مع الشروق :ديبلوماسية القوة وانهيار القيم
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/01/08
ليست المسألة مرتبطة بشخص نيكولاس مادورو في حدّ ذاته، بقدر ما هي متصلة بالسابقة الخطيرة التي أسّست لها الولايات المتحدة حين منحت نفسها حقّ ملاحقة واعتقال رئيس دولة ذات سيادة خارج أي تفويض أممي أو مسار قضائي دولي مستقل، فحين تتحوّل الدولة الأقوى في العالم إلى خصم وحكم في آن واحد، يصبح القانون الدولي مجرّد نصّ بلا روح، وتتحوّل السيادة الوطنية إلى مفهوم هشّ قابل للمصادرة متى تعارض مع مصالح الكبار.
فالمنظومة الدولية التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية قامت نظريّا على الأقل على مبدأ سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحصر المحاسبة الجنائية الدولية في أطر محدّدة، على رأسها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، غير أنّ الواقع أثبت مرارا أنّ هذه القواعد تُحترم فقط حين لا تمسّ مصالح القوى العظمى.
ولا شكّ أن اعتقال رئيس دولة، والتعامل معه باعتباره "مجرما مطلوبا" بقرار أحادي، يعكس انهيار مبدأ المساواة بين الدول، ويكرّس منطقا جديدا مفاده أن من يملك القوة يملك الحق، وهو منطق يعيد العالم إلى عصور ما قبل القانون، حيث كانت الإمبراطوريات تُسقط الملوك وتعيّن غيرهم بقوة السلاح أو الحصار أو الابتزاز.
قد ترى بعض القراءات أنّ فنزويلا حالة معزولة، وأنّ الخلاف بينها وبين واشنطن سياسي واقتصادي بالأساس، غير أنّ التاريخ القريب يُبرز أنّ ما يبدأ بدولة "متمرّدة" أو "غير منضبطة" سرعان ما يتحوّل إلى قاعدة عامة، فدول كالعراق، ليبيا، أفغانستان، بنما وغيرها تشكّل أمثلة صارخة لبلدان ذات سيادة دفعت ثمنا باهظا لأنها اختارت أن تكون خارج "بيت الطاعة".
ومن الثابت أن الخطر الحقيقي لا يكمن في اعتقال مادورو على فداحته و دوسه على القانون الدولي، بل في شرعنة التدخل المباشر في مصير القيادات الوطنية، وفتح الباب أمام فوضى دولية يصبح فيها أي رئيس أو مسؤول في دولة ضعيفة أو متوسطة عرضة للملاحقة أو الإطاحة متى تغيّرت موازين المصالح.
وفي عالم يتراجع فيه منسوب الأخلاق في العلاقات الدولية، ويُستبدل فيه القانون بمنطق القوة، تبدو الوحدة العربية واستدعاء أوراق القوة ضرورة وجودية لا ترفا سياسيا، فالدول العربية، رغم ما تملكه من ثروات طاقية، وموقع جيوسياسي، وعمق ديمغرافي، ما تزال في أغلبها خارج معادلة التأثير الحقيقي.
إنّ استمرار الانقسام العربي، وارتهان القرار الوطني للخارج، يضع المنطقة كلّها في خانة الهشاشة، وما حدث في فينزويلا، لا شيء يمنع تكرّره في أي دولة في العالم إذا ما تقاطعت مصالحها مع رغبات القوة المهيمنة.
فأخطر ما في المشهد الدولي الراهن هو تطبيع فكرة أن القانون يُطبّق انتقائيا، وأنّ العدالة ليست سوى أداة في يد الأقوى، وإذا استمرّ هذا المسار، فإنّ العالم مقبل على مرحلة تتآكل فيها المؤسسات الدولية، وتتحوّل فيها الأمم المتحدة إلى شاهد لاحول له ولا قوة أمام صراعات تُدار خارجها.
وفي زمن شريعة الغاب، لا تحمي الدولَ بيانات الشجب ولا خطابات الإدانة، بل امتلاك عناصر القوة الاقتصادية، السياسية، التكنولوجية، وحتى الرمزية، ومن لا يدرك هذه الحقيقة، سيجد نفسه عاجلا أم آجلا خارج التاريخ، وما اعتقال الرئيس الفينزويلي مهما كانت المبررات سوى جرس إنذار جديد على أن العالم لم يعد يُدار بالقانون، بل بالقوة، ومن لا يستعدّ، يُستبعد.
