ظافر يوسف في مهرجان الحمامات الدولي: حين يتحول العود إلى لغة كونية

ظافر يوسف في مهرجان الحمامات الدولي: حين يتحول العود إلى لغة كونية

تاريخ النشر : 12:44 - 2026/07/17

في واحدة من أكثر سهرات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي انتظارًا، اعتلى الفنان التونسي العالمي ظافر يوسف مسرح الهواءالطلق بالحمامات، ليمنح الجمهور أمسية استثنائية تجاوزت مفهوم الحفل الموسيقي إلى تجربة إنسانية وروحية متكاملة. فمنذ الإعلان عن برمجة هذه السهرة، كان واضحًا أن الموعد لن يكون مجرد لقاء مع موسيقي بارع، بل مع أحد أبرز سفراء الثقافة التونسية في العالم، الذي نجح خلال أكثر من عقدين في إعادة تقديم آلة العود ضمن رؤية موسيقية معاصرة تمزج بين الجاز والموسيقى الصوفية والإيقاعات الشرقية والكلاسيكية.

ولم تكن العودة إلى مهرجان الحمامات مجرد محطة جديدة في مسيرته، بل بدت وكأنها عودة إلى المكان الذي يعرف جيدًا قيمة الفن الحقيقي، وإلى جمهور اعتاد الإنصات قبل التصفيق، والبحث عن التجربة الفنية قبل الفرجة السريعة.

***الركح يتحول إلى فضاء للتأمل***

منذ اللحظة الأولى، فرض الصمت نفسه داخل المسرح، وكأن الجمهور كان يدرك أنه على موعد مع موسيقى لا تُستهلك، بل تُعاش. دخل ظافر يوسف إلى الركح بهدوئه المعتاد، ممسكًا بعوده الذي تحول، خلال سنوات طويلة إلى امتداد لروحه.

لم يحتج الفنان إلى مقدمات طويلة ولا إلى مؤثرات استعراضية، فقد كانت النغمة الأولى كافية لتعلن بداية رحلة موسيقية أخذت الحاضرين إلى عوالم تتقاطع فيها الروحانية مع الحرية، والارتجال مع الدقة والشرق مع الغرب.

***العود... بطل الحكاية***

في مشروع ظافر يوسف، لا يؤدي العود دور المرافقة بل يحتل مركز المشهد. فهو يعامله كآلة عالمية قادرة على التحاور مع البيانو والساكسوفون وآلات الإيقاع الحديثة دون أن تفقد هويتها الشرقية.

وجاء الأداء مليئًا بالارتجالات التي صنعت لحظات فريدة، حيث لم تكن المقطوعات تُعزف كما هي مكتوبة، بل كانت تولد من جديد أمام الجمهور، وهو ما منح العرض طابعًا حيًا ومتجددًا.

أما صوته، الذي يمتد إلى طبقات غير مألوفة، فقد بدا وكأنه آلة موسيقية إضافية، ينساب بين المقامات الشرقية والجمل الجازية بانسيابية نادرة، في تجربة يصعب تصنيفها ضمن لون موسيقي واحد.

***حوار موسيقي بين الثقافات***

رافق ظافر يوسف عدد من الموسيقيين الذين شكّلوا معه حالة من الانسجام اللافت، فلم تكن العلاقة بينهم قائمة على مرافقة العود، بل على الحوار الموسيقي الحر، حيث تبادلت الآلات الأدوار في مشهد أقرب إلى ورشة إبداع مفتوحة.

هذا الحوار بين الثقافات المختلفة هو أحد أهم عناصر مشروع ظافر يوسف الفني، الذي آمن منذ بداياته بأن الموسيقى قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، وأن الهوية لا تُصان بالانغلاق، بل بالانفتاح الواعي على الآخر.

***جمهور يعرف قيمة الإنصات***

كان جمهور مهرجان الحمامات شريكًا أساسيًا في نجاح السهرة. فلم يقطع المقطوعات بالتصفيق المتسرع، بل منح الموسيقى حقها في الاكتمال، ثم انفجر تصفيقًا بعد كل عمل، تقديرًا لما حملته اللحظات السابقة من جمال وإبداع.

ومع نهاية العرض، وقف الحاضرون لتحية الفنان في مشهد عكس حجم التأثر الذي خلفته هذه الأمسية، ليؤكد مرة أخرى أن ظافر يوسف لا يقدم حفلات، بل يصنع تجارب تبقى عالقة في الذاكرة.

***الدورة الستون... احتفاء بالفن الحقيقي***

تؤكد برمجة ظافر يوسف ضمن احتفالات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي تمسك إدارة المهرجان بخطها الثقافي القائم على استضافة التجارب الفنية التي تملك قيمة إبداعية حقيقية، وتمنح الجمهور فرصة لقاء أسماء صنعت حضورها في أهم المسارح العالمية.

وفي زمن أصبحت فيه العروض السريعة تهيمن على المشهد الفني، جاءت هذه السهرة لتذكر بأن الموسيقى الراقية لا تحتاج إلى ضجيج حتى تحقق نجاحها، بل يكفيها الصدق، والإبداع، والقدرة على مخاطبة الوجدان.

***سهرة ستظل في ذاكرة المهرجان***

لم يكن عرض ظافر يوسف مجرد محطة ضمن برنامج مهرجان الحمامات الدولي، بل كان واحدًا من أبرز العروض التي ستبقى عالقة في ذاكرة الدورة الستين. فقد استطاع الفنان التونسي العالمي أن يؤكد مرة أخرى أن الإبداع الحقيقي لا يعترف بالحدود، وأن الموسيقى، حين تصدر من القلب، تصبح لغة يفهمها الجميع.

وفي تلك الليلة، لم يكن العود مجرد آلة موسيقية، بل كان سفيرًا للحضارة العربية، وجسرًا بين الثقافات، ورسالة سلام حملها ظافر يوسف من تونس إلى العالم، ثم أعادها إلى جمهور بلاده في أمسية اختلط فيها الفن بالتأمل، والإبداع بالدهشة، ليكتب فصلًا جديدًا من تاريخ مهرجان الحمامات الدولي.

 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

كشفت الهيئة المديرة لمهرجان المنستير الدولي مساء أمس الخميس 16 أوت 2026 عن برنامج الدورة 53 التي
09:37 - 2026/07/17
في هذا القيظ الذي يلفّ تونس، حيث تشتدّ حرارة الشمس وتتوقُ الأرواح إلى نسماتٍ من سكون، نستضيف في "
07:00 - 2026/07/17
ينطلق في منطقة شط مريم بسوسة صباح اليوم المؤتمر الدولي الصيفي حول الرقمنة في التربية والتعليم ودو
08:06 - 2026/07/16
ليست الدراما مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت احدى أكثر أدوات التأثير في تشكيل السلوك والذوق العام ..
07:00 - 2026/07/16
"يوم ميلادي الفني كان مع ثورة يوليو 1952 فالثورة ذكرى إنبعاثي الجديد و  أنا ابن الثورة ولم أغنِّ
07:00 - 2026/07/16
في أعالي ولاية باجة، وعلى بعد نحو 120 كيلومتراً من العاصمة تونس، ينتصب المسرح الروماني بمدينة دقّ
07:00 - 2026/07/16