ماذا يدور في البحر الأحمر تحرك سعودي نحو السودان .. ما الذي تغيّر ولماذا يتحرك الملف الآن؟
تاريخ النشر : 18:29 - 2026/09/24
ظل اتفاق الخرطوم والرياض الموقع في 1974 حاضراً في خلفية العلاقة بين البلدين لأكثر من خمسين عاماً، لكن التحركات التي شهدها ملف الحدود البحرية خلال الفترة الأخيرة أعادت الاتفاق القديم إلى دائرة الاهتمام من جديد. فبعد عقود من التركيز على استغلال الموارد في قاع البحر الأحمر، تظهر اليوم أسئلة تتعلق بالخرائط وخطوط الأساس وحدود المناطق البحرية، والأهم: لماذا يجري تحريك هذا الملف في خضم حرب سودانية لم تنتهِ بعد؟
المسألة لا تتعلق فقط بماضٍ يعود إلى نصف قرن، وإنما بمستقبل منطقة تزداد قيمتها الاستراتيجية والاقتصادية. وبين الساحل السوداني والساحل السعودي مساحة بحرية تحمل فرصاً استثمارية، وموارد طبيعية محتملة، وحسابات أمنية تتسع مع كل أزمة جديدة في البحر الأحمر.
1974.. ماذا اتفق البلدان؟
في 16 مايو 1974 وقع السودان والسعودية اتفاقاً لتنظيم الاستغلال المشترك للموارد الطبيعية في قاع البحر وتحت قاع البحر في البحر الأحمر.
وتنص وثيقة الاتفاق على أن لكل دولة منطقة تمتد من ساحلها باتجاه البحر حتى عمق ألف متر، مع وجود منطقة تقع بين النطاقين أطلق عليها الاتفاق "المنطقة المشتركة". وفي هذه المنطقة يتمتع البلدان بحقوق سيادية متساوية على الموارد الطبيعية.
ولم يكتف الاتفاق بتحديد الإطار العام للاستغلال، بل نص على إنشاء لجنة مشتركة تتولى، ضمن مهامها، مسح وترسيم حدود المنطقة المشتركة وإجراء الدراسات الخاصة بالاستكشاف والاستغلال.
لكن هذا الترتيب لا يساوي اتفاقاً نهائياً لترسيم الحدود البحرية بين الدولتين.
وتؤكد المعلومات المنشورة على منصة سعودية رسمية أن الحدود الخاصة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة بين السعودية والسودان لم يتم الاتفاق عليها بعد. كما لا تسجل قاعدة بيانات الأمم المتحدة الخاصة بالسودان اتفاقية منشورة لترسيم الحدود البحرية بين السودان ودولة أخرى.
نصف قرن من الموارد
كان الدافع الاقتصادي واضحاً منذ البداية. فالبحر الأحمر لا يمثل ممراً للملاحة فقط، وإنما يضم مناطق يُعتقد باحتوائها على موارد معدنية في قاع البحر.
ومن هنا برز مشروع "أتلانتس 2" كأحد أشهر مشروعات التعدين البحري المشتركة بين البلدين، وأصبح اسم المنطقة مرتبطاً بمحاولات متكررة لإعادة تشغيل مشروعات الاستكشاف والاستغلال.
ومع تطور التكنولوجيا وتغير قيمة المعادن عالمياً، تعود الأسئلة القديمة بصورة جديدة: هل تكفي ترتيبات 1974 لإدارة موارد البحر الأحمر اليوم؟ وهل تحتاج المنطقة إلى إطار قانوني جديد يحدد بوضوح الحدود والاختصاصات وحقوق الاستغلال؟
خرائط السودان البحرية
قبل سنوات من التحركات الحالية، بدأ السودان في إعادة تثبيت موقفه القانوني بشأن مناطقه البحرية.
ففي مارس 2017 صدر المرسوم الجمهوري رقم 148 بشأن خطوط الأساس التي تقاس منها المناطق البحرية السودانية، وأودعت الإحداثيات لدى الأمم المتحدة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية لأنها لا تتعلق فقط بالخرائط، وإنما تحدد نقطة الانطلاق القانونية لقياس مناطق البحر الإقليمية وغيرها من المناطق البحرية.
وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن السودان لديه تشريعات تخص المياه الإقليمية والجرف القاري، لكنها لا تسجل اتفاقية منشورة لترسيم الحدود البحرية.
