لحظة اختبار الثقة بين السعودية وحلفاءها

لحظة اختبار الثقة بين السعودية وحلفاءها

تاريخ النشر : 14:52 - 2026/01/21

لطالما شكلت التحالفات الاستراتيجية بين الدول حجر الزاوية في الحفاظ على الأمن والاستقرار، خصوصاً في منطقة الخليج والشرق الأوسط المضطربة. هذه التحالفات ليست مجرد اتفاقيات شكلية أو تبادل مصالح لحظية، بل هي شبكة معقدة من الأهداف الاقتصادية، والمصالح الأمنية، والقدرة على مواجهة التهديدات المشتركة. بناء هذه التحالفات يحتاج إلى قرار حكيم، تقدير دقيق للظروف الإقليمية، وثقة متبادلة بين الأطراف، وليس إلى القوة أو التهديد الإعلامي كما حاولت بعض الدول أن تروّج له خلال العقود الماضية.

التجربة السعودية خلال السنوات الماضية تكشف عن صورة مقلقة: فشل متكرر في إدارة ملفات استراتيجية، وتراجع القدرة على الحفاظ على تحالفات طويلة الأمد. الملف اليمني يمثل أبرز الأمثلة، حيث لم تتمكن الرياض، رغم كل الجهود العسكرية والتحالفية، من إحراز استقرار مستدام في الجنوب، بل على العكس، خلقت العمليات الأخيرة فراغاً أمنياً يمكن أن تستغله الجماعات المتشددة، مثل “القاعدة في جزيرة العرب”، لإعادة تشكيل نفسها وفرض نفوذ جديد. هذا الواقع يعكس ضعف التنسيق الاستراتيجي بين السعودية وحلفائها، ويطرح علامات استفهام حول مدى جاهزية المملكة لإدارة ملفات شائكة بطريقة تراعي مصالح جميع الأطراف.

كما أظهرت التطورات الأخيرة، فإن العلاقة بين السعودية والإمارات، الحليف التقليدي في الخليج، شهدت توتراً متزايداً على خلفية إدارة الملف اليمني. الضربة الأخيرة على ميناء المكلا أدت إلى تصدع الثقة بين الرياض وأبوظبي، ما دفع الإمارات إلى إعادة النظر في دورها ضمن التحالفات مع السعودية، وأبرز هشاشة التعاون الخليجي حين تُتخذ قرارات استراتيجية منفردة دون التشاور المسبق. هذا الخلاف يوضح أن التحالفات تحتاج إلى رؤية مشتركة ومصالح متوازنة، وإلا فإنها تصبح عرضة للتفكك في مواجهة أي أزمة.

خلال مرحلة ولي العهد محمد بن سلمان، انخرطت السعودية في ملفات إقليمية ودولية معقدة: من العلاقة مع إدارة بايدن في الولايات المتحدة، إلى التوترات مع كندا، والوضع في العراق، وعلاقاتها التقليدية مع حلفائها في الخليج. في معظم هذه الملفات، كان النهج السعودي يقوم على خلق تحالفات مؤقتة عند الحاجة، ثم التراجع عنها أو تقويضها عند أول تحدٍ. هذه الممارسة أدت إلى حالة من عدم الاستقرار وفقدان الثقة بين الدول الشريكة، وجعلت من الرياض طرفاً يُنظر إليه على أنه قصير النظر في تقدير المواقف الإقليمية المعقدة.

الدروس من هذه التجربة واضحة: التحالفات لا تُبنى على القوة أو التهديد العسكري، ولا على المواقف الإعلامية المتشددة، بل على الرؤية المشتركة، والحكمة في تقدير الظروف، والمصالح المستدامة. أي نهج يتجاهل هذه الأسس لن يؤدي إلا إلى فقدان الثقة، وهو ما تؤكده التجارب الإقليمية والتاريخية؛ فالدول الأخرى تتابع عن كثب كيفية تعامل أي دولة مع حلفائها، والتصرفات اللحظية أو الانفعالية تُسجل دائماً ضدها.

من المهم التأكيد أن التحالفات الاستراتيجية تبنى أساساً على المصالح الوطنية المشتركة. إذا انهارت هذه التحالفات بسبب سوء تقدير أو قصور في التنسيق، فإن المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية للدول المتحالفة تتأثر مباشرة. الفشل في الحفاظ على هذه الشراكات لا يضر بالثقة فحسب، بل يمتد ليؤثر على مشاريع التنمية، الاستثمارات، والقدرة على مواجهة التحديات المشتركة بشكل فعال.

