"عبيد البريكي أمين عام حركة تونس إلى الأمام:"هكذا نقطع الطريق امام المنظومة القديمة"

"عبيد البريكي أمين عام حركة تونس إلى الأمام:"هكذا نقطع الطريق امام المنظومة القديمة"

تاريخ النشر : 11:35 - 2026/10/20


أدلى الأمين العام لحركة تونس إلى الأمام "عبيد البريكي" بحوار ل"الشروق" تناول موقف الحركة من عديد الملفات الوطنية والإقليمية وبدأ بالسؤال التالي:

السؤال الأول: ما هي أهم مخرجات المجلس المركزي الأخير؟
الإجابة:
مثّل اجتماع المجلس المركزي لحركة تونس إلى الأمام، المنعقدأيّام 2 و3 و4 أكتوبر 2026، مناسبة لتقييم المرحلة التي تعيشهابلادنا، واستحضار الأهداف التي قامت من أجلها محطة 25 جويلية،ومساءلة المسافة الفاصلة بين تلك الأهداف والحصيلة الفعلية.
إنّ اختيار شعار «من أجل تونس متحرّرة فعلاً، واقتصادمنتج للثّروة وتنمية اجتماعية عادلة» لم يكن اختياراًاعتباطيًّا، بل يعكس جوهر الرهانات التي تواجه تونس اليوم. فنحننريد دولة مستقلّة في قرارها، متحرّرة من الإملاءات الخارجيّة،وقادرة على بناء اقتصاد منتج، لا يكتفي بإدارة الأزمات، وعلى إرساءتنمية عادلة تضع الإنسان وكرامته في قلب السياسات العمومية.
وقد كان الوضع الاجتماعي، بما يشهده من تحركات واحتجاجاتومطالب مهنية، حاضراً بقوّة في تقييمنا، باعتباره مؤشّراً على أنمعالجة الاختلالات الاقتصاديّة والاجتماعيّة لم تعد تحتمل التّأجيل. كما أكّدنا ضرورة الانتقال من مرحلة التّعبير عن الأهداف إلى مرحلةتجسيدها في برامج وقرارات ملموسة.
إنّ الرهان الأساسي هو أن تتمكّن الدولة من تحقيق قدرتها على الفعل والإنجاز، وأن تصبح السّيادة الوطنيّة قوّة إنتاج وتنميةوعدالة اجتماعيّة، لا مجرّد شعار سياسي.
السؤال الثّاني: باعتباركم من أهم القوى المساندة لمسار 25 جويلية، ما تقييمكم لحصيلة هذا المسار وإنجازاته،خاصة على صعيد التّلازم بين الدولة الاجتماعية والسيادةالوطنية؟
الإجابـة:
لقد ساندت حركة تونس إلى الأمام لحظة 25 جويلية انطلاقاً من قناعة بأن ّتونس كانت في حاجة إلى تغيير عميق يقطع مع منظومة الفساد والمحاصصة والخيارات الاقتصادية التي راكمت التبعيّة والمديونيّة والتّفاوت الجهوي والاجتماعي. ولم يكن دعمنا تفويضاً مفتوحاً، بل كان دعماً لمشروع تغيير نريد له أن يحقّق السّيادةالوطنيّة والعدالة الاجتماعيّة وأن يقاوم الفساد بأنواعه وأن يتمكّن بقضاء مستقلّ من الكشف عن الاغتيالات السياسيّة وعن الجرائم المرتكبة في المؤسستين العسكريّة والأمنيّة.
ولا يمكن تقييم هذا المسار بمجرّد ما أحدثه من تغيير في المؤسسات أو في موازين القوى السياسيّة، بل بما أنجزه فعليًّا لفائدة الشّعب،وبقدرته على تغيير النّموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي أنتجالتّهميش والبطالة وتدهور القدرة الشّرائيّة.
