مع الشروق : هل تنتهي فوضى الدّعم برقمنة مسالك التّوزيع في أفريل المقبل؟
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/01/27
أطلقت وزارة التجارة وتنمية الصادرات، منذ بداية شهر جانفي الجاري، تجربة رقمنة مسالك توزيع المواد المُدعّمة عبر منصّة خاصة تتولّى مراقبة عمليات خروج هذه المواد ورصدها بدقّة، من تجّار الجملة إلى إثبات تسليمها الفعلي من قبل تجّار التفصيل، لقطع الطريق أمام المتلاعبين والمتحيّلين.
وحسب المعطيات المتوفّرة، فإنّ هذه المرحلة التجريبية ستمتدّ ثلاثة أشهر ، إلى غاية شهر مارس المقبل، على أن ينطلق العمل الفعلي بالمنصّة خلال شهر أفريل القادم، باعتبارها أحد أبرز الحلول الممكنة لوضع حدّ لحالة الفوضى والندرة المفتعلة التي تُربك السّوق، والتقليص من الاحتكار والمضاربة، عبر تتبّع مسار هذه المواد رقميًا منذ خروجها من المخازن وصولًا إلى التجّار .
وسيمكّن هذا النظام من رصد أيّ كميات تختفي أو يقع تحويل وجهتها خارج المسالك القانونية، أو يتمّ تعطيل ضخّها في السّوق، مع تحديد الجهة المسؤولة عن عدم وصول المواد الغذائية إلى نقاط البيع. كما يُتوقّع أن يُسهم في الحدّ من تهريب المواد المُدعّمة خارج الحدود، خاصّة في اتجاه ليبيا، بفضل تسجيل كلّ شحنة وتعقّب مسارها بشكل دقيق، لتتحوّل المنصّة إلى ذاكرة رقمية تُوثّق مسار توزيع المنتجات منذ خروجها إلى أن تبلغ يد المستهلك.
وستمكّن الرقمنة الدّولة من تشخيص نقاط الخلل داخل سلسلة التوزيع، والكشف عن الوسطاء المتلاعبين والفواتير الوهمية التي أنهكت ميزانية الدّعم دون أن يستفيد منها المواطن البسيط. كما يُنتظر أن تُحسّن انتظام التزويد وتُقلّص من فترات الندرة المفتعلة التي تتكرّر بين الحين والآخر، بما يضع حجر الأساس لإصلاح السّوق، وفرملة الأسعار، وتجفيف منابع الاحتكار، خاصّة خلال فترات الذّروة الاستهلاكية والمناسبات.
يأتي هذا التوجّه في سياق السعي إلى الحدّ من نزيف التلاعب بالمواد المُدعّمة، في وقت تُنفق فيه تونس سنويًا مليارات الدنانير — نحو 3.8 مليارات دينار — لدعم المواد الأساسية كالخبز، والسميد، والسكر، والزيت المُدعّم، والحليب، والقهوة، والشاي وغيرها. وهو ما من شأنه أن يُغلق الباب أمام «حيتان» مسالك التوزيع التي استفادت لسنوات من ضعف الرقابة، وأفقدت السّوق توازنه، وألحقت الضرر بالمواطن والدّولة على حدّ سواء، وراكمت أرباحها من الأزمات بل وسعت إلى تكريسها لضمان استمرار نفوذها.
إنّ الرقمنة، كمشروع إصلاح وإنقاذ، قادرة على تحويل الدّعم من عبء ثقيل على الدّولة إلى أداة حماية اجتماعية حقيقية. غير أنّ نجاحها يبقى رهين شفافية المعطيات، وهي إحدى أبرز مكاسب هذا المسار، إذ ستترك كلّ حركة في السّوق أثرها عبر مختلف حلقات التوزيع. وتَخطو الدّولة بذلك خطوة حاسمة نحو تفكيك منظومة الفساد المرتبطة بالدّعم، رغم ما يفرضه هذا الخيار من تحدّيات تقنية، تستوجب توفير بنية تحتية محصّنة ضدّ الاختراق والتلاعب، وربط التتبّع الرقمي بعقوبات صارمة وغير قابلة للتراجع، لردع المخالفين ووضعهم أمام حقيقة مفادها أنّ فوضى السّوق قد انتهت.
وإن كانت رقمنة مسالك التوزيع لا تمثّل حلًّا سحريًا لكلّ أعطاب السّوق، إلاّ أنّها خطوة مفصلية لكسر منطق الإفلات من الرقابة ووضع حدّ لمنظومة الفوضى التي راكمت الخسائر على حساب المواطن والدّولة. إذ،حين يصبح مسار المواد المُدعّمة مرئيًا ومُوثّقًا، تتقلّص هوامش التلاعب وتستعيد السّوق حدًّا أدنى من الشفافية والتوازن. ويبقى الرهان الحقيقي في الإرادة الصارمة لتطبيق القانون دون استثناء، حتّى تتحوّل الرقمنة من مجرّد منصّة تقنية إلى أداة فعلية لحماية القدرة الشرائية وترسيخ عدالة التوزيع، وطيّ صفحة سوداء طال أمدها في مسالك الدّعم.