من الخرائط إلى اللجان
في 2025 بدأت مؤشرات جديدة على إعادة تحريك الملف.
فبحسب تقارير صحفية، اجتمعت لجنة ترسيم الحدود البحرية السودانية السعودية في سبتمبر من ذلك العام، وناقشت تعديلات على الصيغة النهائية لمشروع اتفاق الحدود البحرية، إلى جانب ملفات خط الأساس وقاعدة البيانات البحرية.
وتحدثت التقارير نفسها عن ارتباط بعض هذه التعديلات بإعادة النظر في الخرائط السودانية والتنسيق مع الجانب المصري بشأن الحدود البرية والبحرية.
وفي سبتمبر 2026 عادت القضية إلى الواجهة بصورة أكثر وضوحاً، مع تقارير عن اتصالات وتحركات بين مسؤولين سودانيين والسفير السعودي في بورتسودان، وعن سعي لإعادة تنشيط لجنة الحدود البحرية المشتركة.
لماذا يتحرك الملف في زمن الحرب؟
هذا هو السؤال الذي يمنح التطورات الحالية أهميتها.
فالسودان لا يعيش ظرفاً سياسياً عادياً يسمح بالتعامل مع ملف حدودي بهذه الحساسية بمعزل عن بقية الملفات. الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 أعادت ترتيب مراكز الدولة ومؤسساتها، وجعلت بورتسودان مركزاً رئيسياً للإدارة والاتصالات الخارجية.
وفي المقابل، شهد البحر الأحمر نفسه تحولات أمنية متسارعة. ومع تصاعد المخاطر على الملاحة في المنطقة، أصبحت السيطرة على السواحل وتأمين الممرات البحرية جزءاً من حسابات إقليمية أوسع. وفي سبتمبر 2026، أكدت السعودية ومصر وتركيا وباكستان في بيان مشترك أهمية سلامة الملاحة، بالتزامن مع تصاعد التوترات المرتبطة بالحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب.
وهكذا يلتقي عاملان في توقيت واحد: تحرك سوداني حول ملف حدودي قديم، وبيئة إقليمية تجعل البحر الأحمر أكثر أهمية من أي وقت مضى.
هل يتعلق الأمر بالحدود فقط؟
ليس بالضرورة.
فأي اتفاق جديد لن يكون مجرد خطوط مرسومة على خريطة. المنطقة ترتبط بموارد طبيعية، ومشروعات تعدين، ومصالح استثمارية، وحركة موانئ وملاحة.
ولهذا فإن تحديد الحدود البحرية يكتسب بعداً اقتصادياً مباشراً، لأنه يحدد أيضاً المجال الذي يمكن أن تمارس فيه الدول حقوقها السيادية والاقتصادية، ويؤثر في أي ترتيبات مستقبلية للاستثمار والاستكشاف.
العقدة السودانية.. من يملك قرار الاتفاق؟
إذا تحولت التحركات الحالية إلى اتفاق نهائي، فإن الجانب الفني لن يكون وحده كافياً.
فالحدود الدولية ليست ملفاً إدارياً عادياً، وأي اتفاق نهائي يحتاج إلى المرور بالإجراءات القانونية والدستورية ذات الصلة في الدولة المعنية.
وفي الحالة السودانية، يطرح غياب برلمان منتخب منذ سنوات سؤالاً حول المسار الذي ينبغي أن يسلكه أي اتفاق نهائي يتعلق بالحدود أو الموارد السيادية، خصوصاً إذا تجاوز الأمر تحديث الخرائط والترتيبات الفنية إلى إعادة تحديد خطوط الحدود أو الحقوق البحرية.
ولهذا فإن السؤال لا يصبح فقط: أين ستوضع الحدود؟ بل أيضاً: من يملك صلاحية اعتمادها، وما الجهة التي تصادق على الاتفاق إذا اكتملت المفاوضات؟
السعودية والفرصة البحرية
من الجانب السعودي، يأتي الملف في منطقة تحظى بأهمية متزايدة في خطط المملكة الاقتصادية والأمنية.
فالرياض تنظر إلى ساحل البحر الأحمر باعتباره مساحة استراتيجية للاستثمار والسياحة والموانئ والطاقة واللوجستيات، فيما تضيف التطورات الأمنية في البحر الأحمر بعداً آخر يتعلق بحماية الملاحة.
وفي هذا السياق، يمكن أن تكتسب أي ترتيبات نهائية مع السودان أهمية تتجاوز الخلافات الفنية حول الإحداثيات إلى تنظيم المصالح الاقتصادية والأمنية في المساحة البحرية الواقعة بين البلدين.