 
لقد ظلّ مطلب استعادة القرار الوطني قائماً، لكنّ السيادة لا تكتملإذا بقيت البلاد رهينة المديونيّة والضغط المالي الخارجي، أو إذا عجزالاقتصاد عن خلق الثّروة وموارد الشّغل. كما أنّ الدولة الاجتماعيّة لاتُبنى بالخطاب وحده، بل بسياسات عمومية تضمن الحقّ في الصحةوالتّعليم والنّقل والسكن اللاّئق، وتقلص الفوارق بين الجهات والفئات.
ومن هذا المنطلق، نعتبر أن الاختبار الحقيقي للمسار هو قدرته علىالربط بين التحرّر الوطني والرّقي الاقتصادي والاجتماعي. فلاسيادة فعليّة دون اقتصاد منتج، ولا تنمية عادلة دون دولة قويّةوعادلة، ولا يمكن مطالبة المواطنين بالصبر إلى ما لا نهاية في غيابمؤشّرات ملموسة على تحسن أوضاعهم وخاصة قدرتهم الشّرائيّة وحقّهم في شغل قارّ ولائق.
إنّنا نتمسك بالأهداف التي دافعنا عنها، لكنّنا نرى أنّ الوفاء لهايقتضي تسريع الإصلاحات، ومراجعة الخيارات التي لم تحقّقنتائجها، وإشراك القوى الوطنيّة والاجتماعيّة في صياغة البدائلوتجاوز مواطن الخلل والفشل.
السؤال الثّالث: هل بلغت معركة التحرّر الوطني ذروتها، أمإنّها تواجه ذروة ردة فعل الأطراف الداخليّة والخارجيّة المتضررة من التحرر الوطني؟
الإجابـة:
أعتقد أنّ معركة التحرّر الوطني لم تبلغ نهايتها، بل دخلت مرحلة أكثرتعقيداً. فالتحرّر ليس قراراً سياسيًّا يُتّخذ في لحظة معيّنة، وإنّمامسار متواصل لامتلاك القرار الوطني، والتحكّم في الثّروات،وتحرير الاقتصاد من أشكال التبعيّة، وبناء مؤسّسات قادرة علىحماية مصالح الشّعب.
ومن الطبيعي أن تواجه كل محاولة لتغيير موازين المصالح مقاومة من أطراف تضرّرت مصالحها أو تخشى فقدان مواقعها. لكن من الضروري التّمييز بين المصالح الفئوية التي تسعى إلى إعادة إنتاج المنظومة السابقة، وبين النّقد الوطني والاجتماعي الذي يهدف إلىتصحيح المسار وتحسين أداء الدولة.
كما أنّ الضغوط الخارجيّة ليست كلّها من طبيعة واحدة؛ فهناكمصالح اقتصاديّة وماليّة وجيوسياسيّة تتقاطع أحياناً مع رهاناتداخلية، وقد تتحوّل إلى وسائل للتّأثير في الخيارات الوطنية. ولذلكفإنّ أفضل رد على هذه الضغوط ليس الوقوف عند إدانتها، بل بناءمناعة اقتصاديّة واجتماعيّة، وتنويع العلاقات الدولية، وتعزيز ثقةالمواطنين في مؤسساتهم.
إنّ التحرّر الوطني لا يكتمل إلاّ بتحصين الجبهة الداخلية عبر العدالة الاجتماعية، واحترام الحقوق، وتوسيع المشاركة، وإقامة علاقة ثقة بينالدولة والمجتمع. فكلّما شعر المواطن بأن الدولة تحمي كرامتهومصالحه، أصبح أكثر استعداداً للدفاع عن استقلال القرار الوطنيوحمايته.
وعليه، فإنّ معركتنا ليست معركة شعارات أو اصطفافات ظرفيّة، بلمعركة بناء دولة مستقلة القرار، منتجة للثّروة، عادلة في توزيعها،وقادرة على تحويل إرادة التحرّر إلى واقع ملموس.