وحيدة المي
أطلقت وزارة التجارة وتنمية الصادرات، منذ بداية شهر جانفي الجاري، تجربة رقمنة مسالك توزيع المواد المُدعّمة عبر منصّة خاصة تتولّى مراقبة عمليات خروج هذه المواد ورصدها بدقّة، من تجّار الجملة إلى إثبات تسليمها الفعلي من قبل تجّار التفصيل، لقطع الطريق أمام المتلاعبين والمتحيّلين.
وحسب المعطيات المتوفّرة، فإنّ هذه المرحلة التجريبية ستمتدّ ثلاثة أشهر ، إلى غاية شهر مارس المقبل، على أن ينطلق العمل الفعلي بالمنصّة خلال شهر أفريل القادم، باعتبارها أحد أبرز الحلول الممكنة لوضع حدّ لحالة الفوضى والندرة المفتعلة التي تُربك السّوق، والتقليص من الاحتكار والمضاربة، عبر تتبّع مسار هذه المواد رقميًا منذ خروجها من المخازن وصولًا إلى التجّار .
وسيمكّن هذا النظام من رصد أيّ كميات تختفي أو يقع تحويل وجهتها خارج المسالك القانونية، أو يتمّ تعطيل ضخّها في السّوق، مع تحديد الجهة المسؤولة عن عدم وصول المواد الغذائية إلى نقاط البيع. كما يُتوقّع أن يُسهم في الحدّ من تهريب المواد المُدعّمة خارج الحدود، خاصّة في اتجاه ليبيا، بفضل تسجيل كلّ شحنة وتعقّب مسارها بشكل دقيق، لتتحوّل المنصّة إلى ذاكرة رقمية تُوثّق مسار توزيع المنتجات منذ خروجها إلى أن تبلغ يد المستهلك.
وستمكّن الرقمنة الدّولة من تشخيص نقاط الخلل داخل سلسلة التوزيع، والكشف عن الوسطاء المتلاعبين والفواتير الوهمية التي أنهكت ميزانية الدّعم دون أن يستفيد منها المواطن البسيط. كما يُنتظر أن تُحسّن انتظام التزويد وتُقلّص من فترات الندرة المفتعلة التي تتكرّر بين الحين والآخر، بما يضع حجر الأساس لإصلاح السّوق، وفرملة الأسعار، وتجفيف منابع الاحتكار، خاصّة خلال فترات الذّروة الاستهلاكية والمناسبات.
يأتي هذا التوجّه في سياق السعي إلى الحدّ من نزيف التلاعب بالمواد المُدعّمة، في وقت تُنفق فيه تونس سنويًا مليارات الدنانير — نحو 3.8 مليارات دينار — لدعم المواد الأساسية كالخبز، والسميد، والسكر، والزيت المُدعّم، والحليب، والقهوة، والشاي وغيرها. وهو ما من شأنه أن يُغلق الباب أمام «حيتان» مسالك التوزيع التي استفادت لسنوات من ضعف الرقابة، وأفقدت السّوق توازنه، وألحقت الضرر بالمواطن والدّولة على حدّ سواء، وراكمت أرباحها من الأزمات بل وسعت إلى تكريسها لضمان استمرار نفوذها.
إنّ الرقمنة، كمشروع إصلاح وإنقاذ، قادرة على تحويل الدّعم من عبء ثقيل على الدّولة إلى أداة حماية اجتماعية حقيقية. غير أنّ نجاحها يبقى رهين شفافية المعطيات، وهي إحدى أبرز مكاسب هذا المسار، إذ ستترك كلّ حركة في السّوق أثرها عبر مختلف حلقات التوزيع. وتَخطو الدّولة بذلك خطوة حاسمة نحو تفكيك منظومة الفساد المرتبطة بالدّعم، رغم ما يفرضه هذا الخيار من تحدّيات تقنية، تستوجب توفير بنية تحتية محصّنة ضدّ الاختراق والتلاعب، وربط التتبّع الرقمي بعقوبات صارمة وغير قابلة للتراجع، لردع المخالفين ووضعهم أمام حقيقة مفادها أنّ فوضى السّوق قد انتهت.
وإن كانت رقمنة مسالك التوزيع لا تمثّل حلًّا سحريًا لكلّ أعطاب السّوق، إلاّ أنّها خطوة مفصلية لكسر منطق الإفلات من الرقابة ووضع حدّ لمنظومة الفوضى التي راكمت الخسائر على حساب المواطن والدّولة. إذ،حين يصبح مسار المواد المُدعّمة مرئيًا ومُوثّقًا، تتقلّص هوامش التلاعب وتستعيد السّوق حدًّا أدنى من الشفافية والتوازن. ويبقى الرهان الحقيقي في الإرادة الصارمة لتطبيق القانون دون استثناء، حتّى تتحوّل الرقمنة من مجرّد منصّة تقنية إلى أداة فعلية لحماية القدرة الشرائية وترسيخ عدالة التوزيع، وطيّ صفحة سوداء طال أمدها في مسالك الدّعم.
وحيدة المي