مصر.. الطرف الذي يصعب تجاهله
يبقى العامل المصري حاضراً في خلفية الملف.
فالسودان أعلن في 2017 اعتراضه على إحداثيات مصرية مرتبطة بمناطقه البحرية شمال البحر الأحمر، في سياق الخلاف المستمر حول حلايب.
كما تحدثت تقارير صحفية عن مشاورات مصرية سودانية مرتبطة بملف الحدود البحرية خلال مراحل إعداد الاتفاق السوداني السعودي، لكن تفاصيل هذه المشاورات وما إذا كانت قد وصلت إلى تفاهمات نهائية لا تزال تعتمد في المصادر المنشورة على تقارير صحفية ومعلومات من مصادر غير معلنة.
ملف قديم أمام واقع جديد
بعد 52 عاماً تقريباً من اتفاق 1974، يعود الملف إلى نقطة مختلفة تماماً عن تلك التي بدأ منها.
فالاتفاق القديم وضع إطاراً لاستغلال الموارد في المنطقة المشتركة، لكنه لم يغلق بصورة نهائية ملف الحدود البحرية. ومنذ ذلك الوقت تغيرت القواعد القانونية الدولية، وتطورت تقنيات رسم الخرائط والاستكشاف، وتبدلت قيمة الموارد، كما أصبح البحر الأحمر نفسه أكثر حساسية من الناحية الأمنية.
لهذا تبدو التحركات الحالية أقرب إلى اختبار لمدى إمكانية نقل الملف من اتفاق تاريخي لإدارة الموارد إلى صيغة حديثة تحدد الحدود والحقوق البحرية بصورة أكثر وضوحاً.
ويبقى السؤال: هل يكون تحريك الملف الآن بداية لتسوية طال انتظارها، أم مجرد جولة جديدة من العمل الفني الذي ظل يتكرر منذ عقود؟
الإجابة لن تتوقف على الخرائط وحدها، وإنما على شكل الاتفاق الذي قد يصل إليه الطرفان، والمسار القانوني الذي سيتبعه السودان، ومدى قدرة مؤسساته في زمن الحرب على إنتاج اتفاق نهائي يحظى بالأساس القانوني المطلوب.
ظل اتفاق الخرطوم والرياض الموقع في 1974 حاضراً في خلفية العلاقة بين البلدين لأكثر من خمسين عاماً، لكن التحركات التي شهدها ملف الحدود البحرية خلال الفترة الأخيرة أعادت الاتفاق القديم إلى دائرة الاهتمام من جديد. فبعد عقود من التركيز على استغلال الموارد في قاع البحر الأحمر، تظهر اليوم أسئلة تتعلق بالخرائط وخطوط الأساس وحدود المناطق البحرية، والأهم: لماذا يجري تحريك هذا الملف في خضم حرب سودانية لم تنتهِ بعد؟
المسألة لا تتعلق فقط بماضٍ يعود إلى نصف قرن، وإنما بمستقبل منطقة تزداد قيمتها الاستراتيجية والاقتصادية. وبين الساحل السوداني والساحل السعودي مساحة بحرية تحمل فرصاً استثمارية، وموارد طبيعية محتملة، وحسابات أمنية تتسع مع كل أزمة جديدة في البحر الأحمر.
1974.. ماذا اتفق البلدان؟
في 16 مايو 1974 وقع السودان والسعودية اتفاقاً لتنظيم الاستغلال المشترك للموارد الطبيعية في قاع البحر وتحت قاع البحر في البحر الأحمر.
وتنص وثيقة الاتفاق على أن لكل دولة منطقة تمتد من ساحلها باتجاه البحر حتى عمق ألف متر، مع وجود منطقة تقع بين النطاقين أطلق عليها الاتفاق "المنطقة المشتركة". وفي هذه المنطقة يتمتع البلدان بحقوق سيادية متساوية على الموارد الطبيعية.
ولم يكتف الاتفاق بتحديد الإطار العام للاستغلال، بل نص على إنشاء لجنة مشتركة تتولى، ضمن مهامها، مسح وترسيم حدود المنطقة المشتركة وإجراء الدراسات الخاصة بالاستكشاف والاستغلال.
لكن هذا الترتيب لا يساوي اتفاقاً نهائياً لترسيم الحدود البحرية بين الدولتين.