السؤال الرابع: وعد رئيس الدولة أكثر من مرة بإدخال تغييرات جذريّة على الجهاز التنفيذي للدولة. فما العوامل التي قد تكون عطلت هذا التّغيير؟
الإجابـة:
لا أعتقد أنّ المسألة تتعلّق بمجرّد تغيير أشخاص وتعويضهم بآخرين،بل بطبيعة التصوّر الذي يحكم عمل الجهاز التّنفيذي، وبمدىامتلاكه برنامجاً واضحاً وقدرة فعليّة على تنفيذ الإصلاحات.
إنّ تغيير المسؤولين يمكن أن يكون ضروريًّا عندما يثبت ضعف الأداء أو تعطّل المشاريع، لكنّه لن يكون كافياً إذا لم تصاحبه مراجعةللسياسات والآليات التي أدّت إلى التعثّر والفشل في تحويل أهداف 25 جويلية إلى مُنجز. فالمواطن ينتظر نتائج ملموسة في التّشغيلوالأسعار والخدمات العموميّة والاستثمار والتّنميّة الجهويّة، ولاينتظر مجرّد تغييرات شكليّة.
وقد يكون من بين العوامل التي تعطّل التّغيير تعقّد الملفات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وتراكم الصعوبات الماليّة والإداريّة،وصعوبة التّنسيق بين مؤسسات الدولة، فضلاً عن غياب الانسجامأحياناً بين الأهداف المعلنة والوسائل المعتمدة لتحقيقها. لكن تحديدالأسباب الفعلية يقتضي معطيات دقيقة لا يمكن اختزالها فيالتّأويلات.
ومن وجهة نظرنا، فإنّ المطلوب هو بناء جهاز تنفيذي سياسي يعملوفق برنامج معلن، وأولويات محدّدة، وآجال واضحة، ومؤشّرات قابلةللقياس. كما يجب أن تقوم المسؤولية على الكفاءة والقدرة علىالإنجاز، وأن تكون المحاسبة مرتبطة بالنتائج.
إنّ التّغيير الذي ننتظره هو تغيير في الأداء وفي منهج الحكم وفي السياسات العموميّة، وليس مجرد تغيير في الأسماء. وتونس لاتحتاج إلى إدارة الأزمات فحسب، بل إلى حكومة سياسيّة تمتلك رؤيةاقتصاديّة واجتماعيّة متكاملة، وتستطيع تحويل الإمكانات الوطنيّةإلى ثروة وفرص عمل وتنمية عادلة.
السؤال الخامس: ما هي، في نظركم، الثّغرات التي تستمد منها المنظومة القديمة قدرتها على إرباك الاستقرار والأمن الاجتماعي بعدة أشكال؟
الإجابـة:
إنّ قدرة القوى المرتبطة بالمنظومة السابقة على استعادة المبادرة لا ينبغي تفسيرها فقط بامتلاكها المال أو النّفوذ أو شبكات المصالح، بليجب أيضاً النّظر إلى الثّغرات التي تتيح لها إعادة توظيف التذمّرالاجتماعي والسياسي.
أوّل هذه الثّغرات هو استمرار الصعوبات المعيشيّة، وارتفاع كلفةالحياة، وتفاقم البطالة، وخاصة بطالة الشّباب وأصحاب الشهائد،إلى جانب التّفاوت بين الجهات وضعف الخدمات العموميّة. فحين لايلمس المواطن تغييراً في حياته اليومية، تتّسع المسافة بينه وبينالخطاب السياسي، مهما كانت الأهداف المعلنة.
وثانيها بطء الإصلاحات وغياب الوضوح في بعض الخيارات الاقتصاديّة والاجتماعيّة. فالفراغ الذي تتركه السياسات غير الفاعلة لا يبقى فارغاً؛ إذ يمكن أن تستغلّه شبكات المصالح القديمة، كمايمكن أن يتحوّل إلى مصدر للاحتقان والاحتجاج.
