرى حوله لا وجود لها في الواقع أو حتى جماعة بلا جماعة. ولا نقصد جماعة افتراضية بلا جماعة فعلية وإنما لا جماعة دون فعل واقعي.
نحن في هذه الأشهر الأسوأ في تاريخ تونس في حالة لا هي قبل انتخابية ولا هي بعد انتخابية بل هي حالة مؤسفة جدا وغريبة وشاذة وخطيرة وهي في رأينا حالة انفصام سياسي مضاد تجعل من الذين كانوا مع النهضة وما شابه رغم انهم لم يكونوا تماما معها كانوا مع قيس سعيد رغم انهم لم يكونوا معه. وفي الضفة الأخرى، الذين كانوا ضد النهضة وما شابهها وضد قيس سعيد ومن شابهه فوجدوا أنفسهم هم وجماعة النهضة وما شابهها معا مع قيس سعيد وليسوا معه في نفس الوقت. والنتيجة ان كل ما يجري ليس فقط مجرد حملات انتخابية متواصلة في الوقت الذي ينهار فيه البلد ويحتاج فيه الشعب أبسط الخدمات، وإنما هي حالة انتخابية مضادة بمعنى ان الجميع رغم كل الادعاءات الكاذبة والدعائية السوداء والرمادية المخادعة غير قابل حتى الآن بنتيجة الانتخابات الفارطة ويريد قلبها أو ردها أو إيقاف مفعولها أو حتى إعادة صناعة الواقع أكثر من الرغبة في إعادة الانتخابات التي يعرف الجميع انها وحتى إذا تغيرت بعض شروطها لا تغير ميزان المزاج العام حتى اذا تغيرت بعض الأرقام. هذا لا يعني انها مقبولة مطلقا بل التغيير الحقيقي تغيير للسياسات والأساسات التي تقوم عليها السياسة انتفاضا وانتخابا ونعني التعددية الاجتماعية الغائبة تماما حتى الآن والتوجهات الشعبية السيادية المفقودة بالكامل والقيادة الاستراتيجية المعدومة أصلا.
كان يمكن أيضا أن نذكر المولعين بالعبارات الايديولوجية الركيكة لا الايديولوجيا كمفهوم وافكار، أن نذكرهم بأن تجييش أجهزة الدولة فشل إلى حد كبير وسيفشل مستقبلا. ولكن الأهم الإشارة ان الجماعة تذهب أكثر إلى تجييش الجماعة وتشكيل جماعة للجماعة أوسع ودون شروط عدا تشخيص الخصم المشترك وتوحي بأنها تبتعد عن المؤسستين العسكرية والأمنية وهذا غير صحيح تماما ورسالته إلى الخارج أكثر من الداخل. أما المنفرد فهو وجماعته على رهان خاسر في الأصل وهو تأويل النصوص ومحاولة تطبيقها تطبيقا سياسيا يدعي العكس وايهام الناس بالتغيير بالحبر. وبالاضافة إلى ذلك، من المستحيل عسكرة المنفرد بتسخين من جوقاته أو بحماسته الخاصة لعسكرة نفسه في الأركان. ثم إن عسكرة المنفرد أمر عفى عنه الزمان في العالم أجمع وما يظهر للناس فرديا هو في الواقع يقوم على مؤسسات قوية جدا وبنى معقدة جدا مقارنة ببلدنا.
تنقسم غالبية الجمهور السياسي والانتخابي على ما يبدو وحسب سطوح الوسائط التواصلية على شقين، شق يعمل بالليل والنهار على تجييش الجماعة وجرها بخطابات وممارسات تعبوية متوحشة تمهيدا لأي جغرافية صدامية في ساحات الاحتجاج والاحتجاج المضاد أو حتى فرض الحصار ونزع السلطة والتجريد من الصلاحيات من هذا الطرف أو من ذاك. وشق هائج اليتم السياسي الذي فرضه على نفسه من فرط أمراضه الذاتوية اليسراوية والغربية والليبرالية تماما مثل هيجان الأمراض الجماعوية التي تسم نفسها باليمينية المتوحشة صعودا من يوم إلى آخر من فرط ثقل تبعيتها وتعويلها على الولاء الغربي ووكلاء الغرب أيضا رغم الايهام بضده واستخدام نفس الركاكة الايديولوجية المسمومة: يمين/ يسار على أنها أمر على علاقة بالدين أو شأن من شؤون القيم العليا بينما كل الأمر سياسة وارفع من كل هذا.