وتؤكد المعلومات المنشورة على منصة سعودية رسمية أن الحدود الخاصة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة بين السعودية والسودان لم يتم الاتفاق عليها بعد. كما لا تسجل قاعدة بيانات الأمم المتحدة الخاصة بالسودان اتفاقية منشورة لترسيم الحدود البحرية بين السودان ودولة أخرى.
نصف قرن من الموارد
كان الدافع الاقتصادي واضحاً منذ البداية. فالبحر الأحمر لا يمثل ممراً للملاحة فقط، وإنما يضم مناطق يُعتقد باحتوائها على موارد معدنية في قاع البحر.
ومن هنا برز مشروع "أتلانتس 2" كأحد أشهر مشروعات التعدين البحري المشتركة بين البلدين، وأصبح اسم المنطقة مرتبطاً بمحاولات متكررة لإعادة تشغيل مشروعات الاستكشاف والاستغلال.
ومع تطور التكنولوجيا وتغير قيمة المعادن عالمياً، تعود الأسئلة القديمة بصورة جديدة: هل تكفي ترتيبات 1974 لإدارة موارد البحر الأحمر اليوم؟ وهل تحتاج المنطقة إلى إطار قانوني جديد يحدد بوضوح الحدود والاختصاصات وحقوق الاستغلال؟
خرائط السودان البحرية
قبل سنوات من التحركات الحالية، بدأ السودان في إعادة تثبيت موقفه القانوني بشأن مناطقه البحرية.
ففي مارس 2017 صدر المرسوم الجمهوري رقم 148 بشأن خطوط الأساس التي تقاس منها المناطق البحرية السودانية، وأودعت الإحداثيات لدى الأمم المتحدة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية لأنها لا تتعلق فقط بالخرائط، وإنما تحدد نقطة الانطلاق القانونية لقياس مناطق البحر الإقليمية وغيرها من المناطق البحرية.
وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن السودان لديه تشريعات تخص المياه الإقليمية والجرف القاري، لكنها لا تسجل اتفاقية منشورة لترسيم الحدود البحرية.
من الخرائط إلى اللجان
في 2025 بدأت مؤشرات جديدة على إعادة تحريك الملف.
فبحسب تقارير صحفية، اجتمعت لجنة ترسيم الحدود البحرية السودانية السعودية في سبتمبر من ذلك العام، وناقشت تعديلات على الصيغة النهائية لمشروع اتفاق الحدود البحرية، إلى جانب ملفات خط الأساس وقاعدة البيانات البحرية.
وتحدثت التقارير نفسها عن ارتباط بعض هذه التعديلات بإعادة النظر في الخرائط السودانية والتنسيق مع الجانب المصري بشأن الحدود البرية والبحرية.
وفي سبتمبر 2026 عادت القضية إلى الواجهة بصورة أكثر وضوحاً، مع تقارير عن اتصالات وتحركات بين مسؤولين سودانيين والسفير السعودي في بورتسودان، وعن سعي لإعادة تنشيط لجنة الحدود البحرية المشتركة.
لماذا يتحرك الملف في زمن الحرب؟
هذا هو السؤال الذي يمنح التطورات الحالية أهميتها.
فالسودان لا يعيش ظرفاً سياسياً عادياً يسمح بالتعامل مع ملف حدودي بهذه الحساسية بمعزل عن بقية الملفات. الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 أعادت ترتيب مراكز الدولة ومؤسساتها، وجعلت بورتسودان مركزاً رئيسياً للإدارة والاتصالات الخارجية.
وفي المقابل، شهد البحر الأحمر نفسه تحولات أمنية متسارعة. ومع تصاعد المخاطر على الملاحة في المنطقة، أصبحت السيطرة على السواحل وتأمين الممرات البحرية جزءاً من حسابات إقليمية أوسع. وفي سبتمبر 2026، أكدت السعودية ومصر وتركيا وباكستان في بيان مشترك أهمية سلامة الملاحة، بالتزامن مع تصاعد التوترات المرتبطة بالحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب.
وهكذا يلتقي عاملان في توقيت واحد: تحرك سوداني حول ملف حدودي قديم، وبيئة إقليمية تجعل البحر الأحمر أكثر أهمية من أي وقت مضى.
هل يتعلق الأمر بالحدود فقط؟
ليس بالضرورة.