المعضلة السعودية لا تقتصر على سوء تقدير الملفات، بل تتعداه إلى عدم القدرة على بناء تحالفات طويلة الأمد تاريخياً. في أزمات المنطقة، غالباً ما تلجأ الرياض إلى إبرام تحالفات وقتية لمجرد مواجهة مخاطر محتملة، ثم سرعان ما تقوض هذه العلاقات أو تطرد حلفاءها عند أول اختلاف في المصالح. هذا النمط ينعكس سلباً على مصداقية المملكة ويضعف مكانتها الإقليمية، ويزيد من هشاشة التحالفات التي تُفترض أن تكون ركيزة لاستقرار المنطقة.

التحالفات الفاعلة تحتاج إلى عوامل أساسية: القيادة الحكيمة، الاقتصاد القوي، الرمكانية الدولية، المستوى التكنولوجي، الثقل العسكري، والتأثير السياسي. هذه العوامل تتيح للدولة بناء علاقات استراتيجية متينة، قائمة على الثقة والمصالح المشتركة، وليس على الاستخدام الدعائي أو المكاسب اللحظية. للأسف، التحالفات السعودية الأخيرة غالباً ما افتقرت لهذه الرؤية، فكانت تميل إلى الاستخدام الدعائي والمصالح الضيقة، أكثر من الرؤية الاستراتيجية والموقف الجماعي المستدام.

السعودية، بوصفها دولة محورية في منطقة الشرق الأوسط، تلعب دوراً مركزياً في أي توازن إقليمي. ومع ذلك، فإن طريقة تعاملها مع الدول الأخرى أحياناً تجبر هذه الدول على بناء تحالفات مستقلة كان من المفترض أن تكون مع المملكة، في سعيها لحماية مصالحها الوطنية وأمنها الإقليمي. هذا الوضع يعكس أن مكانة السعودية الاستراتيجية ليست مضمونة، وأن استقرار المنطقة يتطلب التزاماً حقيقياً ببناء شراكات قائمة على الثقة والمصالح المتبادلة.

المنطقة اليوم بحاجة إلى تحالفات قوية ومستقرة، قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية، وتحمي مصالح الدول المشتركة على المدى الطويل. التجربة السعودية تؤكد أن أي سياسة تعتمد على القرارات اللحظية، أو الانفعال، أو القوة القصيرة النظر، ستؤدي حتماً إلى هدم التحالفات، وزعزعة الثقة، وفتح الباب أمام الفوضى.

إذا كانت السعودية تطمح إلى لعب دور استراتيجي حقيقي في الشرق الأوسط، فعليها أولاً إعادة بناء الثقة مع حلفائها، وتبني رؤية مشتركة طويلة الأمد، تعتمد على التخطيط الاستراتيجي، الحكمة، المصالح الاقتصادية، والقدرة على التعامل مع الأزمات بحنكة. وإلا، فإن المنطقة ستظل تواجه تقلّب التحالفات، الفوضى، وانعدام الاستقرار، مع ما يترتب على ذلك من تهديدات طويلة الأمد على الصعيدين الأمني والسياسي.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

بعد أربعة أشهر من اختفائه، أعلنت وزارة الداخلية السورية العثور على المنتج الفني محمد قبنض، رئيس م
11:47 - 2026/01/21
قضت محكمة في سول، الأربعاء، بحبس رئيس الوزراء السابق هان داك سو 23 عاما لدوره في المحاولة الفاشلة
08:59 - 2026/01/21
كشف الرئيس دونالد ترامب، الثلاثاء، بأنه أصدر "تعليمات حازمة للغاية" للولايات المتحدة "بمحو إيران
07:53 - 2026/01/21
حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران»،هكذا تحدث الرئيس الأمريكي عن الأحداث الجارية في إيران، د
07:00 - 2026/01/21
 تحوّل الرئيس الأمريكي إلى السرعة القصوى في الضغط على الأوروبيين الرافضين لضمّ غرينلاند الى الولا
07:00 - 2026/01/21
اثارت المعلومات عن فرار مئات الدواعش من سجون سوريا بسبب الاشتباكات بين القوات الحكومية والاكراد م
07:00 - 2026/01/21
بعد سيطرته على فنزويلا واختطاف رئيسها وتهديده بافتكاك جزيرة غرينلاند الدنماركية بالقوة ، نشرت تقا
07:00 - 2026/01/21