"بَكْمَة".. صدمة بصرية تعري العنف المتغلغل في عمق المجتمع

"بَكْمَة".. صدمة بصرية تعري العنف المتغلغل في عمق المجتمع

تاريخ النشر : 17:16 - 2026/10/16

يواصل المخرج عبد الحميد بوشناق، في فيلمه «بَكْمَة»، استكشاف المناطق المظلمة في المجتمع، من خلال قصة بوليسية تتجاوز البحث عن قاتل متسلسل إلى طرح أسئلة عن العنف والتهميش والصمت. وبين ماضٍ مثقل بالإذلال، وجرائم تستهدف فئات ضعيفة، وصحفي يتعرض لاعتداء وحشي، يفتح الفيلم المجال لقراءات عديدة ومختلفة، وإن لم ينجح دائماً في تحويل طموحه إلى بناء درامي متماسك.
وقد سجّل الفيلم عرضه العالمي الأول ضمن الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا، في قسم "Fuori Concorso"، قبل أن يعرض للمرة الأولى في تونس يوم الخميس 15 أوكتوبر بقاعة الاوبيرا، ليواصل بوشناق مساراً سينمائياً اتسم بالجرأة والاهتمام بالموضوعات المثيرة للجدل، منذ فيلمه "دشرة".


جريمة قتل تكشف عالماً من التناقضات


ينطلق الفيلم من اكتشاف جثة امرأة شابة تعرّضت للتشويه، في مشهد يتجاوز بشاعته وظيفة الجريمة التقليدية داخل الحكاية البوليسية. ويتولى المحقّقان علي وخالد متابعة القضية، في مواجهة قاتل "ياسين" لا يكتفي بارتكاب جرائمه، بل يبدو حريصاً على تحويلها إلى رسائل صادمة.
غير أن مسار الأحداث لا يظل محصوراً في البحث عن هوية القاتل ودوافعه، بل يتسع ليشمل شخصيات وفئات اجتماعية مهمّشة، من بينها المشردون والعاملات في الجنس، في عالم تتداخل فيه الأحكام الأخلاقية المسبقة مع العنف والإقصاء.
وفي هذا السياق، يكتسب عنوان الفيلم «بَكْمَة» دلالة تتجاوز المعنى المباشر للعجز عن الكلام. فالصمت قد يكون نتيجة للخوف، أو للتهميش، أو لفقدان القدرة على التأثير في الأحداث وفي الطريقة التي يروي بها الآخرون حياة المهمّشين. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الفيلم باعتباره محاولة لطرح سؤال من يملك حق الكلام، ومن يُحرم منه، ومن يفرض روايته بالقوة.
لكنّ طرح هذه الأسئلة لا يعني بالضرورة أن الفيلم يقدّم إجابات واضحة عنها. فبينما يسعى إلى كشف مظاهر العنف، يظلّ مطالباً بإقناع المتفرّج بأن الصور القاسية التي يعرضها تخدم رؤية فكرية ودرامية، ولا تتحول إلى غاية مستقلة عن المعنى.


ياسين.. ضحية الأمس وجلاد اليوم


لا يقدّم «بَكْمَة» شخصية ياسين باعتبارها قاتلاً مجرداً من الماضي، بل يخصص حيزاً للكشف عن طفولة مثقلة بالإهمال والإذلال. فوالدته، التي تعمل خيّاطة، تبدو أكثر اهتماماً بكلبها منه، فيقرر قتل الكلب فتدفعه والدته إلى الحلول مكانه، وتربطه في موضعه وتطالبه بالنباح مثله. ويتحوّل هذا المشهد إلى جرح يتضاعف بفعل تنمر أبناء الحي منه، ومن بينهم خالد، الذي يصبح لاحقاً شرطياً ويختطف ياسين زوجته.
من خلال هذه الخلفية، يحاول الفيلم ربط قسوة ياسين بما تعرّض له من رفض وإهانة في طفولته. لكنّ تفسير العنف لا يعني تبريره؛ فالطفل الذي عانى من الإذلال يتحول، عندما يكبر، إلى شخص يمارس الإيذاء على الآخرين، بمن فيهم أشخاص لا يتحملون بالضرورة مسؤولية ماضيه.
وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات الشخصية: ياسين الذي كان ضحية للعنف الاجتماعي يعيد إنتاجه، ولكن من موقع الجلاد. وهنا يطنب عبد الحميد بوشناق في إغراق الشخصية في القسوة والعنف والإجرام بشكل جرّده من كل إحساس بالإنسانية حتى مع والدته المقعدة. ويبدو أن بوشناق تعمّد ذلك حتى لا يطبّع المتفرج مع الشخصية المجرمة ويبحث لها عن دوافع تبرر اجرامها.