أما الثّغرة الثّالثة فتتمثل في ضعف قنوات الحوار والتّأطير والوساطة بين الدولة والمجتمع، وفي محدوديّة مشاركة القوى الوطنيّةوالاجتماعيّة في صياغة الحلول. فالاحتجاج ليس في حدّ ذاته تهديداًللاستقرار، بل قد يكون تعبيراً مشروعاً عن مطالب لم تجد طريقهاإلى المعالجة.
ومن الضروري هنا عدم الخلط بين التحرّكات الاجتماعيّة المشروعة ومحاولات التّوظيف السياسي، وعدم وضع كلّ معارضة أو احتجاجفي خانة المنظومة السابقة. فذلك من شأنه أن يحجب الأسبابالحقيقيّة للأزمة ويؤخّر معالجتها.
إنّ مواجهة شبكات الفساد والمحسوبية تقتضي تطبيق القانون على الجميع، وتعزيز الشفافية والمحاسبة، وتفكيك المصالح غير المشروعة،لكنّها تقتضي أيضاً الاستجابة للمطالب الاجتماعيّة، وخلق فرصالعمل، وتحسين الخدمات، توسيع دائرة التّشاور والمشاركة.
فالاستقرار المستدام لا يتحقّق بمجرّد فرض النّظام، بل ببناء الثّقةوالعدالة والإنصاف. وكلما نجحت الدولة في معالجة أسبابالاحتقان، تقلّصت قدرة أي طرف على استغلاله.
إنّها القراءة التي اقترنت ببلورة أعضاء المجلس المركزي لجملة من الإجراءات باتت حتمية للدفع إلى الأمام وللتّقليص من عوامل الاحتقان منها على المستوى:
السياسي: استصدار القوانين المنظمة للمحكمة الدستوريّة وللمجلس الأعلى للقضاء لأنّ القوانين تُصاغ لتُطبّق وتفعيل الدّور التّشريعي للبرلمان باعتبارها المهمة التي من أجلها انتخب الشّعب أعضاء مجلس النّواب وإطلاق سراح من حوكموا على قاعدة الفصل 24 من المرسوم 54 بعد إلغائه والاطلاق الفوري للموقوفين في مسيرة مساندي نشطاء أسطول الصمود.
الاجتماعي: التّطبيق الفوري لقانون عدد 18، بالإضافة إلىالتّسريع بكراء الأراضي الدوليّة على المعطلين عن العمل والتّسريع بتشكيل فريقي عمل من الكفاءات والمختصّين: لمعالجة مشاكل أنظمة الضمان الاجتماعي وتقديم مقترحات ودراسة أوضاع المؤسسات والمنشئات العموميّة واقتراح الحلول الملائمة للإصلاحات الضروريّةعلى قاعدة الحفاظ عليها مكسبا شعبيًّا وتفعيل قدرتها على تحسين المردوديّة والانتاج.
الاقتصادي: دعم الفلاّحين استعدادا لموسم زراعة الحبوب واحكام الإعداد لصابة الزيتون تفاديا لما شهده القطاع خلال السنة الفارطةوتنظيم هياكل الرقابة ولمحاصرة الاحتكار الضّغط على الأسعاروالإعلان عن مواعيد مضبوطة وملزمة للمدّة الزمنيّة والمراحل الضروريّة لاستكمال بعض المشاريع الكبرى التي منها المدينة الصحية بالقيروان والملعب الرياضي بالمنزه...
البيئــــــي: يدعو أعضاء المجلس المركزي استئناسا ببعض التّجارب وفي مقدمتها روندا تخصص اَخر يوم من كل شهر يوما وطنيًّا للنّظافة وتنظيم حملات تنظيف تشارك فيها كلّ فئات الشّعب...
إنّها إجراءات لن تتحقّق دون متابعتها بسياسة اتّصال دوريّة تسجّل الإيجابيات وتدعو إلى تدعيمها وتحدّد السلبيات والنّقائص من أجل تجاوزها. 