هاشم بوعزيز
ليست المسألة مرتبطة بشخص نيكولاس مادورو في حدّ ذاته، بقدر ما هي متصلة بالسابقة الخطيرة التي أسّست لها الولايات المتحدة حين منحت نفسها حقّ ملاحقة واعتقال رئيس دولة ذات سيادة خارج أي تفويض أممي أو مسار قضائي دولي مستقل، فحين تتحوّل الدولة الأقوى في العالم إلى خصم وحكم في آن واحد، يصبح القانون الدولي مجرّد نصّ بلا روح، وتتحوّل السيادة الوطنية إلى مفهوم هشّ قابل للمصادرة متى تعارض مع مصالح الكبار.
فالمنظومة الدولية التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية قامت نظريّا على الأقل على مبدأ سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحصر المحاسبة الجنائية الدولية في أطر محدّدة، على رأسها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، غير أنّ الواقع أثبت مرارا أنّ هذه القواعد تُحترم فقط حين لا تمسّ مصالح القوى العظمى.
ولا شكّ أن اعتقال رئيس دولة، والتعامل معه باعتباره "مجرما مطلوبا" بقرار أحادي، يعكس انهيار مبدأ المساواة بين الدول، ويكرّس منطقا جديدا مفاده أن من يملك القوة يملك الحق، وهو منطق يعيد العالم إلى عصور ما قبل القانون، حيث كانت الإمبراطوريات تُسقط الملوك وتعيّن غيرهم بقوة السلاح أو الحصار أو الابتزاز.
قد ترى بعض القراءات أنّ فنزويلا حالة معزولة، وأنّ الخلاف بينها وبين واشنطن سياسي واقتصادي بالأساس، غير أنّ التاريخ القريب يُبرز أنّ ما يبدأ بدولة "متمرّدة" أو "غير منضبطة" سرعان ما يتحوّل إلى قاعدة عامة، فدول كالعراق، ليبيا، أفغانستان، بنما وغيرها تشكّل أمثلة صارخة لبلدان ذات سيادة دفعت ثمنا باهظا لأنها اختارت أن تكون خارج "بيت الطاعة".
ومن الثابت أن الخطر الحقيقي لا يكمن في اعتقال مادورو على فداحته و دوسه على القانون الدولي، بل في شرعنة التدخل المباشر في مصير القيادات الوطنية، وفتح الباب أمام فوضى دولية يصبح فيها أي رئيس أو مسؤول في دولة ضعيفة أو متوسطة عرضة للملاحقة أو الإطاحة متى تغيّرت موازين المصالح.
وفي عالم يتراجع فيه منسوب الأخلاق في العلاقات الدولية، ويُستبدل فيه القانون بمنطق القوة، تبدو الوحدة العربية واستدعاء أوراق القوة ضرورة وجودية لا ترفا سياسيا، فالدول العربية، رغم ما تملكه من ثروات طاقية، وموقع جيوسياسي، وعمق ديمغرافي، ما تزال في أغلبها خارج معادلة التأثير الحقيقي.
إنّ استمرار الانقسام العربي، وارتهان القرار الوطني للخارج، يضع المنطقة كلّها في خانة الهشاشة، وما حدث في فينزويلا، لا شيء يمنع تكرّره في أي دولة في العالم إذا ما تقاطعت مصالحها مع رغبات القوة المهيمنة.
فأخطر ما في المشهد الدولي الراهن هو تطبيع فكرة أن القانون يُطبّق انتقائيا، وأنّ العدالة ليست سوى أداة في يد الأقوى، وإذا استمرّ هذا المسار، فإنّ العالم مقبل على مرحلة تتآكل فيها المؤسسات الدولية، وتتحوّل فيها الأمم المتحدة إلى شاهد لاحول له ولا قوة أمام صراعات تُدار خارجها.
وفي زمن شريعة الغاب، لا تحمي الدولَ بيانات الشجب ولا خطابات الإدانة، بل امتلاك عناصر القوة الاقتصادية، السياسية، التكنولوجية، وحتى الرمزية، ومن لا يدرك هذه الحقيقة، سيجد نفسه عاجلا أم آجلا خارج التاريخ، وما اعتقال الرئيس الفينزويلي مهما كانت المبررات سوى جرس إنذار جديد على أن العالم لم يعد يُدار بالقانون، بل بالقوة، ومن لا يستعدّ، يُستبعد.
هاشم بوعزيز