حين تصبح اليد المبتورة استعارة عن إسكات الصحافة


ومن أكثر المشاهد إثارة للتأويل شخصية الصحفي الذي يبتر ياسين إصبعه ثم يقطع يده. فبعيداً عن القسوة الجسدية للمشهد، يمكن قراءة استهداف اليد باعتباره استعارة عن تعطيل الصحفي عن أداء مهنته، وحرمانه من أداة الكتابة ونقل الوقائع إلى الجمهور.
لكنّ هذه القراءة لا تحسم بالضرورة موقف المخرج من الصحافة، خصوصاً أن الشخصية لا تظهر باعتبارها نموذجاً مثالياً للنزاهة المهنية. وهو ما يفتح سؤالاً آخر: هل ينتقد الفيلم استهداف الصحفيين، أم يوجّه أيضاً نقداً إلى الممارسات المنحرفة داخل المهنة؟ وفي الحالتين، يبقى التمييز ضرورياً بين مساءلة الصحفي عن أدائه والاعتداء على حقه في العمل والتعبير.
ولا يمكن الجزم بأن بوشناق قصد إحالة مباشرة إلى واقع حرية الصحافة في تونس من دون تصريح واضح منه، لكنّ المشهد يسمح بهذه القراءة، ويمنح الفيلم بعداً سياسياً يتجاوز حكاية الجريمة.


فيلم يثير الأسئلة أكثر مما يحسمها


تتمثل أهمية «بَكْمَة» في أنه لا يكتفي بتقديم قاتل وجرائم متسلسل، بل يتيح مساءلة العلاقة بين الإذلال والعنف، وبين التهميش والانتقام، وبين الكلمة والقدرة على إسكاتها. وتظل شخصية ياسين محوراً لهذا النقاش، لأنها تجمع بين ماضٍ يثير التعاطف وحاضر يجعلها مسؤولة عن معاناة الآخرين.
أما الصحفي الذي يفقد إصبعه ثم يده، فيفتح باباً لتأويل سياسي يتصل بحرية التعبير، من دون أن يكون ذلك دليلاً قاطعاً على قصد المخرج. وبين هذه الدلالات، يظل التحدي الفني قائماً: كيف يمكن للسينما أن تكشف قسوة الواقع من دون أن تصبح أسيرة الصدمة؟
فليس كل ألم يصنع ضحية بريئة، وليس كل ماضٍ مأساوي يبرّر العنف، كما أن تصوير الاعتداء على الكلمة لا يكفي وحده للدفاع عن حرية التعبير. وبين تفسير الجريمة وإدانتها، وبين جرأة الصورة وعمق المعالجة، يترك «بَكْمَة» المتفرّج أمام أسئلة تستحق النقاش، حتى عندما لا يقدم عنها إجابات مكتملة.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

انتشار "مريب "لابناء و بنات الممثلين و الممثلات في المسلسلات والسينما  والمسرح و في العروض الفنية
18:00 - 2026/10/16
تحت إشراف وزيرة الشؤون الثقافية السيدة أمينة الصرارفي، تفتتح مساء السبت 17 أكتوبر 2026، الدورة ال
14:25 - 2026/10/16
تفتتح الدورة الثالثة للصالون الوطني للفنون التشكيلية، بمشاركة 94 فنانا، من 22 ولاية تونسية، مساء
07:00 - 2026/10/16
تنظم مؤسسة  منتدى أصيلة شمال المغرب ظهر اليوم في مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية ندوة تكريمية
12:45 - 2026/10/15
احتضنت مدينة الثقافة ندوة صحفية حول الدّورة الخامسة  للمعرض الوطني للكتاب التونسي التي ستنتظم  تح
07:00 - 2026/10/15
كانت أمي تقف في منتصف قاعة الجلوس، يداها على خاصرتيها، وعيناها تنطقان بعتاب صامت قبل أن ينطلق لسا
07:00 - 2026/10/15