اما على مستوى العلاقات الخارجية فقد اكد أعضاء المجلس المركزي على أنّ تعدّد الشغورات في التّمثيل الدبلوماسي الدولي يفقد سياسة الاستثمار اَلية هامة من اَليات الدفع به في الخارج كما يوفر الفراغ أرضية لترويج التشويهات التي تستهدف بلادنا.
السؤال السادس: في خضم ما يشهده العالم من صراع بين الأقطاب، أين ترى مصلحة تونس؟ وما أدواتهاالاستراتيجية للتموقع الناجع؟
الإجابـة:
إنّ مصلحة تونس تكمن في امتلاك قرارها الوطني، وتجنّب التحوّلإلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، أو إلى طرف تابعلهذا المحور أو ذاك. نحن لا نطرح الحياد باعتباره انسحاباً منالعالم، بل باعتباره استقلالاً في القرار وقدرة على بناء علاقات دوليةمتعدّدة على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ.
لقد أصبح العالم يشهد تنافساً متزايداً على الأسواق والموارد والطاقة والتكنولوجيا وممرات التجارة. وفي مثل هذا السياق، لا يكفي أنتعلن تونس استقلال موقفها؛ بل يجب أن تمتلك أدوات ماديةواقتصادية تجعل هذا الاستقلال قابلاً للاستمرار.
الأداة الأولى هي بناء اقتصاد منتج، يقوم على تطوير الصناعةوالفلاحة والصناعات التّحويليّة والتّكنولوجيا والطاقات المتجدّدة، بمايقلص التبعية إلى الخارج ويعزز قدرتنا على التّفاوض.
والأداة الثّانية هي تنويع الشّراكات الاقتصاديّة والتّجاريّة والاستثماريّة، وعدم حصر العلاقات الاستراتيجيّة في فضاء واحد. فتونس بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها تستطيع تطوير علاقاتهامع الفضاء المغاربي والعربي والإفريقي والأوروبي والآسيوي،شريطة أن تقوم هذه العلاقات على التّكافؤ واحترام السّيادةوالمصالح المشتركة.
أمّا الأداة الثّالثة فهي استعادة العمق المغاربي، وتعزيز التّعاونالعربي والإفريقي، وتطوير المبادلات والاستثمارات المشتركة، لأنّالدول المنفردة تكون أكثر عرضة للضّغوط من الدول التي تنجح فيبناء فضاءات تعاون إقليمي فعلي.
وتبقى الأداة الرابعة داخلية بالأساس: دولة فعّالة، وإدارة ناجعة،ومؤسسات مستقرّة، وعدالة اجتماعيّة، وتعليم وبحث علمي قادرانعلى إنتاج المعرفة والابتكار.
إنّ تونس لا تحتاج إلى استبدال التبعيّة لجهة بالتبعيّة لجهة أخرى. ما تحتاجه هو سياسة خارجيّة مستقلّة، وبرنامج اقتصادي وطني،وشراكات لا تمسّ قرارها السّيادي. فالموقع الاستراتيجي لا تصنعهالجغرافيا وحدها، بل تصنعه أيضاً قوّة الاقتصاد وكفاءة الدولةوقدرتها على التّفاوض.
السؤال السابع: في ضوء تداعيات الحرب الإيرانية،وخاصة ما يتعلّق بتأثيرها في إمدادات الطاقة وشرايين الملاحة البحرية، هل نحن إزاء بداية تحول عميق فيالمفاهيم على الساحة العربية، تصبح بمقتضاه السيادة الوطنية ملاذاً، وكل أشكال الاستقواء بالأجنبي وبالا ؟
الإجابـة:
أعتقد أننا إزاء لحظة إقليميّة ودوليّة تفرض على الدول العربية مراجعة عميقة لمفهوم الأمن القومي والسّيادة الوطنيّة، ولطبيعة العلاقاتالتي تربطها بالقوى الدوليّة. فقد أظهرت الأزمات العسكرية أنّالحرب لا تبقى محصورة في ساحات المواجهة، بل تمتدّ تداعياتهاإلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتّجارة والملاحة البحريّة،وتنعكس مباشرة على حياة الشّعوب واقتصاداتها.