نحن نكاد نجزم ان صناعة الجماعة العصبية التي تماهي بين كيانها كجماعة سياسية وبين بقية المجتمع وبين بقية قوى الشعب وتنظر إلى نفسها على أنها جماعة شرعية انتخابية سلطوية جديرة لوحدها بالتحكم في مصير الوطن والدولة أمر ولى. وكذا صناعة الفرد المستبد الذي انتهى واذا طفا يوما أو مدة ينتهي يوما حتما.
في كل هذا ومختصر الكلام، الشعب (كمفهوم عام) يبتعد مهما انخدع المنخدعون. وصناعة المستجد المنتظر من الصعب أن يكون بمخرج عسكري أو بطوق أمني. وبالتالي فإن الضحية الأكبر هو المفهوم السياسي للحزب وللتنظيم وللجماهير. وكذلك وهم العامل الخارجي لوحده عند دعاة الاستقواء الداخلي برعاية توجيه خارجي ونفسه في خصوص دعاة العامل الداخلي لوحده والذي يستدعي بديهيا تقسيم الأدوار الخارجية. وعليه يقسم الكل الدولة والمجتمع ويلعب الكل على الأدوار الخارجية بحيث لا يكون الاختلاف داخليا أمرا طبيعيا أبدا. وفي نهاية التحليل، كل من يعول على عامل مستجد ويصنعه وينتظره لقلب الأمور هو في النهاية لا يصنع إلا الخراب. بينما ذروة الخضوع للعبة الاستعمار هي زج غالبية الفاعلين في  هاوية الحلقة المفرغة. ولذا نذكر مرة أخرى ان مشكلة القضاء التونسي بصنوفه ومشكلة مجلس الأمن القومي ان أعلى واخطر جرائم الأمن القومي هي التطبيع والتعامل مع العدو الصهيوني ومن ذلك كل التدخل الأجنبي وإهدار كل أنماط ومستويات السيادة الوطنية والبناء الوطني. وهي ذات مشكلة الأحزاب البرلمانية خاصة وما يسمى المجتمع المدني في القسم الأكبر منه ومشكلة الرئيس ومشكلة الإعلام ومشكلة المحاماة...الخ. فلماذا ترى الجميع يتهافت على السفاسف ويتكالب على الحركات الاستعراضية الصبيانية والعبثية التي لا جدوى منها سوى مزيد العفن ويسكت عند بلوغ ذروة الخيانة وذروة العدوان وذروة الجريمة وذروة الإرهاب وذروة التبعية وذروة الفساد !!! إنه تناهش فارغ يخرب البلاد والعباد ولا يخدم الا العدو، بينما بوصلة الفعل تحدق في عيون الجميع... أفلا تبصرون...
وهنا، ينادي المنادي دوما في واد غير ذي زرع، يا أيها الشعب، ابدع نفسك بنفسك وانقذ بلدك.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

ليس للأمر علاقة مباشرة بمرجعية هذه الأحزاب الإسلامية، إذ لا تمثل المرجعية الدينية في حد ذاتها عام
07:46 - 2021/05/11
قالها عبد الرحمان بن خلدون ، فلا ينسِبَنّها لتشرشل أحدٌ من فطاحلة هذا الزمان الذي رأينا من أعاجيب
07:15 - 2021/05/11
لئن تميّزت الثّقافة العربيّة الإسلاميّة في عصورها الأولى في المشرق العربي بالإبداع، فقد امتازت في
07:00 - 2021/05/10
لم تجد الحكومة الوطنيّة مرة أخرى بُدّا من الحجر الصحّي الشامل على الشعب الكريم مدة أسبوع بما فيها
07:00 - 2021/05/10
النفطي حولة ناشط نقابي و سياسي قومي مستقل
07:00 - 2021/05/10
تأويل رئيس الجمهورية للفصل المتعلق بالقوات المسلحة (الفصل 77) أحدثَ زوبعةً خلافيةً بين الشعب وحتى
07:00 - 2021/05/10
«على الدرب سرنا وعلى الدرب نسير بمن سبقنا وبكم ومعا نتقدم ونجرب إلى أن ننجح « ، بصوت وأسلوب متميز
07:00 - 2021/05/10