فأي اتفاق جديد لن يكون مجرد خطوط مرسومة على خريطة. المنطقة ترتبط بموارد طبيعية، ومشروعات تعدين، ومصالح استثمارية، وحركة موانئ وملاحة.
ولهذا فإن تحديد الحدود البحرية يكتسب بعداً اقتصادياً مباشراً، لأنه يحدد أيضاً المجال الذي يمكن أن تمارس فيه الدول حقوقها السيادية والاقتصادية، ويؤثر في أي ترتيبات مستقبلية للاستثمار والاستكشاف.
العقدة السودانية.. من يملك قرار الاتفاق؟
إذا تحولت التحركات الحالية إلى اتفاق نهائي، فإن الجانب الفني لن يكون وحده كافياً.
فالحدود الدولية ليست ملفاً إدارياً عادياً، وأي اتفاق نهائي يحتاج إلى المرور بالإجراءات القانونية والدستورية ذات الصلة في الدولة المعنية.
وفي الحالة السودانية، يطرح غياب برلمان منتخب منذ سنوات سؤالاً حول المسار الذي ينبغي أن يسلكه أي اتفاق نهائي يتعلق بالحدود أو الموارد السيادية، خصوصاً إذا تجاوز الأمر تحديث الخرائط والترتيبات الفنية إلى إعادة تحديد خطوط الحدود أو الحقوق البحرية.
ولهذا فإن السؤال لا يصبح فقط: أين ستوضع الحدود؟ بل أيضاً: من يملك صلاحية اعتمادها، وما الجهة التي تصادق على الاتفاق إذا اكتملت المفاوضات؟
السعودية والفرصة البحرية
من الجانب السعودي، يأتي الملف في منطقة تحظى بأهمية متزايدة في خطط المملكة الاقتصادية والأمنية.
فالرياض تنظر إلى ساحل البحر الأحمر باعتباره مساحة استراتيجية للاستثمار والسياحة والموانئ والطاقة واللوجستيات، فيما تضيف التطورات الأمنية في البحر الأحمر بعداً آخر يتعلق بحماية الملاحة.
وفي هذا السياق، يمكن أن تكتسب أي ترتيبات نهائية مع السودان أهمية تتجاوز الخلافات الفنية حول الإحداثيات إلى تنظيم المصالح الاقتصادية والأمنية في المساحة البحرية الواقعة بين البلدين.
مصر.. الطرف الذي يصعب تجاهله
يبقى العامل المصري حاضراً في خلفية الملف.
فالسودان أعلن في 2017 اعتراضه على إحداثيات مصرية مرتبطة بمناطقه البحرية شمال البحر الأحمر، في سياق الخلاف المستمر حول حلايب.
كما تحدثت تقارير صحفية عن مشاورات مصرية سودانية مرتبطة بملف الحدود البحرية خلال مراحل إعداد الاتفاق السوداني السعودي، لكن تفاصيل هذه المشاورات وما إذا كانت قد وصلت إلى تفاهمات نهائية لا تزال تعتمد في المصادر المنشورة على تقارير صحفية ومعلومات من مصادر غير معلنة.
ملف قديم أمام واقع جديد
بعد 52 عاماً تقريباً من اتفاق 1974، يعود الملف إلى نقطة مختلفة تماماً عن تلك التي بدأ منها.
فالاتفاق القديم وضع إطاراً لاستغلال الموارد في المنطقة المشتركة، لكنه لم يغلق بصورة نهائية ملف الحدود البحرية. ومنذ ذلك الوقت تغيرت القواعد القانونية الدولية، وتطورت تقنيات رسم الخرائط والاستكشاف، وتبدلت قيمة الموارد، كما أصبح البحر الأحمر نفسه أكثر حساسية من الناحية الأمنية.
لهذا تبدو التحركات الحالية أقرب إلى اختبار لمدى إمكانية نقل الملف من اتفاق تاريخي لإدارة الموارد إلى صيغة حديثة تحدد الحدود والحقوق البحرية بصورة أكثر وضوحاً.
ويبقى السؤال: هل يكون تحريك الملف الآن بداية لتسوية طال انتظارها، أم مجرد جولة جديدة من العمل الفني الذي ظل يتكرر منذ عقود؟
الإجابة لن تتوقف على الخرائط وحدها، وإنما على شكل الاتفاق الذي قد يصل إليه الطرفان، والمسار القانوني الذي سيتبعه السودان، ومدى قدرة مؤسساته في زمن الحرب على إنتاج اتفاق نهائي يحظى بالأساس القانوني المطلوب.