إنّ أيّ اضطراب في إمدادات الطاقة أو في الممرّات البحريّة الاستراتيجيّة يمكن أن يرفع كلفة الإنتاج والنّقل، ويزيد الضّغوط علىالميزانيّات العموميّة والقدرة الشّرائيّة، وخاصة في الدول التي تعتمدعلى استيراد الطّاقة والمواد الأساسيّة.
لكنّ الدرس الأعمق لا يتعلّق بالطاقة وحدها، بل بمدى قدرة الدولالعربيّة على حماية مصالحها في عالم لا تحكمه دائماً مبادئ العدالةوالقانون الدولي، بل تتداخل فيه المصالح الاقتصاديّة والحساباتالعسكريّة وموازين القوى.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار إلى مفهوم الأمن القومي العربي باعتباره منظومة متكاملة تشمل الأمن الغذائي والطّاقي والمائي،والقدرة الدفاعيّة، والتّعاون الاقتصادي، واستقلال القرار السياسي. ولا يمكن بناء هذه المنظومة في ظل التشرذم والتّنافس البينيوالارتهان لقوى خارجيّة قد تتعارض مصالحها مع مصالح شعوبالمنطقة.
إنّ السيادة الوطنية لا تعني الانغلاق أو رفض التّعاون الدولي،وإنّما تعني أن تكون الشّراكات اختياراً حرّاً، لا علاقة تبعية، وأنيكون قرار الحرب والسلم بيد المؤسّسات الوطنيّة، لا رهينة لإرادةالقوى الأجنبيّة.
ومع ذلك، فإنّ التحوّلات العميقة لا تُقاس بالشّعارات والمواقفالظرفيّة، بل بقدرة الدول على ترجمة الدروس إلى سياسات فعليّة: تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الأمن الغذائي، وتطوير الإنتاجالوطني، وتوسيع التّعاون العربي، على قاعدة رفض التّطبيع مع الكيان الصهيوني وإيقاف مساره والانتباه الى انّ التّطبيع ليس هدفا لذاته بل انّ الغاية منه الاعتراف بالكيان الصهيوني والاعتراف تتبعه ضرورة مطالبة الكيان بالتعويضات من كل البلدان العربية وباسترجاع ممتلكات "اليهود" فيها.
أمّا الاستقواء بالأجنبي، فلا يمكن مواجهته بخطاب أخلاقي فقط، بلببناء دول قويّة وعادلة، ومجتمعات متماسكة، واقتصادات قادرة علىالصمود. فحين تتوفّر هذه الشّروط تصبح السّيادة ممارسة فعليّة، لامجرّد إعلان سياسي.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

بحث سفير تونس لدى جمهورية الصين الشعبية عادل العربي، في لقاء جمعه، مؤخّرا، مع مسؤولي جامعة بكين،
11:24 - 2026/10/20
 لم تعد فرنسا تواجه أزمة عابرة، بل تعيش على وقع اختلالات عميقة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاق
07:00 - 2026/10/20
نظمت الأكاديمية البرلمانية امس يوما دراسيا حول مقترح قانون الهياكل الرياضية، بمشاركة نواب ومختصّي
07:00 - 2026/10/20
تتواصل حملات التوعية التلفزية بمخاطر المخدرات مستهدفة الأطفال والمراهقين والأسر في مسعى إلى حماية
07:00 - 2026/10/19
أكد سفير اليابان فوق العادة والمفوّض لدى الجمهورية التونسية، سايتو جون، أن الذكرى السبعين لإقامة
07:00 - 2026/10/19
هل نحن فعلا خرجنا من زمن الإنسان المتوحش إلى زمن الإنسان المتحضر العاقل الواعي؟
07:00 - 2026/10/19
تضع المؤشرات المالية والانتقادات النيابية مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام اختبار سياسي واقتصاد
07:00 - 2026/10/19